إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير ويبعدها عنها الشر ولكنه لا يملك أن يرغمها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 20 جـ3 PDF Print Email
الملكوت والصليب

إذ كان السيِّد يقترب إلى أورشليم ليقدّم نفسه حملاً للفصح كان يبرز مفهوم ملكوت السماوات والدعوة إليه والاستحقاق له. خلال أعماله الخلاصيّة من صلب وموت وقيامة. فإن لا ملكوت بغير الصليب، ولا حق لنا للتمتّع به والعمل لحسابه خارج دم السيِّد المسيح غافر الخطايا. لهذا بعدما عرض الإنجيلي المثل السابق الخاص بالمدعوّين للملكوت خلال كل التاريخ البشري من يهود وأمم قال: "وفيما كان يسوع صاعدًا إلى أورشليم أخذ الاثني عشر تلميذًا على انفراد في الطريق، وقال لهم. ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت. ويسلّمونه إلى الأمم لكي يهزءوا به ويجلدوه ويصلبوه، وفي اليوم الثالث يقوم" [17-19].

لقد أخذ تلاميذه على انفراد ليحدّثهم عن الأسرار الخاصة بالملكوت التي لم يكن ممكنًا للجماهير اليهوديّة في ذلك الحين أن تتقبّلها، وحتى التلاميذ كانوا غير مدركين لها. ففي المظهر الخارجي تجتمع المدينة لاستقباله كملك، أمّا هو فعيناه تتطلّعان إلى الصليب بكونه طريق الملكوت الأوحد، وكأن السيِّد يُشير إليهم أنه قادم للصليب بإرادته، يعمل ما هو ذاهب إليه، وبهذا يشجّعهم أيضًا على حمل الصليب معه.

- سبق فأخبر تلاميذه عن آلامه حتى إذ يتيقّظون متوقّعين حدوثها يستعدّون لملاقاتها.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- بهذا يتعلّمون أنه يعرف مقدّمًا آلامه العتيدة، وأنه كان يمكنه بسهولة أن يتجنّبها، لكنّه ذاهب ليلتقي بها بإرادته. لقد أخبرهم أن كل هذه الأمور التي سبق فأعلنها الأنبياء القدّيسون يدبّرها الله حتى لا يتعثّر أحد عندما تتحقّق.

القدّيس كيرلّس الكبير

- لأنه محب البشر فقد رحَّب بالموت الذي بدونه لهلك العالم في خطاياه.

القدّيس كيرلّس الأورشليمي

3. الملكوت وأم ابني زبدي

بينما كان السيِّد يتَّجه نحو أورشليم ليقدّم حياته فدية عن البشريّة، فيتأهَّل الجميع للتمتّع بالملكوت السماوي تقدّمت إليه أم ابنيّ زبدي، وقد أدركت كيف اهتزّت قلوب الكثيرين تطلب السيِّد المسيح ملكًا، فاشتاقت أن يجلس ابناها واحد عن يمينه والآخر عن يساره في الملكوت. كانت أم ابنيّ زبدي تمثل الفكر اليهودي، فتطلب لابنيها المُلك الزمني بطريقة ماديّة ملموسة، تحمل السلطة والعظمة، ولم تعلم أن الملكوت الخفي هو في الصليب الحامل لقوة القيامة.

هنا يوجِّه السيِّد حديثه نحو ابنيها ليكشف لهما طريق العظمة الحقيقيّة، قائلاً: "لستما تعلمان ما تطلبان؛ أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا؟! وأن تصطبغا بالصبغة التي اَصطبغ بها أنا؟! قالا له: نستطيع. فقال لهما: أمّا كأسي فتشربانها، وبالصبغة التي اَصطبغ بها أنا تصطبغان، وأما الجلوس عن يميني وعن يساري، فليس لي أن أُعطيه إلا للذين أُعِدّ لهم من أبي" [22-23]. لقد وجَّه أفكارهما إلى كأس الصليب وصبغة الألم، يشربان كأسه ويُدفنان معه في معموديّته (صبغته) ليقوما معه. وإذ ظنَّا أنهما يستطيعان ذلك لم يحطِّم نفسيَّتِهما، وإنما وجَّهها إلى الآب الذي يُعد الإكليل لكل أحد. وكأنه أراد أن يقول لهما: وأنتما تظنّان أنكما قادران على شرب كأسي والدخول معي إلى معموديّة موتي، إنّما تحتاجان إلى قوّة من الأعالي لكي تستحقّا المجد الإلهي. إنكما ستشربان كأسي وتُدفنان معي، لكن هذا ليس عملكما الذاتي، إنّما هو عمل إلهي يوهَب لكما مجانًا.

يقول القدّيس أمبروسيوس: [يمكننا أن نفهم "ليس لي أن أعطيكم" بمعنى آخر وهو أنّني قد جئتُ لكي أعلِّم التواضع..، ما جئتُ لأُظهِر العدل بل لأقدّم حنوًا (أي أنه ليس وقت لتقديم الإكليل).]

ليتنا نتقدّم إلى حضرة ربّنا يسوع المسيح كأم ابنيّ زبدي، فيقدّم كل منّا روحه وجسده كابنين له، لا ليطلب لهما راحة زمنيّة أو كرامة باطلة مؤقّتة، وإنما لكي يدخل بهما روحه القدّوس إلى كأسه فيشربانها ويتمتّعا بالدفن معه، ويقوما حاملين سِمات المُقام من الأموات سرّ مجد لهما. عندئذ ينتظر الإنسان الإكليل الأبدي.

يُعلّق العلاّمة أوريجينوس على كلمات السيِّد لأم ابنيّ زبدي، قائلاً: [من يشرب الكأس التي شربها الرب يسوع سوف يجلس ويملك ويحكم إلى جانب ملك الملوك. هذا هو كأس الخلاص، من يأخذه يدعو باسم الرب. وكل من يدعو باسم الرب يخلُص (يؤ 2: 32، أع 2: 21، رو 10: 13).]

يشجّعنا القدّيس جيروم على الجهاد لننال مجدٍ أعظمٍ في الحياة الأبديّة خلال التواضع، قائلاً: [لو أننا جميعًا نكون متساوين في السماء فباطلاً نتّواضع هنا لنصير عظماء هناك.]

أخيرًا يرى القدّيس أمبروسيوس في تصرُّف هذه الأم جانبين، الأول أنها أخطأت في طلبها، أمّا الثاني فيغفر لها خطأها أنها بقلب الأم المملوء محبّة لم تفكر في نفسها بل في ابنيها.

لا طريق للمجد الأبدي خارج الصلب معه والدفن أيضًا. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هكذا يليق بنا أن نسلك في نفس الطريق حتى نشاركه المجد والكرامة... ما أمجد الآلام! بها نتشبّه بموته.] لكننا لا نقدر أن ندخل هذا الطريق بأنفسنا، لذا يؤكّد لنا السيِّد أنه اختارنا (يو 15: 16)، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الفضل هنا هو لصاحب الدعوة، وما على المدعوّين إلاّ الطاعة .] كما يقول: [لا نقدر أن نجري في طريق الله إلاّ محمولين على أجنحة الروح.] [الذين يعاقبون فمن أجل العدالة، أمّا الذين يكلّلون فمن أجل النعمة. فلو أنهم مارسوا ألف عمل صالح إنّما يتمتّعون بالسماء والملكوت مقابل هذه الأعمال الصغيرة لأجل حرّية النعمة، فيرتفعون إلى ما لا يقاس.]

أما ما يستدر حنو الله فيوهب لنا بلا كيل فهو تواضعنا، إذ يقول الإنجيلي: "فلما سمع العشرة اغتاظوا من أجل الأخويْن. فدعاهم يسوع، وقال: أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلّطون عليهم، فلا يكون هذا فيكم. بل من أراد أن يكون فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا. ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبدًا. كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" [24-28].

لم يكن سهلاً على التلاميذ حتى هذه اللحظات أن يتفهّموا سرّ الملكوت السماوي، لهذا اغتاظوا من أجل الأخويْن، وعِوض أن يفرحوا ويتهلّلوا بكل نفسٍ تلتقي مع الملك لكي تملك معه اغتاظوا. كان الملكوت حتى هذا الوقت سباقًا نحو المجد الأرضي وحب السيطرة، لكن السيِّد وجَّه أنظارهم إليه هو بكونه ما جاء ليخدِمهُ الآخرون بل يخدِم الآخرين، مقدّمًا حياته فِدية عنهم. لم يأتِ ليسود مع أنه هو السيِّد، وإنما جاء كعبدٍ ليمد يده فيغسل الأقدام المتّسخة. فالملكوت في جوهره هو اتّحاد مع الله في ابنه يسوع المسيح، وبروحه ندخل في سِباق نحو اِحتلال الصفوف الأخيرة، كعبيد نخدم الآخرين لنرفعهم بالروح القدس من عبوديّة الخطيّة إلى مجد أولاد الله خلال اتّحادهم بابن الله الوحيد! ما أجمل تعبير الرسول بولس: "اسْتعبَدت نفسي لكثيرين". ما كان يمكنه أن يقبل هذا، ولا استطاع أن ينفّذ ما لم يتّحد في الابن الوحيد الذي صار عبدًا من أجلنا! بقدر ما تُصلب الأنا ويرفض الإنسان الكرامة ينطلق بالروح القدس نحو أمجاد الملكوت السماوي، متنعّمًا بثماره أيضًا هنا كمجدٍ داخليٍ ونعمٍ إلهيّة لا تُقدر.

يقدّم لنا القدّيس أغسطينوس تعليقًا على كلمات السيِّد بخصوص خدمة الآخرين والبذل من أجلهم، هكذا: [كل واحد هو خادم للمسيح على نفس الطريقة التي بها المسيح أيضًا خادم. ومن يخدم المسيح هكذا يكرمه أبوه كرامة عظيمة، إذ يجعل ابنه معه، ولا يعوزه شيئًا من السعادة الأبديّة.] ويكمّل القدّيس حديثه عن الخدمة والخدّام، قائلاً: [لا تفكّروا فقط في الأساقفة والكهنة الصالحين، وإنما كونوا أنتم أيضًا خدّاما للمسيح بالطريقة الخاصة بكم، خلال حياتكم الصالحة وتقديم الصدقة والكرازة باسمه والتعليم قدر ما تستطيعون. فكل أب عائلة يعرف خلال هذا اللقب العاطفة التي يحملها كوالد لهذه العائلة. لينذِر كل أهل بيته، ويعلّمهم وينصحهم ويُصلِح من أمرهم من أجل المسيح ومن أجل الحياة الأبديّة. بهذا يمتلئ البيت من العمل الكنسي ويقوم الأب بنوع من العمل الأسقفي، خادمًا المسيح ليبقى معه إلى الأبد. فإنه حتى خدمة الآلام السامية جدًا قد مارسها كثيرون من طبقتكم (أي من الشعب). فإن كثيرين من الشبَّان والعذارى، من الرجال والنساء، آباء وأمهات، ليسوا أساقفة ولا كهنة خدموا المسيح بتسليم حياتهم للاستشهاد من أجله، فكرَّمهم الأب بقبول أكاليل مجد متزايدة.]

4. الملكوت والاستنارة

إن كنّا قد رأينا الله نفسه رب البيت هو الذي اختارنا لملكوته، ودعانا كفعَلَة في كرْمه، موضّحًا لنا أنه لا يمكن أن نتمتّع بملكوته خارج صليبه، ومؤكِّدًا التزامنا بالصليب معه كعطيّة إلهيّة، فنحمل صليب ربّنا بروح الخدمة في تواضع، فإن الإنجيلي يختم الحديث بتفتيح عينيّ الأعميين الجالسين على الطريق عند أريحا قبل دخوله أورشليم ليُصلب.

لعلّ هذه هي آخر معجزة علنيّة صنعها السيِّد قبل دخوله أورشليم ليُصلب ليؤكّد حاجة البشريّة - اليهود والأمم - إلى البصيرة الداخليّة كعطيّة شفاء إلهي حتى يعاينا الملكوت السماوي. لقد عاش اليهود زمانًا طويلاً كنسل إبراهيم حسب الجسد، يحفظون الناموس ويسجّلون النبوّات، ومع هذا كانت بصيرتهم الداخليّة قد أصابها العمى الروحي بسبب تفكيرهم الحرفي والمادي. وكأن الأمم أيضًا قد قضوا زمانهم في العبادة الوثنيّة التي ثقَّلت نفوسهم بالظلمة، فلا يطلبون غير متعة الجسد وكرامة العالم. لقد وقف الجميع - اليهود والأمم - كأعميين في الطريق لم يدخلا بعد إلى أورشليم، غير قادرين على معاينة الأمجاد، حتى يتقدّم ابن داود الملك المسيّا الذي تنتظره البشريّة، يسألهما: "ماذا تريدان أن أفعل بكما؟" [32].


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 20 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك