إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

حقق للناس فى حياتك المثاليات التى يشتهونها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email
دخول الملك أورشليم

تقدّم لنا الأصحاحات الثمانية الأخيرة (21-28) صورة حيّة للأسبوع الأخير لحياة السيِّد المسيح على الأرض الذي قدّم لنا فيه نفسه فِصحًا ليعبُر بنا من ملكوت الظلمة إلى ملكوته الأبدي. وقد حرص الإنجيليّون أن يسجّلوا لنا صورة تفصيليّة عن هذا الأسبوع الذي غيّر مجرى حياة البشريّة.

1. دخوله أورشليم 1-11.

2. تطهير الهيكل 12-14.

3. تسبيح الأطفال 15-16.

4. في بيت عنيا 17.

5. شجرة التين العقيمة 18-22.

6. جدال الرؤساء معه 23-26.

7. مثل الابنين والكرم 27-32.

8. مثل الكرّامين الأشرار 33 -44.

9. إدراك الرؤساء أمثلته 45-46.

1. دخوله أورشليم

"ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون،حينئذ أرسل يسوع تلميذين. قائلاً لهما:اذهبا إلى القرية التي أمامكما،فللوقت تجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها،فحلاّهما وأتياني بهما.وإن قال لكما أحد شيئًا، فقولا:الرب محتاج إليهما،فللوقت يرسلهما" [1-3].

كانت أورشليم تكتظ بالملايين في ذلك الوقت، جاءوا يشترون خرافًا يحتفظون بها لتقديمها فِصحًا عنهم، أمّا السيِّد المسيح - حمل الله - فتقدّم بنفسه متَّجهًا نحو أورشليم ليقدّم نفسه فِصحًا عن البشريّة بإرادته. إنه ليس كبقيّة الحملان التي تُذبح فتؤكل وتُستهلك، إنّما يقدّم جسده ذبيحة حب قادرة أن تقيم من الموت وتهب حياة أبديّة لمن ينعم بها. إنه الكاهن والذبيحة في نفس الوقت الذي يتقدّم إلى الصليب، كما إلى المذبح لكي يرفع البشريّة المؤمنة إلى الحياة الجديدة التي فيه، ويحملها معه إلى سماواته.

لقد "جاءوا إلى بيت فاجي"، وهي قرية صغيرة جنوب شرقي جبل الزيتون، يسكنها الكهنة ليكونوا قريبين من الهيكل بأورشليم. يرى البعض أن "بيت فاجي" تعني بالعبريّة "بيت التين"، وقد سبق فرأينا في "التينة" رمزًا للكنيسة من جهة وحدتها حيث تضم بذورًا كثيرة داخل غلاف الروح القدس الحلو، خلاله يكون للكل طعمًا شهيًا، وبدونه تصير البذور بلا قيمة لا يمكن أكلها. هذه هي الكنيسة الواحدة المملوءة حلاوة خلالها يرسل السيِّد تلميذيْه ليحلاّ باسمه المربوطين، ويدخلا بالقلوب إلى أورشليم العُليا، أي رؤية السلام.

ويرى العلاّمة أوريجينوس أن "بيت فاجي" تعني "بيت الفَكْ"، وكأنها تذكرنا بالفكْ الذي يُلطم عليه المؤمن الحقيقي (الخد الأيمن) فيُحوّل الآخر لمن يلطمه، مقدّمًا له الحب ليكسر شرّه. كما يذكِّرنا بالفكْ الذي ضرب به شمشون الأعداء فأهلكهم، وقد أفاض ماءً أنعشه وقت عطشه (قض 15: 19). هكذا لا نستطيع أن نلتقي بالمسيّا المخلّص كفاتح لأورشليمنا الداخليّة ما لم نقدّم خدِّنا الأيمن وأيضًا الأيسر بالحب لمضايقينا، محتملين شرّهم بصبرٍ حقيقيٍ.

هذا هو باب التمتّع بمسيحنا - الفِصح الحقيقي - الذي أفاض علينا ينبوع مياه حيّة كما مع شمشون (قض 15: 19) هو ينبوع ماء روحه القدّوس الذي يروي القلب ليحوِّله من بريَّة مقفرة إلى جنّة الله المثمرة.

يقول الإنجيلي: "ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون" [1]... ما هو جبل الزيتون الذي جاء إليه السيِّد قبيل دخوله أورشليم الذي اكتظّ بأشجار الزيتون، إلا السيِّد المسيح نفسه، الذي هو نفسه "الطريق"، هو بدايته وهو نهايته. به يدخل إلينا، وفيه يستقر! وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [لعلّ المسيح نفسه هو الجبل، فمن هو ذاك الجبل إلا الذي يقدر أن يقدّم أشجار زيتون مثمرة، لا كالأشجار التي تنحني بسبب ثِقل ثمارها، وإنما تذخر بالأمم خلال كمال الروح؟! إنه ذاك الذي خلاله نصعد وإليه نبلغ. إنه الباب وهو الطريق؛ هو الذي ينفتح لنا، وهو الذي يفتح.]

يقول أيضًا القدّيس أمبروسيوس: [لقد جاء إلى جبل الزيتون لكي يغرس الزيتون الصغير بقوّته السماويّة... إنه الزارع السماوي؛ وكل غرس يغرسه في بيت الله يعلن: "أمّا أنا فمثل زيتونة خضراء في بيت الله، توكّلت على رحمة الله إلى الدهر والأبد" (مز 52: 8).]

عند جبل الزيتون أرسل السيِّد تلميذين، قائلاً لهما: "اذهبا إلى القرية التي أمامكما". بعث بتلميذيه إلى قرية ليأتيا بالأتان والجحش المربوطين بعد حلّهما، ليستخدمهما في دخوله أورشليم. معلنًا احتياجه إليهما، وقد رأى آباء الكنيسة أن كل كلمة وردت بخصوص هذا الحدث تحمل معنى يمس خلاص البشريّة، نذكر على سبيل المثال:

أولاً:
الأتان والجحش يمثّلان رمزيًا العالم في ذلك الحين وقد انقسم إلى اليهود والأمم... فالرب محتاج إلى كل البشريّة حتى وإن انحطّت في فكرها إلى الأتان والجحش من جهة معرفتهم لله وسلوكهم الروحي. وكما يقول المرتّل: "صرتُ كبهيمة عندك، ولكنّني دائمًا معك" (مز 73: 22-23). في تواضع إذ يشعر الإنسان بعجزه عن إدراك أسرار الله يرى نفسه وقد صار كبهيمة عاجزة عن التفكير، فيحمل كلمة الله داخله، ويصير هو نفسه كأورشليم الداخليّة. إنه يتقبّل عمل السيِّد في حياته كما من خلال تلميذيه، يحلانه من الرباطات الأولى بالروح القدس ويقدّمانه للسيِّد كمركبة إلهيّة تنطلق في حرّية، نحو أورشليم العُليا (غل 4: 26) عِوض قريته الأولى وأعمال العبوديّة الحقيرة.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد شبّه البشر بهذين الحيوانين لوجود مشابهات معهما... فالحمار حيوان دنس (حسب الشريعة) وأكثر الحيوانات المستخدمة للحمل غباءً، فهو غبي وضعيف ودنيء ومثقّل بالأحمال. هكذا كان البشر قبل مجيء المسيح إذ تلوّثوا بكل شهوة وعدم تعقل، كلماتهم لا تحمل رقّة، أغبياء بسبب تجاهلهم لله، فإنه أيّة غباوة أكثر من احتقار الشخص للخالق وتعبُّده لعمل يديه كما لو كان خالقه؟! كانوا ضعفاء في الروح، أدنياء، إذ نسبوا أصلهم السماوي وصاروا عبيدًا للشهوات والشيّاطين. كانوا مثقّلين بالأحمال، يئنّون تحت ثقل ظلمة الوثنيّة وخرافاتها.]

ويقول القدّيس كيرلّس الكبير في هذا: [لقد خلق إله الكل الإنسان على الأرض بعقلٍ قادرٍ على الحكمة، له قُوى الفهم، لكن الشيطان خدعه؛ ومع أنه مخلوق على صورة الله أضلَّه، فلم تعد له معرفة بالخالق صانع الكل. انحدر الشيطان بسكان الأرض إلى أدنى درجات عدم التعقّل والجهل. وإذ عرف الطوباوي داود ذلك، أقول بكى بمرارة قائلاً: "والإنسان في كرامة لم يفهم، يشبه البهائم بلا فهم" (مز 49: 12). من المحتمل أن الأتان الأكبر سنًا ترمز لمجمع اليهود إذ صار بهيميًّا، لم يعطِ للناموس اهتمامًا إلا القليل، مستخفًا بالأنبياء والقدّيسين، وقد أضاف إلى ذلك عصيانه للمسيح الذي دعاه للإيمان ولتفتيح عينيّه، قائلاً: "أنا هو نور العالم، من يؤمن بي فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يو 8: 12). الظلمة التي يتحدّث عنها هنا بلا شك تخص الذهن وتعني الجهل والعُمى وداء عدم التعقّل الشديد. أمّا الجحش الذي لم يكن بعد قد اُستخدم للركوب فيمثِّل الشعب الجديد الذي دُعيَ من بين الوثنيّين. فهذا أيضًا قد حُرم بالطبيعة من العقل؛ كان هائمًا في الخطأ، لكن المسيح صار حكمته "المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة (وأسرار) العلم" (كو 2: 3). لذلك أُحضر الجحش بواسطة تلميذين أرسلهما المسيح لهذا الغرض. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن المسيح دعا الوثنيّين بإشراق نور الحق عليهم، يخدمه في ذلك نظامان: الأنبياء والرسل. فقد رُبح الوثنيّون للإيمان بكرازة الرسل الذي يستخدمون كلمات مقتبسة من الناموس والأنبياء. يقول أحدهم للذين دُعوا بالإيمان لمعرفة مجيء المسيح: "وعندنا الكلمة النبويّة وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن اِنتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضعٍ مظلمٍ، إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" (2 بط 1: 19)... فإذ تفجّر النهار بإشراق نور الحق لم تعد الكلمة النبويّة سراجًا صغيرًا بل صار يضاهي أشعة كوكب الصبح.


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 21 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك