إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تكن قليل السمع لئلا تكون وعاء لجميع الشرور ، ضع فى قلبك أن تسمع لأبيك فتحل بركة الله عليك
الأنبا انطونيوس

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email

البذور والزرع

إن كان القديس مرقس قد اهتم بإبراز السيد المسيح كمعلم فإن ما ورد في هذا الأصحاح من الأجزاء القليلة جدًا لتعاليم السيد أوضح أنه جاء ليعمل بلا انقطاع. يلقي ببذور محبته العملية، حيث توجد أراض جيدة، تتقبل عمله، وينتظر منها ثمرًا، بالرغم من وجود أراضٍ أخرى لا تتجاوب مع عمله، ولا تأتي بالثمر. إنه الزارع الذي لا يتوقف عن العمل، يزرع كلمته مشتاقًا أن يكون الكل مثمرًا. يزرع بذورًا إلهية فعّاله لكنها غير ملزمة لنا بالتجاوب معها بغير إرادتنا.

1. التقاؤه مع الشعب عند البحر 1.

2. عمله الإلهي كبذورٍ حية 2-20.

3. عمله الإلهي لا يختفي 21-25.

4. العمل الإلهي المستمر 26-29.

5. العمل الإلهي وحبة الخردل 30-34.

6. العمل الإلهي والرياح المضادة 35-41.

1. التقاؤه مع الشعب عند البحر

"وابتدأ أيضًا يعلم عند البحر،فاجتمع إليه جمع كثير حتى أنه دخل السفينة،وجلس على البحر،والجمع كله كان عند البحر على الأرض" [1].

إن كان البحر بأمواجه يشير إلى الشعوب والأمم التي عاشت وسط التيارات الوثنية، فإن السيد المسيح قد جاء إليهم ودخل سفينة كنيسته جالسًا على البحر كعرش له.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد لم يفعل ذلك بلا هدف، وإنما جلس على السفينة ووجهه متجهًا إلى الجمع الجالس على الشاطئ حتى يكون الكل مقابل وجهه، ليس أحد من ورائه. إنه نزل إلينا لكي يعلن رعايته لنا، يريد أن يلتقي بنا وجهًا بوجه، وأن ننعم برؤيته هنا خلال الإيمان وسماع كلمة كرازته لنراه هناك بالعيان خلال شركة أمجاده.

2. عمله الإلهي كبذور حية

قدم السيد المسيح للشعب تعاليمه خلال الأميال، وقد ضرب مثال الزارع الذي خرج ليزرع فسقط البعض على الطريق، وآخر على مكان محجر، وثالث في وسط الشوك، والجزء الأخير على الأرض الجيدة التي أثمرت ثلاثين وستين ومائة. وقد ذكر الإنجيلي متى هذا المثل (13: 1-23) الذي سبق لنا شرحه، وأيضًا ذكره الإنجيلي لوقا (8: 5-15). ويلاحظ في هذا المثل الآتي:

أولاً: إن كان الإنجيلي مرقس يعرض عمل السيد المسيح المستمر كخادم للبشرية، والذي يواجه بمقاومة مستمرة. فإنه مع المقاومة يوجد أيضًا ثمر متزايد. حقًا توجد نفوس هي أقرب إلى الطريق المفتوح الذي تلتقط الطيور بذوره، ونفوس أقرب إلى المكان المحجر الذي وإن نبتت البذور فيه سريعًا لكنها تجف، ونفوس يخنقها شوك العالم، لكنه توجد أيضًا نفوس هي أشبه بالأرض الجيدة، تستقبل البذور وتأتي بثمار مفرحة لقلب الله.

ثانيًا:
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح إذ يقول: "خرج الزارع ليزرع"، فإن قوله "خرج" يقصد به تجسده الإلهي، فكلمة الله الزارع الحقيقي حاضر في كل مكان وماليء الكل لا يخرج إلى مكان معين، لكنه خلال التدبير الإلهي التحف جسدًا كمن قد خرج إلينا نحن المطرودين ليصالحنا مع أبيه ويدخل بنا من جديد إلى الحضرة الإلهية. نحن خرجنا من الفردوس، فخرج إلينا ذاك الذي لا ينفصل عن أبيه ليردنا نحن الخطاة إلى حضن الآب بغفران خطايانا وإتحادنا فيه.

ولعل تعبير "خرج" يعني مبادرة الله بالحب. فهو دائمًا كمن يخرج إلى الإنسان بالحب، إذ وقف الإنسان في ضعفه عاجزًا عن الالتقاء مع إلهه والدخول إليه.

إذ يحدث السيد المسيح خاصته اليهود الذين جاء إليهم، فإنه ربما يقصد بقوله "خرج" الإعلان عن خروجه أيضًا إلى الأمم بعد أن رفضته خاصته.

ثالثًا: قدم السيد المسيح نفسه تفسيرًا لهذا المثل لتلاميذه، وقد سبق لنا عرض بعض أقوال الآباء في هذا التفسير الإلهي، لذا أكتفي هنا بتقديم مقتطفات لكلمات القديس كيرلس الكبير بخصوصه:

[يقول المخلص أن الزارع خرج ليزرع، فمن هو هذا الزارع يا تُرى؟ بلا شك هو المسيح، لأنه هو الذي يزرع الطيبات... به ولأجله تحصد الثمار الروحية على حدّ قوله: "أنا الكرمة، وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيّ، وأنا فيه، هذا يأتي بثمرٍ كثيرٍ" (يو 15: 5). أرجو أن تلاحظوا كيف يجول الزارع في الحقل يلقي البذور في شتى المواضع، فيسقط بعضها على الطريق، والبعض الآخر على الوعر من الصخور، وينتشر جزء على الأماكن التي بها شوك، والآخر على تربة خصبة. أما الذي سقط على الطريق فديس، وما كان على الصخر فقد نبت ثم جف، وما انتشر على الشوك فقد نبت ثم خُنق، بينما الذي صادف أرضًا جيدة فقد أتى بثمر وفير قدر بمائة ضعف...

لمَ أُختطفت البذور التي سقطت على الطريق؟ لصلابة الأرض، فهي أرض صلدة لا تصلح للزراعة، تعرضت لدوس الأقدام من حركة رائح وغادٍ، فانتشرت البذور على سطحها مما سهّل للطير التقاطها وابتلاعها. هكذا يوجد قوم عقولهم صلبة تتسم بالصلف والعناد، إذ ما سقطت عليها البذور الإلهية لا تجد لها سبيلاً تسلكه، فلا تثمر الكلمة خوف الرب الذي يرعرع ثمار الفضائل السماوية. هؤلاء الناس جعلوا من أنفسهم موضعًا مألوفًا تطأه الأرواح النجسة، بل الشيطان نفسه. فلا يكون فيهم مجال لإعلان الثمار المقدسة. ليته يتيقظ هؤلاء الناس الذين أجدبت قلوبهم وأقفرت، ويفتحوا عقولهم لبذرة الحق المقدسة، فتثمر فيهم ثمار الحياة الطاهرة! كونوا رقباء على أذهانكم، وأحكموا إغلاق المنافذ فلا يدخلها سارق ولص.

اطردوا من قلوبكم أسراب الطير حتى تبقى البذور في مكانها، فينبت زهرًا يانعًا ونحصل منه على بذور وفيرة وثمار كثيرة.

لنتأمل الآن في البذور التي سقطت بين الوعر من الصخور أو بالأحرى في الناس الذين يتقبلون الكلمة بفرحٍ. وفي وقت التجربة يرجعون متقاعسين. هؤلاء الناس لن يدخلوا في بوتقة التجارب، فجلّ همهم الاعتماد على الكلمات الجوفاء والتهرب من الإمعان في أسرار السماوات، فتكون تقواهم هراء في هراء، لأن ليس لهم جذور متعمقة في تربة خصبة. أولئك يملأون الكنائس، ويظهرون اغتباطهم بما يسمعونه من المرشد الذي وظيفته النصح والتعليم، ويكيلون له المدح في غير ما تمييز أو إدراك بل عن إرادة غير طاهرة وقلب غير سليم. لأنهم إذ ما تركوا عتبة الكنيسة ينسون التعاليم المقدسة، وينهجون منهج الأعوج، إذ لا يحتفظون بشيء ينبت ويثمر. فإذا كانت الكنيسة آمنة سالمة، ولم يحدث ما يكدرها بتجربة أو اضطهاد أظهروا إيمانهم إلى حد ما، ولكن في صورة المتزعزع المضطرب. فإذا اشتدت الأمور واكفهرت عن جو يعصف بالإضطهادات المريعة، وهجمات أعداء الإيمان المرة، تقهقر هؤلاء الناس عن الدخول في حومة الوغى، وألقت عقولهم الدروع والخوذات. لأنهم قد خلوا من الحماس الروحي والمحبة الإِلهية، وجُبلوا على الجبن والنذالة.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك