إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لا تقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تتردد أما الضعيف فإنه يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

ثالثًا: مدح القديس يوحنا الذهبي الفم هؤلاء الرجال، قائلاً: [وضعوا المريض أمام المسيح ولم ينطقوا بشيء بل تركوا كل شيء له.] بنفس الروح أرسلت مريم ومرثا للسيد قائلتين: "يا سيد هوذا الذي تحبه مريض" (يو 11: 3). ما أجمل أن تكون صلواتنا عرضًا أمام الله باشتياق حقيقي أن يتمم إرادته وإيمان أنه يهتم بنا ويهبنا أكثر مما نسأل وفوق ما نحتاج!

رابعًا
: ما هو السقف المكشوف الذي قدم خلاله الرجال الأربعة المفلوج إلا البصيرة الروحية المفتوحة أو الإدراك الروحي. حينما ينزع السقف الطيني أو المادي ينفتح القلب على الله وينعم بالمحبة معه، لذلك يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [كيف أحمل إلى المسيح مادام السقف لم يُفتح بعد، فإن السقف هو الإدراك، أسمى شيء فينا! هنا يوجد تراب كثير خاص بالملاط الذي للسقف، أقصد به الأمور الزمنية، إن نُزعت تتحرر فينا فضيلة الإدراك من الثقل، عندئذ ننزل أي نتواضع، إذ نزع الثقل عن الإدراك لا يعلمنا الكبرياء بل بالحري التواضع.]

خامسًا:
إذ رآه السيد المسيح قال له: "يا بني". يا للعجب، الكهنة يستنكفون من لمس المفلوج، والخالق يدعوه ابنا له! هذه هي أبوة الله للبشرية، يشتاق أن يرد كل نفس ساقطة بالبنوة إليه بشركة أمجاد أبيها السماوي!

سادسًا: كان يليق بالكتبة أن يفرحوا إذ رأوا المفلوج ينعم بغفران خطاياه وشفاء نفسه، لكنهم إذ كانوا متقوقعين حول ذواتهم رأوا في كلمات السيد تجديفًا وهروبًا من شفاء الجسد، فقالوا: "لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده"؟ [7]. لم يأخذ السيد موقفًا مضادًا منهم، إنما في محبته اللانهائية أراد أيضًا أن يشفي نفوسهم مع نفس المفلوج فأوضح لهم أمرين، الأول أنه عارف الأفكار، إذ قال لهم: "لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم"؟ [8]. لعلهم يدركون أن الذي يفحص القلوب ويعرف الأفكار (إر 7: 10؛ مز 33: 15) قادر على غفران الخطايا. أما الأمر الثاني فهو تصحيح مفاهيمهم، إذ حسبوا أن شفاء الجسد أصعب من شفاء النفس، لهذا أوضح لهم أنه يشفي الجسد المنظور لكي يتأكدوا من شفائه للنفس وغفرانه للخطايا وهو الأمر الأصعب. على أي الأحوال يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [لقد أربكهم بنفس كلماتهم، فكأنه يقول: لقد اعترفتم أن غفران الخطايا خاص بالله وحده، إذن لم تعد شخصيتي موضع تساؤل.] لقد أكد لهم "ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا، قال للمفلوج: لك أقول قم، واحمل سريرك، واذهب إلى بيتك" [10-11].

سابعًا: إن كان قد أمره بحمل سريره ليُعلن أن الشفاء حقيقة واقعة ملموسة، وليؤكد أنه الله الذي يغفر خطايانا، إنما لنقوم معه ونحيا بقوة قيامته، نمارس وصيته ونتمم إرادته بالعمل الإيجابي، حاملين سريرنا إلى بيتنا الذي تركناه أي كنيستنا أو فردوسنا المفقود. يرى القديس أغسطينوس في هذا السرير رمزًا لضعفات الجسد. ففي خطايانا كنا محمولين بشهوات الجسد وضعفاته، مربوطة نفوسنا ومقيدة عن الحركة، لكننا إذ نحمل قوة الحياة الجديدة تحمل النفس الجسد بكل أحاسيسه وطاقاته لتقوده هي بالروح لحساب مملكة الله وتدخل به إلى بيتها، أي الحياة المقدسة. هكذا لا يعود الجسد ثقلاً يحطم النفس، بل يكون معينًا يتجاوب معها تحت قيادة الروح القدس. وكما يقول القديس يوحنا سابا يصير كنيسة مقدسة للرب: [من يذبح ذاته كل يوم بأتعاب المشيئة من أجل معرفة المسيح يكون جسده كنيسة محسوسة، والشعب الذي بداخلها هو مجمع الفضائل... العقل الذي استحق نظر الثالوث القدوس يكون كنيسة معقولة، والشعب الذي بداخلها هو جمع الملائكة.]

يقول القديس أمبروسيوس: [ما هو هذا السرير الذي يأمر الرب بحمله؟ إنه السرير الذي عوّمه داود بدموعه كما يقول الكتاب: "أعوم كل ليلة سريري بدموعي" (مز 6: 7). هو سرير الألم، حيث تنطرح نفوسنا فريسة لمرارة الضمير وعذابه، لكننا حينما نسير حسب وصايا المسيح يصير فراشنا للراحة لا للألم، إذ غيّرت مراحم الله موضع الموت إلى موضع قيامته، حوّل لنا الموت لجاذبية نشتاق للتلذذ به. لم يأمره فقط بحمل السرير، وإنما أمره أن يذهب إلى بيته، أي يرجع إلى الفردوس، الوطن الحقيقي الذي استقبل الإنسان الأول، وقد فقده بخداع إبليس، لهذا يلزم أن يرجع إلى البيت، فقد جاء الرب ليهدم فخاخ المخادع، ويعيد إلينا ما قد فقدناه.]

ثامنًا: يقول الإنجيلي: فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بُهت الجميع، ومجدوا الله، قائلين: ما رأينا مثل هذا قط" [12]. شفاء المفلوج كان بركة للمريض نفسه الذي تمتع بغفران خطاياه كما بصحة جسده، وفرصة لكي يتحدث الرب مع الكتبة معلنًا لهم أنه المسيّا، وأيضًا للجماهير التي بهتت، قائلة: "ما رأينا مثل هذا قط". يرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن هذه الجماهير تشير إلى أفكارنا التي تتمتع برؤية روحية سليمة ونقاوة عند غفران خطايانا، فتقف مبهورة أمام السيد المسيح واهب الشفاء.

حقًا أن النفس التي أصيبت بالفالج إذ تسمع صوت طبيبها السماوي وتنعم بعمله فيها وتتذوق رؤيته تبهر به ولا تطيق الحرمان منه. وكما يقول القديس يوحنا سابا: [من رآه ثم احتمل ألا يراه؟ من سمع صوته واحتمل أن يعيش بدون سماع صوته؟ من استنشق رائحته ولم يجيء حالاً ليتنعم به؟]

2. مقاومة سلوكه: حبه للخطاة

إذ التقت القيادات اليهودية بالسيد المسيح، لا بقصد التمتع به ومعرفة الحق، بل خلال الاهتمام بالأنا والحفاظ على مراكزهم، تحول كل ما هو مشرق في السيد المسيح ظلمة بالنسبة لهم. رأى الكتبة في غفرانه للخطايا تجديفًا، والآن يرى الكتبة والفريسيون في اهتمامه بالخطاة وحبه لهم لاجتذابهم من الخطية عثرة، إذ قالوا لتلاميذه: "ما باله يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة؟" [16] لم يستطيعوا أن يمسكوا خطأ في حياته الشخصية وسلوكه اليومي فاصطادوا له حبه للعشارين والخطاة!

لقد التقى السيد بكثير من العشارين والخطاة في بيت متى البشير الذي كان في الجباية. دعاه السيد ساحبًا قلبه من محبة المال إلى خدمة ملكوت الله، فانفتح قلبه كما بيته لزملائه حتى يلتقوا بمن التقى به.

يقول الإنجيلي: "ثم خرج أيضًا إلى البحر، وأتى إليه كل الجمع فعلمهم. وفيما هو مجتاز رأى لاوي بن حلفا جالسًا عند مكان الجباية، فقال له: اتبعني، فقام وتبعه. وفيما هو متكئ في بيته كان كثيرون من العشارين والخطاة يتكئون مع يسوع وتلاميذه لأنهم كانوا كثيرين وتبعوه" [13-15].

يرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن السيد المسيح خرج إلى البحر تاركًا المجد، لكنه أينما ذهب التفت الجموع حوله وتمجّد فيهم. يمكننا أن نقول أن السيد المسيح وهو لا يطلب مجدًا من العالم بل يسكب حبه على كل نفس اجتذب الجماهير سواء أن وُجد في مجمع يهودي، أو بيت في المدينة أو انطلق إلى القرى، أو حتى انفرد في موضع خلاء (1: 35)، أو ذهب إلى الساحل. نور محبته السرمدية لا يمكن أن يختفي، واشراقاته لا يمكن أن تُحبس في موضع!

يقول الأب ثيؤفلاكتيوس معلقًا على انطلاق السيد إلى البحر هربًا من المجد الزمني: [أرادك أن تتعلم أنه كلما هربت من المجد، جرى وراءك المجد بالأكثر، وإن جريت وراءه هرب منك]، وقد اقتبس هذا المفهوم وربما بذات الألفاظ من الأب مار اسحق السرياني القائل: [من هرب من الكرامة جرت وراءه وتعلقت به، ومن جرى وراءها هربت منه.]

انطلق السيد إلى البحر فألتفت حوله الجموع ليعلمهم. ووسط هذا الانشغال لم ينس السيد إنسانًا يُدعى "لاوي بن حلفي" جالسًا عند مكان الجباية بجسده، وقد تثقل قلبه بمحبة المال وتلطخت نفسه بالظلم، لا يعرف إلا الغنى على حساب إخوته. وكان في حاجة إلى كلمة من فم السيد تفك رباطاته الداخلية وتلهب أعماقه ليترك كل شيء ويتبع المسيح مخلصه، بل يدعو الآخرين لينعموا باللقاء مع هذا المخلص!

هكذا اختار الرب تلاميذه ورسله من بين الخطاة حتى إذ يذوقوا حلاوة الشركة معه يجتذبوا الخطاة أيضًا، وكما جاء في رسالة برناباس: [اختار رسله الذين يكرزون بإنجيله من بين الذين كانوا خطاة... ليظهر أنه جاء لا ليدعو الأبرار بل الخطاة للتوبة (مت 9: 13؛ مر 2: 17؛ لو 5: 32).]



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك