إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

اذا اكمل الانسان جميع الحسنات وفي قلبه حقد علي اخيه فهو غريب عن الله

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير إنجيل متى اصحاح 20 جـ1 PDF Print Email

مستحقُّو الملكوت


بعد أن تحدّث عن مدعُوِّي الملكوت قدّم لنا الإنجيلي مفهومًا جديدًا للاستحقاق للملكوت المسيحاني:

1. مثَل العاملين لحساب الملكوت 1-16.

2. الملكوت والصليب 17-19.

3. الملكوت وأم ابنيّ زبدي 20-28.

4. الملكوت والاستنارة 29-33.

1. مثَل العاملين لحساب الملكوت:

يشبّه السيِّد ملكوت السماوات برجلٍ رب بيت خرج يستأجر فعَلَة لكرمه، فاتِّفق معهم في الصباح على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، وخرج أيضًا في نحو الساعة الثالثة ليستأجر آخرين قيامًا في السوق كبطّالين وأرسلهم إلى كرمه، وهكذا في نحو الساعة السادسة والساعة التاسعة فعل ذلك، وتكرّر الأمر نحو الساعة الحادية عشر حيث سأل الواقفين كل النهار بطّالين عن وقوفهم هناك، فأجابوا: "لأنه لم يستأجرنا أحد". وفي المساء استدعى رب البيت وكلائه ليعطيهم الأجرة، مبتدئًا من الآخرين إلى الأوّلين. وإذ أعطى فعَلَة الساعة الحادية عشر دينارًا دينارًا، وجاء دور الأوّلين ظنّوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا هم أيضًا دينارًا دينارًا. وفيما هم يأخذون تذمّروا على رب البيت.

ويلاحظ في هذا المثل الآتي:

أولاً: يقول السيِّد: "فإن ملكوت السماوات يشبِه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعَلَة لكرْمه" [1]. من هو هذا الرجل رب البيت الذي يستأجر الفعلة إلا "كلمة الله الحيّ" الذي هو رب السماء والأرض، يرى في خليقته السماويّة والأرضيّة بيته الذي يدبّر أموره ويهتمّ به؟! أمّا كرْمه فهو القلب الذي فيه يُقيم مملكته، كقوله "ملكوت الله في داخلكم". إنه يزرع برّه فينا بروحه القدّوس مُعلنًا ذاته في داخلنا. ملكوته هو تجلّيه فينا!

ثانيًا: ما أجمل تعبير السيِّد عن ملكوت السماوات وهو يشبهه برجلٍ رب بيت يخرج من ساعة إلى ساعة عبر النهار كلّه يستأجر فعَلَة من السوق ليعملوا في كرمه. إنه يخرج في الساعات الخمس حسب الترتيب اليهودي باكر والثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر للعمل طوال اليوم خلال الفَعََلة في كرْمه.

ما هي هذه الساعات إلاّ مراحل حياة الإنسان عِبر كل حياته، فباكر تُشير إلى الطفولة، والثالثة إلى الصبوّة، والسادسة حيث وقت الظهيرة تُشير إلى الشباب، والتاسعة تُشير إلى الرجولة، والحادية عشر إلى الشيخوخة، أي إلى الساعة الأخيرة من حياتنا. هكذا يدعونا الله للعمل منذ طفولتنا المبكّرة مشتاقًا أن يكون كل العمر مكرسًا لحساب ملكوته ويبقى يدعونا فاتحًا ذراعية بالحب لنا حتى اللحظات الأخيرة من عمرنا فإنه لا ييأس قط منّا، مشتاقًا أن نستجيب لدعوته، ونعمل لحسابه. إن الكرم مفتوح لنا والصوت الإلهي لا يتوقّف مادام الوقت يُدعى اليوم، ومازلنا نحمل نفسًا ولو كان الأخير! لهذا يقول الرسول بولس: "عظوا أنفسكم كل يوم مادام الوقت يُدعى اليوم لكي لا يُقسَّى أحد منكم بغرور الخطيّة" (عب 3: 13).

هكذا يخرج السيِّد إلينا ليدعونا للعمل، مشرقًا علينا بنوره ليجعل يومنا كلّه نهارًا بلا ليل، فنعمل بلا توقف، إذ يقول: "ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل. مادمتُ في العالم، فأنا نور العالم" (يو 9: 4، 5). إنه يخرج إلينا ليدعونا لا بالكلام وإنما بالعمل، إذ يعمل فينا أعمال أبيه ليجتذبنا إليه مادام الوقت نهار، ونوره مشرق فينا، لئلاّ نوجد مُصِرّين على عدم قبوله، فنختم حياتنا بليْلٍ قاتمٍ حيث لا يقدر أحد أن يعمل.

إن كان الله قد وعد الكل بالدينار، هذا لا يعني أن يؤجِّل الإنسان توبته وطاعته للعمل في كرم الرب، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [هل أولئك الذين استأجرهم في كرْمه، عندما جاءهم صاحب الكرم في الساعة الثالثة كمثال قالوا له... انتظر إننا لا نذهب حتى الساعة السادسة؟ أو أولئك الذين وجدهم في الساعة السادسة، هل قالوا: إننا لسنا ذاهبين إلاّ في الساعة التاسعة؟... إذ نعطي الكل بالتساوي، لماذا نذهب ونُتعب أنفسنا أكثر ما يلزم؟... فإنه ما كان يعطيهم لو لم يذهبوا... بل يجاوبهم: ألا تريدون أن تعملوا الآن يا من لا تعرفون إن كنتم ستعيشون حتى تكبروا في السن أم لا؟ لقد دُعيتَ في الساعة السادسة، تعال، حقًا إن صاحب الكرم يعدك بدينار، إن أتيت في الساعة الحادية عشر، لكنّه لم يعدك أنك تعيش حتى الساعة السابعة؛ لا أقول الحادية عشرة بل ولا السابعة. إذن لا تؤجّل، فإن الذي دعاك يؤكّد لك المكافأة، لكن الأيام غير مؤكدة.]

ويقول القدّيس أغسطينوس أيضًا: [إن السيِّد في هذا المثل قد فتح الباب للجميع، فلا ييأس أحد، إنه يكرّر الدعوة قابلاً الجميع، لكن لنبدأ أيضًا لئلا نتحطّم بالرجاء الفاسد خلال التأجيل، إذ يقول: لا تؤجل، لا تغلق أمامك الباب المفتوح الآن. هوذا واهب المغفرة فاتح الباب أمامك، فلماذا تؤجِّل؟ لتبتهج، فإن الباب مفتوح وأنت لم تقرع، لكن هل يبقى مفتوحًا إلى الأبد بالنسبة للذين سيقرعون ويبقون خارجًا؟... إنك لا تعلم ما سيحدث غدًا.]

ثالثًا:
دعوة السيِّد لنا للعمل في كرمه ليست فقط دعوة عمليّة ومستمرّة عبر كل حياة الإنسان من طفولته حتى شيخوخته، وإنما هي أيضًا دعوة للإنسانيّة عِبر التاريخ كلّه من مهدِه حتى نهايته على الأرض. يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [لا يوجد زمن توقّف فيه الرب عن إرسال فعَلَة للعمل في كرْمه، أي تعليم شعبه.]

الله ينزل إلينا عبر التاريخ كله، من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، وكأنّه من ساعة إلى أخرى، يطلب فعَلَة يستأجرهم من السوق، لكي يدخل بهم إلى كرْمه الإلهي، ليهبهم المكافأة الأبديّة عند مساء حياتنا الزمنيّة.

لقد نزل إلينا في الصباح الباكر للبشريّة عندما بدأ التاريخ الإنساني بخليقته آدم، الذي أقامه ليعمل في الجنّة، وكان يأمل فيه أن يحمل على الدوام صورته ومثاله، يسيطر على حيوانات البرّيّة وطيور السماء وأسماك البحر (تك 1: 28)، لكنّ سرعان ما خرج هزيلاً يحني ظهره للعصيان، فقد سلطانه على أفكاره وأحاسيسه وعواطفه وكل جسده! ولم يتركه الرب هزيلاً مختفيًا وراء أوراق التين التي تجف فتفضحه، بل قدّم له الثوب الجلدي ليستر جسده، ويقدّمه له خلال الوعد بذبيحته المقدّسة لستر حياته الداخليّة.

ونحو الساعة الثالثة عندما بدأ تاريخ البشريّة من جديد، وذلك خلال فلك نوح ومعموديّته بالطوفان الإلهي، نزل الرب يطلب له فعَلَة يعملون في كرمه، مقيمًا ميثاقًا مع نوح ومع نسله من بعده (تك 9: 8).

ونحو الساعة السادسة، إذ بدأت البشريّة المؤمنة تاريخًا جديدًا خلال أب المؤمنين إبراهيم، نزل إليها الرب ليقطع عهدًا معها في شخص إبراهيم ليجعله أبًا لجمهور من الأمم (تك17 : 4-8)، ووضع له علامة العهد في جسد كل ذكر من نسله خلال الختان، فظهر فعَلَة جبابرة من الآباء مثل اسحق ويعقوب.

وفي نحو الساعة التاسعة أيضًا عندما تسلّمت البشريّة المؤمنة الناموس المكتوب بإصبع الله على جبل سيناء على يدي موسى، طلب الله فعَلَة له، هم أنبياء العهد القديم الذين يعملون لحساب ملكوته.

أخيرًا في وقت الساعة الحادية عشرة، أي الساعة الأخيرة (1 يو 1: 28)، في ملء الزمان نزل الرب متجسّدًا لكي يجمعنا نحن الذين كنّا بطّالين طول النهار، ضمّنا من الأمم التي لم تكن تعرف الله كل أيامها، كما من السوق لم يستأجرها أحد من قبل، ودخل بنا إلى كرْمه الإلهي لنعمل بروحه القدّوس لحساب ملكوته السماوي.

هذه هي الساعات الخمس لنهار البشريّة كلها الزمني، وقد جاءت بنا أواخر الدهور لننتظر مجيئه الأخير، ونقبل المكافأة من يديه مع كل أحبّائنا الفعَلَة الذين سبقونا في العمل.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 20 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


9 هاتور 1735 ش
19 نوفمبر 2018 م

اجتماع مجمع نيقية المسكونى الاول سنة 325 ميلادية
نياحة البابا أسحق البابا 41

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك