إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التوبة الحقيقية هى التوبة الصادرة من القلب وهى التى تستمر

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل مرقس اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

ويلاحظ في هذا النص الآتي:

أ. كان موضوع كرازته هو "معمودية التوبة" للتمتع بغفران الخطايا. وقد حملت معموديته قوتها لا في ذاتها، وإنما في رمزها لمعمودية السيد المسيح، كما حملت الحية النحاسية في أيام موسى قوة الشفاء من أجل رمزها للصليب. هكذا كان القديس يوحنا المعمدان يعدّهم بمعموديته للتمتع بمعمودية السيد المسيح ويدفعهم إليها حتى ينعموا لا بغفران الخطية فحسب، وإنما بشركة الدفن مع السيد والقيامة، لتكون لهم الحياة الجديدة المقامة (رو 6: 4-5). وكما يقول القديس جيروم: [كما كان هو سابقًا للمسيح، كانت معموديته تمهيدًا لمعمودية الرب.]

ويرى القديس أمبروسيوس أن يوحنا المعمدان يمثل نهاية الناموس في دفعه الإنسان إلى التمتع بالمسيح وقيادة الكل إليه، وذلك كما تقود التوبة إلى نعمة السيد لنوال المغفرة، إذ يقول: [كانت الكلمة على يوحنا لينادي بالتوبة، من هنا كان يوحنا في نظر الكثيرين صورة للناموس الذي يكشف الخطية، لكنه يعجز عن غفرانها. من كان سائرًا في طريق الأمم يرده الناموس عن ضلاله، ويرجعه عن آثامه، ويدفعه إلى التوبة لنوال الغفران، إذ "كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا" (لو 16: 16). هكذا هيأ يوحنا طريق المسيح يسوع مبشرًا بالناموس، وذلك كما تعلن الكنيسة عن النعمة بالتوبة.]

ب. يرى القديس جيروم في القديس يوحنا المعمدان صورة حية للحياة النسكية، فقد كانت أمه تقية، وأبوه كاهنًا ومع هذا لم تجتذبه عاطفة أمه ولا مركز أبيه، بل انطلق إلى البرية يطلب المسيح بعيني الإيمان رافضًا كل شيء سواه. وبقدر ما ترك القديس يوحنا العالم استطاع أن يسحب القلوب معه إلى البرية من العالم، سحب جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم خلال رائحة المسيح الفائقة التي فاحت فيه.

ترك القديس يوحنا ملذات المدينة ومباهجها، وانطلق إلى البرية يأكل العسل البري والجراد. وكأنه جذب للسيد المسيح شعوب الأمم الجافة روحيًا كعسل بري يحمل عذوبة في فم السيد، ويحول من اليهود الذين صاروا كالجراد الساقط بسبب عدم طاعتهم للوصية إلى طعام شهي! بمعنى آخر، إذ نرفض مع يوحنا طعام العالم المبهج نكسب حتى نفوس الآخرين طعامًا شهيًا للرب!

يرى القديس أمبروسيوس في ملبس يوحنا المعمدان ومأكله كرازة نبوية عن عمل السيد المسيح، إذ يقول: [تنبأ بملبسه عن مجيء المسيح الذي حمل نجاسات أعمالنا النتنة (كمنطقة من جلد الحيوانات الميتة) وخطايا الأمم الحقيرة (كوبر الإبل)، طارحًا هذا اللباس الذي لأجسادنا على الصليب. وتشير المنطقة الجلدية إلى الجلد الذي كان ثقلاً على النفس لكنه تغير بمجيء المسيح... إذ شملنا قوة تلهبنا روحيًا فتمنطقنا بوصايا الله بروح ساهرة قوية وجسد مستعد متحرر. أما طعام يوحنا فحمل علامة على عمله وحوى سرًا... فصيد الجراد عمل باطل بلا نفع لا يصلح للطعام، والجراد ينتقل من موضع إلى آخر بصوت مزعج. هكذا كانت شعوب الأمم كالجراد، ليس لها عمل نافع، ولا نشاط مثمر، تتمتم أصواتًا بلا معنى ولا اتزان، وتجهل الحياة، صارت طعامًا للنبي، إذ تجمعت ونمت وازدادت في أفواه الأنبياء (خلال دخولهم إلى كنيسة العهد الجديد)... أما العسل البري فيصور لنا عذوبة الكنيسة التي جاءت من البرية، إذ لم تحصد أعمالها في حدود خلايا ناموس اليهود وإنما امتدت إلى الحقول ومواضع الغابة التي سبق فامتلأت بالظلال، كما هو مكتوب: "سمعنا به في أفراثه، ووجدناه في موضع الغابة" (مز 132: 6). كان يوحنا يأكل عسلاً بريًا إشارة إلى الشعوب التي تشبع من عسل الصخرة، كما هو مكتوب: "ومن الصخرة كنت أشبعك عسلاً" (مز 81: 16).] هكذا شبعت الأمم من السيد المسيح الصخرة بعسل كلماته العذبة التي سجلها بالحب على الصليب، وبالقوة خلال قيامته المبهجة.

ج. في صراحة ووضوح أعلن القديس يوحنا المعمدان أنه ليس المسيح، معموديته غير معمودية السيد، وشخصه أقل من أن يقارن بشخص السيد. فمن جهة المعمودية يقول: "أنا أعمدكم بماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس". كانت معمودية يوحنا ظلاً أو رمزًا تمس غسلات الجسد، أما معمودية السيد المسيح فبحق تقدس الجسد والروح معًا، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [الماء والروح لا يفترقان، إذ اختلفت معمودية التوبة عن معمودية النعمة التي تشمل العنصرين معًا، أما الأولى فتخص عنصرًا واحدًا. إن كان الجسد والنفس يشتركان معًا في الخطية، فالتطهير واجب للاثنين.]

أما من جهة شخص السيد فيقول: "يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه". يقول القديس أمبروسيوس: [لم يقصد يوحنا بهذه المقارنة إثبات أن المسيح أعظم منه، فلا وجه للمقارنة بين ابن الله وإنسان. إذ يوجد أقوياء كثيرون، فإبليس قوي: "لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً". (مر 3: 27)، لكن لا يوجد من هو أقوى من المسيح، دليل ذلك أن يوحنا لم يشأ أن يقارن نفسه بالمسيح بقوله: "لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه".]

د. يعلن القديس يوحنا أنه غير مستحق أن يمد يده ليحل سيور حذائه، وكما سبق فرأينا أن في هذا إشارة إلى إعلانه عن عجزه لإدراك سرّ تجسده، كيف صار كلمة الله إنساناً.على أي الأحوال لقد أحنى السيد المسيح رأسه تحت هذه اليد المتواضعة ليكمل كل برّ، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [اليدّ التي أكد أنها غير مستحقة أن تمس حذائه سحبها المسيح على رأسه!]

3. معمودية السيد المسيح

قدم لنا معلمنا متى البشير (مت 3: 13-17) معمودية السيد المسيح بكونها تدشين أو تتويج للملك الحقيقي ليبدأ أعماله الملوكية مجتذبًا كل نفس من مملكة الظلمة إلى مملكة النور خلال التمتع بالبنوة لله، أما معلمنا مرقس البشير فإذ يقدم لنا السيد المسيح العامل والخادم للبشرية لينتشلنا بحبه العملي إلى التمتع بخلاصه، فانه يقدم لنا معمودية السيد قبل بدء خدمته الجهورية ليعلن غاية خدمته لنا وأعماله الخلاصية... وقد أبرز الإنجيلي خمسة أمور واضحة هي:

أولاً: الصعود من الماء: "وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل، واعتمد من يوحنا في الأردن. وللوقت وهو صاعد من الماء، رأى السماوات قد انشقت" [9-10]. كان الصعود من الماء يؤكد أن السيد المسيح أسس المعمودية على التغطيس في المياه، لتأكيد شركتنا معه خلال الدفن معه في القبر لنقوم أيضًا معه، كقول الرسول: "فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الأب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة" (رو 6: 4). إنها صعود مع السيد من القبر لممارسة الحياة العملية بروح القيامة وقوتها.

المعمودية هي "صعود من المياه"، وكأنها "خروج من البحر الأحمر"، أو قل هي "حياة فصحية"، خلالها لا ننطلق تحت قيادة موسى من بحر سوف متجهين في البرية إلى أورشليم، إنما بالحق هي خروج من القبر مختفين في المسيح الرأس، بكونه وحده غالب الموت ومحطم لأبواب الجحيم. وبهذا يتحقق لنا ما اشتاق إليه إشعياء النبي القائل: "ذكر الأيام القديمة موسى وشعبه، أين الذين أصعدهم من البحر مع راعي غنمه؟ أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه، الذي سيرّ ليمين موسى ذراع مجده، الذي شق المياه قدامهم ليصنع لنفسه اسمًا أبديًا"؟ (إش 63: 11-12). قال أحد الدارسين أن المعمودية في الفهم السماوي هي يسوع الحامل شعب الله الجديد مولودًا خلال خروج جديد.

إن كان السيد قد ظهر صاعدًا من المياه، إنما ليعلن أنه منطلق بشعبه الجديد المتحد فيه ليهبه "البنوة للآب السماوي"‍! هذه هي أرض الموعد التي يحملنا إليها يشوع الجديد بعبوره بهم نهر الأردن.

في دراستنا لأسفار العهد القديم ارتبطت المياه بالعصر المسياني كأحد ملامحه الرئيسية. وفي العهد الجديد ارتبطت بحياة السيد المسيح. ففي نهر الأردن تجد الكنيسة لها موضعًا في المسيح يسوع الذي يهبها البنوة، وبعد صعوده ينطلق كصخرة موسى التي كانت تتبع الشعب لتفيض بمياه الروح القدس الحية في عيد العنصرة وسط برية هذا العالم. في أول خدمته الجماهرية استخدم الماء ليحوله خمرًا يفرح قلوب أصحاب العرس والمدعوين (يو 2: 1-11)، وعندما أعلن خطبته للأمم كعروس له خلال السامرية تمّ ذلك عند مياه بئر يعقوب (يو 4). حتى عندما علّم عن عمل المحبة تحدث عن كأس الماء البارد الذي يقدم لطفل فقير (مت 10: 42)، وفي لحظات موته فاض من جنبه دم وماء، وعندما أشار إلى موضع الفصح أعطى جرة الماء علامة لمعرفة الموضع (مر 14: 13). وأخيرًا عندما أوصى تلاميذه قبيل صعوده سألهم أن يعمدوا جميع الأمم. وكما يقول العلامة ترتليان: [يا لقدرة نعمة المياه في نظر الله ومسيحه لتثبيت المعمودية! لن تجد المسيح بدون المياه!]



السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ إصحاح 1 من إنجيل مرقس +
+ عودة لتفسير إنجيل مرقس +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك