إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان السوى يوزع عواطفه بطريقة سوية : فمثلاً يقيم توازناً بين المرح والكأبه فى حياته ، وبين الجدية والبساطة ، وبين العمل والترفيه ويضع أمامه قول الكتاب " لكل شئ تحت السماء وقت "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

سادسًا: أراد السيد المسيح أن يظهر قسوة عدو الخير لذلك سأل الروح النجس: "ما اسمك؟ فأجاب قائلاً: اسمي لجئون، لأننا كثيرون" [9]. وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [حقًا سأله الرب لا ليعرف شيئًا، وإنما لكي يدرك من هم حوله أن كثيرين يسكنونه.]

ما حدث مع هذا المسكين يمثل صورة حية للإنسان حين يخضع لخطيةٍ ما أو لشيطانٍ ما، فالخطية تسلمه إلى أخرى، والشيطان إلى آخر ليكون مستعبدًا للجئون، وكما يقول القديس يوحنا سابا: [الآلام (الخطايا) متشابكة بعضها ببعض، إن خضعت لألم ما فبالضرورة تصير عبدًا لبقية رفقائه.]

يرى البعض أن كلمة "لجئون" في الأصل معناها "جندي"، وكأنه يقول أننا فرقة عسكرية لا تكف عن الحرب. وقد قيل أنه اسم فرقة رومانية قوامها ستة آلاف جندي. هذا ويلاحظ أن هذا العدد كان يتحدث قبلاً بصيغة المفرد، إذ لم يكن يرد أن يكشف عن نفسه، لكن إذ اعترف بأنه لجئون صار يتحدث بصيغة الجمع.

سابعًا: سألته الشياطين أن يسمح لها بالذهاب إلى قطيع الخنازير، فمن جانب أدركت الشياطين أن السيد المسيح لن يسمح لهم بدخول إنسانٍ آخر، إذ رأته جاء يكرم البشرية بتجسده، ولا طلبت منه الدخول في حيوانات طاهرة، يمكن أن تستخدم كتقدمة في هيكل الرب، فاستأذنت أن تدخل الخنازير النجسة، وقد سمح لها السيد ليعلن للحاضرين قيمة النفس البشرية، فهي أثمن من ألفين من الخنازير! وأيضًا ليكشف لهم بطريقة ملموسة شر الشياطين وطبيعتهم المحبة للهلاك حتى بالنسبة للحيوانات غير العاقلة، ويكشف أنها لا تستطيع أن تدخل كائنًا ما بدون إذنه!

يعلق أيضًا القديس أمبروسيوس على طلب الشياطين هذا بقوله: [يدأت الشياطين تتضرع إليه ليأمرها حتى تدخل في قطيع الخنازير، وهنا يجب ملاحظة مراحم الله، إذ لم يبدأ بدينونة أحد، لكن كل واحد يعمل لدينونته، لم يطرد الشياطين إلى قطيع الخنازير، إنما هم طلبوا ذلك، لأنهم لم يستطيعوا احتمال بهاء شعاع النور الإلهي. وكما أن مرضى العيون لا يستطيعون احتمال التطلع في ضوء الشمس، مفضلين الظلام، هاربين من النور، هكذا تهرب الشياطين من بهاء النور الأبدي مرتعبة قبل حلول الوقت حيث ينتظرها العذاب... ما هو قطيع الخنازير هذا إلا أولئك الذين قيل عنهم: "لا تطرحوا قدسكم للخنازير" (مت 7: 6)؟ هؤلاء الذين يشبهون الحيوانات الحقيرة التي بلا نطق ولا فهم، يدنسون حياتهم بالأعمال النجسة... فيقودهم تصرفهم إلى الهاوية إذ لا يقدرون المكافأة، وباندفاعهم من فوق إلى أسفل الشر يختنقون في المياه بين أمواج هذه الحياة ويهلكون بسبب الاختناق وسدّ قنوات التنفس. هكذا الذين ينقادون بكل ريح لا يمكن أن تكون لهم شركة محيية مع الروح. إذن الإنسان يجلب التعاسة لنفسه بنفسه، فإن لم يعش عيشة الخنازير لا يكون للشيطان سلطان عليه، وحتى إن نال سلطانًا عليه فلا يكون لهلاكه وإنما لتجربته.]

ثامنًا: من هم هؤلاء الرعاة الذين قيل عنهم: "وأما رعاة الخنازير فهربوا، وأخبروا في المدينة وفي الضياع، فخرجوا ليروا ما جرى. وجاءوا إلى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه اللجئون جالسًا ولابسًا وعاقلاً، فخافوا... فابتدوا يطلبون إليه أن يمضي من تخومهم" [14-17].

أ. يمثل هؤلاء الرعاة نظرة الكثيرين، أنه لا يليق أن نهتم بعضو واحد في الجماعة إن كان خلاصه وبنيانه يكلف البعض خسارة مادية. هؤلاء لا يقَّدرون قيمة النفس البشرية، أيا كانت هذه النفس! أما الله فيهتم بكل نفسٍ، فهي ثمينة عنده، يقدم حياة ابنه الحبيب مبذولة لأجلها.

ب. يمثل هؤلاء الرعاة العاملين والخدام الذين يميلون للحياة الراكدة، حتى وإن كان عملهم رعاية خنازير، فإن تجلى عمل السيد المسيح الواهب التعقل والسلام الداخلي للنفوس خافوا واضطربوا مشتهين أن يمضي من تخومهم! يرى القديس أمبروسيوس أنهم يمثلون معلمي الفلسفة ورؤساء المجمع اليهودي، إذ كانت نفوسهم ضعيفة لا تحتمل كلمة الله ولا ثقل حكمته.

تاسعًا:
لم يقاومهم السيد بل تركهم ودخل السفينة، وإذ طلب إليه ذاك الذي كان مجنونًا أن يكون معه لم يدعه بل سأله أن يذهب إلى بيته وأهله يخبرهم كم صنع الرب به ورحمه، فمضى وابتدأ ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع، فتعجب الجميع [18-20].

إن كان رعاة الخنازير يرمزون للمجمع الذي قبل الحياة الراكدة التي بلا روح عن الكرازة بالإنجيل، فإن رب المجد يسوع تركهم ودخل سفينة الكنيسة، أي ترك الأمة اليهودية التي فُقدت ليحل وسط كنيسة العهد الجديد. أما هذا الرجل فقد أرسله للكرازة يمهد الطريق للعمل الإنجيلي بين الأمم، وبالفعل انطلق إلى العشر مدن التي ترمز للعالم الأممي والوثني.

العشر مدن Decapolis: عبارة عن تسع مدن شرق الأردن هي: هيبوس، دمشق وجدارا، جيراسا، فيلادلفيا (ربة عمون أو عمان)، ديون، رافاتا، كاناتا، بيلا، ومدينة غرب الأردن هي سكيتوبوليس (بيسان). وتعتبر هذه المدن إغريقية، سكانها اليونان أثر هجوم الإسكندر الأكبر على الشرق ، كانت مدن مزدهرة تجاريًا لموقعها الجغرافي الطبيعي وسط سوريا ، لكنها كانت مستقلة عن سوريا من الجانبين السياسي والتجاري.

2. لقاؤه مع يايرس

إن كان شفاء مجنون كورة الجدريين يكشف عن قبول الأمم لعمل السيد المسيح، وموقف رعاة الخنازير هناك يعلن عن موقف المجمع اليهودي الرافض للمخلص، فإن الإنجيلي لم يسدل الستار عند هذا الحد، بل قدم لنا قصة إقامة الصبية ابنه يايرس رئيس المجمع اليهودي ملتحمة بقصة شفاء نازفة الدم، ليعلن أنه بعد شفاء الأمم (نازفة الدم) يتمتع اليهود بالخلاص في آخر الأزمنة، إذ يقبلون السيد المرفوض منهم قبلاً ويقومون كهذه الصبية. وقد سبق لنا عرض أقوال القديسين هيلاري أسقف بواتييه وأغسطينوس في هذا الشأن. والآن نكتفي بمقتطفات من كلمات القديس أمبروسيوس:

[سبق أن قلنا أن المسيح ترك المجمع في شخص الجدريين، إذ خاصته لم تقبله (يو 1: 11)، أما نحن فقبلناه، قبلنا ذاك الذي كنا ننتظره، فلم يرفض من كانوا ينتظرونه، لكن إن عاد الآخرون إليه يرفض رجوعهم. لقد كان لرئيس المجمع ابنة وحيدة وكان يطلب شفاء المجمع الذي قد أوشك على الموت، لأن المسيح تركه. تُرى من يكون رئيس المجمع هذا سوى الناموس! من أجله لم يهمل الرب المجمع نهائيًا بل حفظ شفاء الذين لم يؤمنوا منهم. وبينما كان كلمة الله مسرعًا نحو ابنة هذا الرئيس ليخلص بيت إسرائيل، تمتعت الكنيسة المقدسة التي اجتمعت من الأمم بالخلاص المُعد للآخرين. جاء كلمة الله لليهود فجذبه الأمم، أصحاب الناموس لم يؤمنوا به بل آمن به أولاً الآخرون، الذين هم كتلك المرأة التي أنفقت كل معيشتها على الأطباء، إذ خسر شعوب الأمم كل مواهبهم الطبيعية وبددوا ميراثهم من الحياة... اقتربت منه بالإيمان وبالحكمة عرفت أنها نالت الشفاء. هكذا فعلت شعوب الأمم المقدسة التي آمنت بالرب، وخجلت من خطيتها فتركتها وتقدمت بالإيمان... واتزرت بالحكمة فأدركت الشفاء وتشجعت لتعرف أنها اغتصبت ما هو ليس لها.

لماذا جاءت من ورائه؟ لأنه مكتوب: "وراء الرب إلهكم تسيرون، وإياه تتقون، ووصاياه تحفظون" (تث 13: 4).

وما معنى أن تكون ابنة الرئيس على وشك الموت في سن الثانية عشر إلا أن يشير هذا الأمر إلى المجمع فإنه إذا (صار فاقد) القوة اقتربت الكنيسة؟ ضعف الواحد هو قوة الآخر، لأن "بزلتهم صار الخلاص للأمم" (رو 11: 11)، ونهاية الواحد هو بداية للآخر، لا بداية بالطبيعة إنما بالخلاص، "لأن المعصية قد حصلت جزئيًا لإسرائيل ليدخل ملء الأمم" (رو 11: 25).]

هذا وكلمة "يايرس" تعني "المستنير"، فإن كان يايرس يشير إلى الناموس، وابنته تشير إلى الأمة اليهودية التي سقطت تحت المرض حتى أوشكت على الموت، فإنها لا تستطيع أن تنعم بالقيامة من هذا الموت ما لم تتمتع بروح الاستنارة ويقودها الناموس لا إلى الحرف القاتل، وإنما إلى ذاك القادر أن يقيم من الأموات.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك