إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن الذين تعودوا السهر مع الله إذا ناموا تكون قلوبهم أيضاً معه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 2 جـ3 PDF Print Email

يعلق القديس كيرلس الكبير على دعوة لاوي قائلاً: [كان لاوي عشارًا يهيم وراء الكسب المرذول لا حدّ لجشعه الممقوت، يزدري بقانون العدل والإنصاف حبًا في تملك ما ليس له، فهذه الخلق الذميمة اشتهر بها العشارون إلا أن المسيح اختطف أحدهم وهو غارق في بحر الإثم والرزيلة، ودعاه إليه وأنقذه وخلصه إذ قيل: "فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه" (لو 5: 27-28). فما أصدق بولس المغبوط وهو يصف المسيح بأنه "جاء إلى العالم ليخلص الخطاة" (1 تي 1: 15). أفلا ترون كيف أن كلمة الله، الابن الوحيد، قد أخذ لنفسه جسدًا ليرد إلى نفسه عبيد إبليس ومملكته؟]

ويعلق القديس أمبروسيوس على هذه الدعوة بقوله: [أمره الرب أن يتبعه لا حسب الجسد بل بخلجات الروح. إذ سمع الرجل الكلمة ترك كل ممتلكاته، الذي كان يسرق أموال قريبه ويستغل مركزه في قسوة ترك مكان الجباية وتبع المسيح بقلب ملتهب، ثم صنع له وليمة. فمن يقبل المسيح في قلبه يشبع بالأطايب الكثيرة والسعادة الفائقة، والرب نفسه يدخل ويستريح في محبته كمؤمن.]

عِوَض أن يتطلع الكتبة والفريسيون إلى متى وأصدقائه العشارين بفرحٍ، إذ يجدون فيهم القلوب الجائعة قد التفت حول "الخبز السماوي"، ربنا يسوع، لكي تشبع بعد جوعٍ هذا زمانه، وعوض أن يفرحوا بالقلوب التي كانت جامدة وقاسية وقد صارت لها الأعماق الملتهبة نحو الأبدية، إذا بهم يهاجمون السيد لأنه يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة. "فلما سمع يسوع قال لهم: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آتِ لأدعو أبرار بل خطاة إلى التوبة" [17].

لقد ثار الكتبة والفريسيون على سلوكه هذا إذ حسبوه كسرًا للناموس، فإنه لا يليق بالأيادي الطاهرة أن تمتد لتأكل مع الأيادي النجسة، ولم يدركوا أن يدّي السيد هي واهبة التقديس. يقول القديس كيرلسالكبير: [لماذا يلوم الفريسيون المخلص لتناوله الطعام مع الخطاة؟ لأن الناموس ميّز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر (10: 10). اعتقد الفريسيون أنه لا يصح الجمع بين المقدس والنجس، فقاموا يطالبون المسيح بحفظ شريعة موسى، ولكن لم يكن هجومهم على السيد ناشئًا عن غيرة على الشريعة، بل عن حسد وخبث، فكثيرًا ما ثاروا في وجه المسيح لإيقاعه في شرك منصوب، إلا أن المسيح أفلت منهم وردّ السيئة بالحسنى، إذ أعلمهم أنه ما جاء الآن ديانًا بل طبيبًا للشفاء، لذلك كان لزامًا عليه وهو الطبيب أن يقرب المرضى لشفائهم من أسقامهم.]

لقد فتحت عبارة السيد المسيح هذه أبواب الرجاء أمام الأمم والخطاة، فقد جاء الطبيب لا لمن يحسبون أنفسهم أبرارًا كاليهود بل بالحري للذين يدركون حاجتهم إلى مخلص ينقذهم من خطاياهم. أنه طبيب المرضى ومخلص الخطاة!

ويرى القديس يوستين في حديث السيد المسيح بابًا مفتوحًا للجسد الذي هاجمته بعض الهرطقات بكونه مخطئ لا يستحق القيامة مع النفس، إذ قال: [إن كان الجسد هو المخطئ، فقد جاء المخلص من أجل الخطاة، إذ يقول: "لم آت لأدعوَ أبرارًا بل خطاة إلى التوبة". بهذا يظهر للجسد قيمته في عينيّ الله، وأنه ممجد... ومعدل يلزم أن يخلصه.]

3. مقاومة طقس عبادته: عدم الصوم

أراد اليهود مقاومة السيد في طقس العبادة كما عاشها تلاميذه، إذ قالوا له: "لماذا يصوم تلاميذ يوحنا والفريسيون، وأما تلاميذك فلا يصومون؟" [18]

لعل بعض تلاميذ يوحنا قد تسلل إلى قلبهم شيء من الغيرة فقد نظروا معلمهم ناسكًا جدًا في كلماته كما في أكله وشربه وملبسه ومع هذا ينحني أمام السيد المسيح ويدفع بتلاميذه إليه، ولم يكن السيد المسيح ناسكًا في أعينهم، ولا ألزم تلاميذه بأصوام يمارسونها مثلهم! أما تلاميذ الفريسيين فرأوا في معلميهم أنهم ينهارون أمام السيد، فقد كانت الجماهير تتركهم بالرغم مما بلغ إليه الفريسيون من مرتبة دينية وما يمارسونه من عبادات خاصة الصوم.

لم ينتقد السيد تلاميذ يوحنا ولا تلاميذ الفريسيين، وإنما كعادته حوّل النقاش إلى كشف عن مفاهيم لاهوتية روحية جديدة تمس حياة الإنسان كله، أهمها:

أولاً: لم يقلل السيد من شأن الصوم، ولا أعلن امتناع تلاميذه عنه مطلقًا، وإنما سحب قلوبهم من الرؤيا الخارجية للأعمال النسكية الظاهرة إلى جوهر العبادة، وغاية النسك ذاته، هو التمتع بالعريس السماوي نفسه، إذ يقول: "هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا والعريس معهم؟" [19]... أنه يأتي وقت فيه يمارس التلاميذ والرسل الصوم بحزمٍ، لكنه أراد في فترة وجوده بالجسد في وسطهم أن يسحب أنظارهم وأفكارهم وقلوبهم للفرح بالعريس نفسه، يتعلقون به، مشتهين أن يوجدوا حيث هو كائن. بعد ذلك إذ يرتفع عنهم جسديًا ويرسلهم للكرازة يلتزمون بالصوم بثبات لأجل تمتع كل نفس بعريسهم.

ثانيًا: يرى القديس كيرلس الكبير أن الفريسيين إذ لم يستطيعوا مقاومة السيد مباشرة هاجموه في شخص تلاميذه لعدم صومهم، ولم يدرك هؤلاء الفريسيون أنهم يصومون ظاهريًا أما قلوبهم فمملوءة شرًا، بينما كان التلاميذ يمارسون صوم القلب الداخلي ليصوموا أيضًا بالجسد في الوقت المناسب. يقول القديس كيرلس: [أتدرك أيها اليهودي حقًا معنى الصوم؟ يقول إشعياء: "ها إنكم في يوم صومكم توجدون مسرة وبكل أشغالكم تسخرون، ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بلكمة الشر... أمثل هذا يكون صوم أختاره... يقول الرب" (إش 58: 3-5). فعليكم إذن وزن أنفسكم أيها اليهود، فإنكم تجهلون ما هية الصوم ومع ذلك تلومون التلاميذ لأنهم لا يصومون على شاكلتكم. ولننظر نحن إلى الصوم من ناحية أخرى، فأولئك الذين استناروا بحكمة المسيح يصومون صومًا ذهنيًا، وذلك بتواضعهم أمام الحضرة الإلهية، وتأديب أنفسهم طوعًا لا كرهًا بالعمل والتقشف، فإن هذا لمدعاة إلى غفران ذنوبهم أو نيل نعمة روحية جديدة أو قتل ناموس الخطية التي يسود أعضاء الجسد اللحمية. ومثلك يهمل أيها الفريسي هذا الصنف من الصوم، لأنك رفضت قبول العريس السماوي غارس الفضائل ومعلمها يسوع المسيح المخلص والفادي... أرجو مرة أخرى أن تلاحظوا الطريقة التي اتبعها المسيح في لفت نظر الفريسيين إلى الحقيقة المرة، وهي أنه لا نصيب لهم في الوليمة وأنهم غرباء (ليسوا بني العرس كالتلاميذ) لا يحسون بالسرور ولا يشتركون في الموكب العام، فقد ظهر مخلصنا للعالم، وكان ظهوره إعلانًا للبهجة والسرور لأنه اتحد بطبيعة الإنسان فأصبحت كأنها عروس له تثمر بعد العقم وتتبارك بذرية كثيرة العدد، فالذين دعاهم المسيح عن طريق الرسالة الإنجيلية هم أبناء العريس، أما الكتبة والفريسيون الذين مالوا بكليتهم إلى ظل الناموس فليس لهم نصيب مع المسيح.]

ثالثًا: يفسر البعض كلمات السيد المسيح بأن الإنسان إذ يسلك بالروح بقلبٍ مقدسٍ في الرب يكون كمن في وليمة العرس، متهللاً بمسيحه، لكنه إذ يخطئ يشعر كأن العريس قد رُفع عنه، فيمارس أعمال التوبة بأنات مستمرة حتى يرد له الرب فرحه وبهجته بتجلية في قلبه. كأن الصوم هنا لا يعني مجرد الامتناع عن بعض الأطعمة، وإنما ممارسة التوبة بكل أعمالها في القلب داخليًا من ندامة ومطانيات وصرخات!

رابعًا: حوّل السيد أنظارهم من ممارسة الصوم إلى التغير الكامل الذي يليق بتلاميذه أن ينعموا به، إذ قال: "ليس أحد يخيط رقعة جديدة على ثوب عتيق، وإلا فالملء الجديد يأخذ من العتيق، فيصير الخرق أردأ. وليس أحد يجعل خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة" [21-22].




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


12 هاتور 1735 ش
22 نوفمبر 2018 م

تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل
نياحة القديس يوحنا السريانى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك