إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 23 جـ3 PDF Print Email
لم يتحرَّج الرسولان بولس وسيلا حين قال سجّان فيلبي لهما: "يا سيّديَّ ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟" (أع 16: 30)، إذ لم يكن هذا اللقب تملقًا... إنّما إدراكًا لسلطانهما في الرب. أمّا الرسولان فلم يهتمّا باللقب، وإنما بخلاص الرجل وأهل بيته. عندما يسود روح "الحياة الروحيّة الملتهبة" لا يكون للألقاب خطورتها على حياة الراعي، لأن شوقه لخلاص كل نفس يملأ قلبه، فلا يجد الرياء أو الكبرياء موضعًا فيه.

في اختصار نقول أن السيِّد المسيح لم يقصد إلغاء الألقاب بمفهوم حرفي قاتل، لكنّه أراد أن نلتقي بالقادة الروحيّين خلاله شخصيًا، نقبلهم فيه كروحيّين سمائيّين، ولا نرتبط بهم خلال التملق والمجاملات. لهذا يكمِّل: "وأكبركم يكون خادمًا لكم، فمن يرفع نفسه يتّضع ومن يضع نفسه يرتفع" [11-12]. الخطورة أن يسعى القادة إلى العظمة عِوض الخدمة، فيرتفعون بأنفسهم ليسقطوا، أمّا القائد المتّواضع فإن الألقاب لا تزيده إلا شعورًا بالانسحاق وإحساسًا بالمسئوليّة واتّساعًا لقلبه لخدمة الجميع من أجل الرب لا الناس.

يقول القدّيس جيروم: [هناك فارق كبير بين دعوة إنسان كأبٍ أو معلّمٍ بالطبيعة وبين أن يكون ذلك للمجاملة. عندما ندعو إنسانًا أبًا يكون في ذلك إكرام وتوقير من أجل سنّه. وعندما ندعوه معلّما بكونه يشترك مع المعلّم الحقيقي.]

3. ظلم الآخرين مع ممارسة العبادة

يمتد الرياء لا ليسحب الخادم إلى الأمجاد الزمنيّة الباطلة فحسب، وإنما ليظلم الأرامل والمحتاجين من أجل إشباع نفسه، مغطِّيًا تصرفاته هذه بشكليِّات من العبادة وإطالة في الصلوات.

"لكن ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس،فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون.ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولِعلّه تُطيلون صلواتكم،لذلك تأخذون دينونة أعظم" [13-14].

هكذا إذ تتضخَّم الأنا ego لا يطلب الراعي الكرامات فحسب، وإنما يجري وراء الماديَّات على حساب شعبه فيمتلئ، ولا يقدر أن يدخل طريق الملكوت الكرب خلال الباب الضيِّق، بل يقف خارجًا ليسد الطريق أمام الآخرين، فيتعثّر ويُعثِر. وكما قال النبي: "وكما يكمن لصوص لإنسان كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم" (هو 6: 9).

يقول القدّيس جيروم: [على أي الأحوال المعلّم الذي يُعثِر تلاميذه بأعماله الرديئة يغلق ملكوت السماوات أمامهم.]

4. إعثار الدخلاء

"ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،لأنكم تطوفون البحر والبرّ لتكسبوا دخيلاً واحدًا،ومتى حصل تصنعونه ابنًا لجهنم أكثر منكم مضاعفًا" [15].

يبذل المرائي الكثير محتملاً مشقَّات السفر والحرمان ليكسب دخيلاً واحدًا، لكنّه إذ يدخل به إلى الإيمان يكتشف الدخيل فيه رياءه، فيتحطَّم إيمانه فيه. إنه يدرك عن قرب ثوب معلّمه المزيف، فلا يعود ينظر إلى كلماته، بل يتطلّع إلى أعماله الخفيّة الشرّيرة، فيترك الإيمان بلا رجعة، إذ لا يعود يفتح باب قلبه لكارزٍ آخر يشهد له عن الإيمان، حتى وإن كان الأخير رجلاً مباركًا، فإن الخبرة الأولى قد حطَّمت الدخيل. وربّما يسلك الدخيل طريقًا آخر، فإنه وإن كان لا يرتدّ عن الإيمان علنًا، لكنّه يرتدّ بسلوكه العملي، إذ يشرب من معلّمه مياه الرياء ليسلك بروحه وربّما بصورة أشد، وفي الحالتين يزج المرائي بالدخيل إلى نيران الظلمة الأبديّة.

ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة السابقة، قائلاً: [هنا يصدر الاتهام في أمرين: الأول عدم نفعهم في خلاص الكثيرين إذ يحتاجون إلى أتعاب كثيرة ليربحوا شخصًا واحدًا، والثاني الإهمال في حفظ من كسبوه. فإنهم ليس فقط يتَّسِمون بالإهمال بل والخيانة، إذ يفسدونه بحياتهم الشرّيرة ويجعلونه أشرّ منهم فلا يقف (الدخيل) عند شرّ معلّمه. فإنه إن رأى معلّمه إنسانًا فاضلاً يتمثل به، أمّا إن رآه شريرًا فيتعدَّاه في الشرّ بسبب الميل الطبيعي للإنسان نحو الشرّ.]

وكما يقول القدّيس جيروم: [كانوا يجتهدون ليصنعوا دخيلاً واحدًا من الشرفاء، يضمّونه إلى شعب الله... لكنّه إذ كان ينظر إلى معلّميه فيُدرك أن أعمالهم تهدم تعاليمهم يرجع إلى قيئه، وبعودته أمميًا يُحسب جاحدًا فيستحق عقابًا أشد ممّا كان عليه قبل قبوله الإيمان.]

5. النظرة الماديّة في العبادة

يفسد الرياء المعلّمين فعِوض أن يحكموا روحيًا حتى في الأمور الماديّة، إذا بهم يحكموا بمنظار مادي حتى في الروحيّات. فيرون في ذهب الهيكل أنه أفضل من الهيكل، والقربان أثمن من المذبح، فمن يُقسِم بذهب الهيكل أو القربان يلتزم بالقسَم أو من يقسِم بالهيكل نفسه أو المذبح فليس بشيءٍ. هكذا إذ تَظْلَمْ البصيرة الداخليّة ويصيبها العمى تنجذب النفس إلى المقدّسات لتطلب الماديَّات فحسب.

يرى القدّيس جيروم: [أنهم يسلكون لا بمخافة الله بل بالرغبة في الغنى]، فالذي يحلف بالذهب أو القربان يلتزم بدفع الذهب وتقديم القربان الأمر الذي ينتفع منه الكهنة، لكن من يحلف بالهيكل أو المذبح ويحنث بالقسم فلا يشغل قلبه في شيءٍ.

6. حرفيُّون في الوصيّة بلا روح

يظهرون في تنفيذ الوصيّة كمدقِّقين للغاية، فيُعشِّرون النِعناع والشبَت والكمُّون الخ. الأمور التي ربّما تُزرع بكميَّات قليلة جدًا في المنازل للاستعمال الشخصي، لكنهم يتركون أثقل الناموس: "الحق والرحمة والإيمان". من أجل المظهر يتمِّمون الأمور التافهة تحت ستار التدقيق، أمّا جوهر الوصيّة الخفي فلا يمسُّونه. يحملون في قلوبهم الكراهيّة والبُغضة والحسد، ويتخلُّون عن الحق والرحمة والإيمان. لكنهم يظهرون كمُحبِّي الحق والمدافعين عنه، أنقياء لا يظلمون أحدًا وأطهارًا، فيُصفُّون عن البعوضة، مع أنهم في الداخل يبلعون الجمل، وكما يقول السيِّد: "أيها القادة العميان الذي يُصفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل" [24].

يرى القدّيس جيروم في ذلك جشع للقادة اليهود فإنهم يهتمّون بالعشور حتى بالنسبة للخضروات ذات القيمة البسيطة لأنها تدخل إلى بيوتهم، أمّا الوصايا الخاصة بالرحمة تجاه الفقراء والأرامل والأيتام ومحبّة الله فيتهاونون فيها. وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: إنهم يدقّقون في الوصيّة التي تحقّق هدفهم المادي وجشعهم ويتهاونون في الوصيّة التي تمسّ علاقتهم مع الله وحياتهم الروحيّة، مع أن كسر أيّة وصيّة إنّما هو كسر للناموس كله. إذ يقول: "عصيان وصيّة واحدة هو عصيان للناموس" (يع 2: 10)، إذ يجعله بلا ناموس. فإن تجاهل أحد هذه الوصايا خاصة الهامة منها، فأيّة كلمات يجدها قادرة أن تُخلِّصه من العقوبة التي يستحقَّها؟! هذا ما اِستحقَّه الفرّيسيّون من توبيخات قاسية إذ حَكم عليهم الرب: "ويل لكم أيها الفرّيسيّون لأنكم تُعشِّرون النَعنع والسَذاب وكل بَقْل وتتجاوزون الحق ومحبّة الله" (لو 11: 42). فإذ هم طامعون أكثر من غيرهم ومشغوفون بالربح القبيح أمروا بضرورة ملاحظة شريعة العشور بدقّة وحرفيّة حتى لا يحذفوا من حساباتهم أقل الأمور والبقول التي بلا ثمن، بينما يتجاهلون ما كان يجب مراعاته من وصايا هامة أعطيت بواسطة موسى مثل الحق الذي يحقّق العدالة في الحكم ومحبّة الله. لقد وبَّخهم الروح بصوت داود: "الله قائم في مجمع الآلهة يقضي وسط الآلهة، حتى متى تقضون جورًا، وترفعون وجوه الأشرار؟!" (مز 82: 1). كما اتَّهمهم على لسان إشعياء: كيف صارت المدينة الأمينة صهيون زانية، ملآنة حقًا كان العدل يبيت فيها وأما الآن فقاتلون؛ صارت فضتك زَغْلاً، ويخلِط تُجَّارك الخمر بالماء، رؤساؤك متمرِّدون وشركاء اللصوص، كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا، لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم. فإن القضاء بالجور ليس من عمل محبِّي الإخوة.


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 23 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك