إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

حينما نتتبع معاملات السيد المسيح للناس ، نجده حنوناً جداً ورقيقاً جداً على الضعفاء والمساكين ، ونجده شديداً في معاملة العنفاء لم يقف المسيح أبداً ضد إنسان مسكين ، بل كان يجمع الضعفــاء ويحتضنهـم ويشـفق عليهـم

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 5 جـ1 PDF Print Email

سلطانه على الأرواح النجسة والموت


إذ واجه السيد الرياح الملموسة وأخضعها، أعلن سلطانه أيضًا على الرياح غير المنظورة، أي الأرواح النجسة التي تفسد حياة الإنسان وسلامه الداخلي، وأخيرًا واجه الموت محطمًا شوكته.

1. المسيح وساكن القبور 1-20.

2. لقاؤه مع يايرس 21-24.

3. شفاء نازفة الدم 25-34.

4. إقامة ابنة ياير س 35-43.

1. المسيح وساكن القبور


في الأصحاح السابق واجهت الأجساد رياح مضادة، إذ ظهرت الطبيعة ثائرة على الإنسان، وقد قام السيد يرد للإنسان سلامه الجسدي ويجعل من الطبيعة صديقًا له، أما الآن فتواجه النفوس الأرواح الشريرة أو "لَجِئون" التي تود أن تحطمها تمامًا، وتذلها، حتى تجعل من الإنسان ساكنًا في القبور.

يرى بعض الدارسين أن القصة تبدأ من عدد 6 أما الأعداد الخمسة الأولى فهي أشبه بمقدمة وضعها الإنجيلي ليعلن غاية القصة ألا وهي أن للسيد سلطان فائق على هذه القوى غير المنظورة التي تسيطر على الإنسان، فتنزع عنه إنسانيته وتعزله عن البشرية ليسكن في القبور فاقد الحرية ومحطمة لنفسه كما لجسده.

وقد سبق لنا دراسة هذا العمل الإلهي أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير (مت 8: 28 الخ.)، غير أنه يليق بنا أن نلاحظ هنا الآتي:

أولاً: يذكر الإنجيلي متى أنهما مجنونان (مت 8: 28 الخ)، أما الإنجيليان مرقس ولوقا (8: 26 الخ) فيذكران شخصًا واحدًا. يعلل القديس أغسطينوس هذا بأن الإنجيليين اكتفيا بذكر الشخص المشهور، والذي كانت المنطقة هناك متألمة لأجله، بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنهما ذكرا شخصًا واحدًا يعاني أكثر من الآخر، وأن من يشفي شخصًا يشفي الآخر أيضًا، إذ هدفهما لا سرد القصة كحدثٍ تاريخيٍ، وإنما إعلان إمكانية الشفاء.

ثانيًا: يرى البعض أن السيد المسيح إذ انطلق إلى منطقة أممية، بحلوله تقدس الموضع، مهيئًا الطريق لتنصير الأمم، طاردًا عنهم عدو الخير الذي سيطر عليهم زمانًا. ما فعله السيد المسيح مع هذا المسكين بقى يعمله خلال تلاميذه ليطهر كل بقعة من سيطرة عدو الخير، واهبًا ملكوته السماوي لكل نفس.

ثالثًا: تطلع المرتل إلى البشرية، وقد سحبتها الخطية من الفردوس الإلهي كما من بيتها، وانطلقت بها إلى القبور ليعيش الإنسان نفسه مسكنًا للروح النجس، فيصير في عزله داخلية عن الشركة مع الله مصدر حياته، يعاني من الوحدة القاتلة، حتى وإن كان في أحضان والديه أو بين أصدقائه أو أقربائه. صار في حاجة إلى الله نفسه كمخلص له ينقذه من "الروح الشرير" ليرده من جديد إلى البيت الإلهي والفردوس الداخلي، إذ يقول: "الله مسكن المتوحدين في بيت، مخرج الأسري إلى فلاح" (مز 68: 6).

أقول ما اشتهاه المرتل في الله مخلصه أو ما ترجاه في المسيا القادم إليه قد تحقق في هذا الإنسان الذي سكنه روح نجس حرمه من السكنى في بيته، وعزله عن حياة الشركة حتى مع أقربائه ليعيش في عزلة داخلية كما في عزلة جسدية وسط القبور، وقد جاء السيد المسيح يطرد منه الروح النجس بقوة، ليرده إليه، فيشاركه بيته السماوي ويكون له موضع في السيد المسيح، بهذا يستقر في حضن الآب!

وصف الإنجيلي هذا المسكين الذي يعاني من العزلة المرة، قائلاً: "كان مسكنه في القبور، ولم يقدر أحد أن يربطه ولا بسلاسل... وكان دائمًا ليلاً ونهارًا في الجبال وفي القبور يصيح ويجرح نفسه بالحجارة" [3-5]. لقد حولته الخطية كما إلى وحش ثائر، ليس من يقدر أن يضبطه، أو كالتنين البحري الذي قيل عنه: "من هو مثل الوحش؟ من يستطيع أن يحاربه؟ وأُعطى فمًا يتكلم بعظائم وتجاديف... وأُعطى سلطانًا على كل قبيلة ولسان وأمة" (رؤ 13: 4-5، 7)... وقد جاء السيد المسيح بسلطان يحطم سلطان هذا الوحش. هذا ما أعلنه ذات المرتل بقول: "المهدي عجيج البحار، عجيج أمواجها، وضجيج الأمم" (مز 65: 7).

يقول القديس أمبروسيوس: [مثل هذه النفوس تبدو كأنها ساكنة في قبور، فإن أجساد غير المؤمنين ليست إلا نوعًا من القبور يُدفن فيها الأموات (النفوس الميتة) حيث لا تسكن فيها كلمة الرب. لقد اندفع إلى الأماكن الخالية، أي الأماكن القفرة من فضائل الروح التي تجنبت الناموس وانفصلت عن الأنبياء فرفضتهم النعمة.]

رابعًا: ساد اليهود ا‎لاعتقاد بأن الشياطين تفضل ثلاثة مناطق لسكناها: البرية أو الأماكن الخربة، والمياه في أعماقها، والقبور. الأولى تشير إلى اشتياق الشيطان نحو الإنسان أن يفقده كل حيوية، وينزع عنه كل ثمرٍ روحيٍ، ليجعل منه برية قاحلة أو خراب بلا ساكن. والثانية تشير إلى رغبة العدو أن يدخل بالإنسان إلى دوامة الحياة ليلهيه عن أبديته، فيكون كمن في أعماق المياه بلا رجاء. والثالثة أي القبور، فتشير إلى طبيعة الشيطان كمقاتل للإنسان يبغي موته، كما تعلن عن راحة إبليس في نتانة الأعمال الميتة وفسادها. لهذا أعلن السيد سلطانه الإلهي وعمله فينا بانطلاقه إلى البرية يصارع العدو وجهًا لوجه، كما انطلق إلى المياه بالأردن ليحطم سلطان العدو تحت أقدامنا، واهبًا إيّانا البنوة لله الغالبة للشرير والشر، وها هو يلتقي بساكن القبور ليخلصه من الروح النجس ويرده إلى بيته.

خامسًا:
لم يحتمل الروح النجس أن يرى يسوع، فإنه من بعيد ركض، وصرخ بصوت عظيم، وقال "مالي ولك يا يسوع ابن الله العلي، أستحلفك بالله أن لا تعذبني" [8]. إن قارنا بين هذه الكلمات التي نطق بها الروح النجس الساكن إنسانًا أمميًا بالكلمات التي نطق بها روح نجس آخر كان ساكنًا إنسانًا يهوديًا، إذ قال: "آه مالنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك من أنت قدوس الله"! (مر 1: 24) لأدركنا حالة الارتباك التي سادت مملكة إبليس سواء كان الساقط تحت سلطانها أممين أو يهودًا. فقد أدرك العدو أن مملكته تنهار وسلطانه يزول، والعقاب قد اقترب جدًا بمجيء "يسوع الناصري ابن الله". يقول القديس كيرلس الكبير: [تأمل سلطان المسيح غير المنهزم، فقد ارتعب أمامه الشيطان، فإن كلمات المسيح بالنسبة له نار ولهيب، وكما يقول المرتل: "ذابت الجبال قدام الرب" (مز 97: 5)، أي ذابت القوات العظيمة المتعجرفة.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ظنت الشياطين أن عقوبتهم قد اقتربت جدًا، فارتعبوا كمن سيحل بهم العقاب فورًا.]

لقد حسبت الشياطين أن طردهم من الإنسان عذابًا لهم، إذ يجدون راحتهم في مملكتهم التي يقيمونها في القلب الفاسد، وانهيار هذه المملكة يتبعه العقاب الأبدي أيضًا. ولعله بمجيء السيد المسيح أدرك عدو الخير أن النهاية قد اقتربت، فقد جاء مشتهى العالم كله في ملء الزمان.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


8 هاتور 1735 ش
18 نوفمبر 2018 م

تذكار الاربعة حيوانات الغير متجسدين
استشهاد القديس نيكاندروس كاهن ميرا
نياحة الاب بيريوس مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية
نوة المكنسة شمالية غربية شديدة المطر 4 أيام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك