إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

تحدث التجارب أحيانا بحسد من الشيطان و بخاصة في أيام الصوم و التناول و الحرارة الروحيةلا تحـــــــــــــزن فهذا دليل علي أن صومك له مفعول و قد أزعج الشيطان

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 18 جـ2 PDF Print Email
كأن السيِّد المسيح بقوله: "خيرٌ له أن يُعلّق في عُنقه حجر الرحَى، ويغرق في لُجّة البحر" لا يقدّم إدانة أو حكمًا ضدّ النفس التي تُعثر الآخرين، ولا يودّ هلاكها، إنّما يودّ أن يُعلن حقيقة موقفها، وما بلغت إليه داخليًا خلال هذا التشبيه. فقد تحجَّرت وغرقت في بحر محبّة العالم، الأمر الذي يحمل خطورة أكثر من الغرق الجسدي في البحر خلال ربط الإنسان بحجر في عُنقه.

يبدو أن اليهود قديمًا كانوا يعاقبون مرتكبي الجرائم الكبرى بربط عنقهم في حجر وإلقائهم في أعماق المياه.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العقوبة بقوله: [بهذه العقوبة التي يستحقَِّها الإنسان الذي يُعثِر غيره، نتعلّم المكافأة لمن يُنقذ الآخرين. فلو لم يكن خلاص نفس واحدة عظيم جدًا لدى المسيح ما كان يهدّد بعقوبة كهذه لمن يُعثِر إنسانًا".]

أما طريق الأمان ضدّ العثرة فهو كلمة الله أو شريعته كقول المرتّل: "سلامة جزيلة لمُحبّي شريعتك وليس لهم عثرة" (مز 119: 165) وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما سمعتم: "الويل للعالم من العثرات" فكَّرتم كيف تتجاوزن العالم حتى لا تتعرّضوا للعثرات‎. إذن لنتجنّب العثرات. كيف نتجاوز العالم إلا بهروبنا إلى صانع العالم؟ وكيف ننطلق إلى صانع العالم ما لم نُصغ إلى شريعته التي يكرز بها في كل موضع؟! فإن الإصغاء إليها أمر بسيط أن أحببناها. لأن الكتاب المقدّس وهو يحصِّنك من العثرات لم يقل: "سلامة جزيلة لسامعي شريعتك" وإنما "لمُحبِّي شريعتك....] ويقدّم لنا القدّيس أغسطينوس مثالاً عمليًا هو امرأة أيوب التي كانت عثْرة، فجاءت تسحب قلب زوجها للتجديف، لكن كان قلبه محبًا لشريعة الله وليس له عثرة؛ كانت هي معثَرة، لكن ليس له.

"ويل للعالم من العثرات،فلابد أن تأتي العثرات،ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة" [7].

إن كان السيِّد قد فتح لنا الطريق الملوكي مشتاقًا أن تدخل فيه كل البشريّة المحرومة منه، فإن عدوّ الخير لا يكف عن أن يعمل أيضًا لحساب مملكته، فإنه حيث يوجد السيِّد المسيح عاملاً فينا يُصارع إبليس لحساب ظلمته خلال العثرات. يجنِّد من له لتحطيم النفوس البسيطة، الأمر الذي يحذّرنا منه السيِّد، لا لئلا يُعثرنا الآخرون فقط، وإنما لئلا نتحوّل نحن أيضًا معهم إلى عثرة للآخرين. لكنّنا إذ نحمل فينا مسيحنا غالب العالم وننعم بوصيّته لا نخاف العثْرة. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما تسمع "ويل للعالم من العثرات" لا تخف، وإنما حب شريعة الله، فلا تكون لك عثرة.]

"فإن أعثَرتك يدك أو رِجلك فاقطعها واِلقها عنك.خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع من أن تلقي في النار الأبديّة ولك يدان أو رجلان.وإن أعثَرتك عيْنك فاِقلعها واِلقها عنك.خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعوَر من أن تُلقى في جهنّم النار ولك عيْنان" [8-9].

هل يمكن للمؤمن أن يَبتُر كل عضو في جسده يُعثِرة أو يُعثِر الآخرين؟ في تاريخ الكنيسة قصص فريدة لأُناس صنعوا هذا، مثل سمعان الخرَّاز والفتاة الطاهرة التي ضربَت بالمِخْراز عينها لتُقدّمها لإنسان بذل كل الجهد لملاقاتها من أجل عينيها الجميلتين. في رأي الآباء أن كلمات السيِّد هنا تحمل معنى رمزيًا روحيًا، فاليد ليست إلا الإنسان الذي يسندني ويعمل لحسابي، إن تحوّل هذا إلى معثَرة لي يفقدني إيماني أو طهارتي أقطعه لاَغتصب السماوات بدونه بالرغم من شوقي إلى خلاصه. لقد مدّ يوسف العنيف يديه بكل قوّة وشجاعة ليبتُرهما حينما ترك الثوب في يديّ سيدته وهرب. لقد فضّل أن يَقطع علاقته بمن تُقدِّم له لُقمة العيش مفضِّلاً أن يُذّل داخل أسوار السجن كمن هو بلا يدين، محرومًا من حرّية الجسد من أجل تمتُّعه بالحياة الطاهرة الفردوسيّة. لم تكن لُقمة العيش قادرة أن تحبس يوسف في العثْرة، مفضِّلا أن يدخل الحياة أقطع من أن يُلقى في نار الشهوة المهلِكة وله يدان! والعجيب أن الله لم يترك يوسف بلا يدين، بل صار هو نفسه يديه أينما حلّ يتبارك العمل، سواء داخل أسوار السجن أو في قصر فرعون. فإن كنّا بالروح القدس الناري نعرف كيف نقدّم أيدينا المُعثِرة لصليب ربّنا يسوع المسيح فتُبتَر، لا نبقى بلا يدين وإنما يصير السيِّد المسيح نفسه يدينا العاملتين معنا وبنا وفينا، وفي كل عمل نعمله يتقدّمنا السيِّد نفسه فيحل ببركته فينا، بل أقول نختفي نحن فيه ليكون هو العامل! إن كل بَتْر لمصدر العثْرة بحكمة الروح القدس ليس خسارة بل هو ربح، فيه أَخْذ لا عطاء!

ما أقوله عن اليدين أكرّره بخصوص الرجلين، فإن كان أحد يمثّل الرجلين بدونهما نصير كمن هو أعرج غير قادر على الحركة. فإن أعثرتنا هاتان الرجلان نقدّمهما بالروح القدس لصليب ربّنا يسوع المسيح لبترِهما، ونلبس السيِّد نفسه ذي القدمين النحاسيّتين، بهما ندُكْ كل عثْرة في الطريق، حتى نعبُر إلى حِضن أبيه ونحن في أمان روحي وسلام فائق.

يقول القدّيس أغسطينوس: [قد تأتيك زوجتك لتنصحك بأمر شرّير. إنك تحبّها بكونها زوجتك يجب أن تُحب. هي عضو فيك، لكن إن أعثَرتْك عينك أو يدك أو رجلك كما سمعتَ في الإنجيل فاقطعها واِلقها عنك. مهما كان الإنسان عزيزًا لديك وله تقديره لديك، فإنّه قدر ما تُكرمه وتُحبّه لا تسمح له أن يُعثِرك مقدِّمًا لك مشورة شرّيرة....]

ويقول أيضًا: [يريد إنسان صاحب سلطان تغطية ظُلمه ونهبه للآخرين فيسألك أن تخدمه بشهادة زور؛ لترفضه. اُرفض القسَم الباطل لئلا تكون قد أنكرت من هو حق. إنه سيغضب وهو صاحب سلطان ويضغط عليك!... ماذا يستطيع ذاك الذي له سلطان أن يفعل لك أو بماذا يقدر أن يضايقك؟... إنه في غضبه وبسلطانه يقتل الجسد!... ليقتله فإن الجسد سيموت حتى وإن لم يُقتل، أمّا النفس فلا يمكن أن يقتلها إلا الظلم!... إن كان ذاك الذي أغضبه بالحق يضايق جسدي بالضيقات فإنّني أصغي لربي القائل: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد" (مت 10: 28).]

ولئلا يظن أحد أن بتْر عضو هو أمر سهل، سواء كان يدًا أو رجلاً أو عينًا، قال "انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار، لأني أقول لكم أن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي في السماوات" [10]. كأنه قبل أن نقدّم على بتر عضو بصليب السيِّد، فنقطع علاقتنا به ننظر إلى خلاصه كأحد الصغار الذين يشتهي الله خلاصهم، فإن ملائكتهم وإن كانت حزينة على انحرافهم، لكنها تقف أمام الآب السماوي كل حين تشفع فيهم ليعمل فيهم لخلاصهم. إن النفس الحكيمة تعمل بكل الطاقة، لا للهروب من الخدمة، وإنما حتى بالنسبة للمعثِرين تبذل كل الطاقة لكي لا تخسر خلاصها وأبديتها، وفي نفس الوقت لا تفقد المعثِرين أنفسهم إن أمكن، مشتهية خلاصهم، متجاوبة مع ملائكتهم بل ومع سيّدهم نفسه، "لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلّص ما قد هلك" [11].

عمليّة البَتْر وإن كانت أحيانًا لازمة وضروريّة، لكنها تكون في أضيق نطاق بعد بذل كل الجهد بكل الطرق، لحَث المعثِرين أنفسهم على قبول الخلاص المقدّم من ابن الإنسان نفسه.

ولعلّ السيِّد قد أراد بكلماته هذه رفع "الطفولة" وعدم احتقارها، فإن كل إنسان مهما بدأ صغيرًا له ملاكه الذي يقف في حضرة الآب من أجله، بل ابن الإنسان نفسه مهتمّ بخلاصه.

ولعلّه وهو يطالبنا بالعودة إلى الطفولة أراد تأكيد ما لهذا العمل من بركات، وهو فرح ملائكتهم بهم الذين ينظرون وجه الآب السماوي كل حين، وينعمون بخلاص المسيح المجّاني.

إذن احتقار النفس البشريّة والاستهانة بخلاصها، سواء كانت نفس طفل صغير أو شخص ناضج، لإنسانٍ عظيمٍ أو حقيرٍ، أو ازدراء الإنسان لنفسه هو غير مبال بالعثْرة، إنّما هو ازدراء بعمل المسيح الخلاصي. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تقل هذا عبد هارب أو ذاك لص أو قاتل، أو إنسان مثقّل بخطايا غير معدودة، أو متسوّل أو حقير... بل تأمّل أنه لأجله مات المسيح؛ أَما يكفي هذا ليكون أساسًا لنُعطيه كل اهتمام؟!]

أوضح السيِّد أبعاد الاهتمام بخلاص كل نفس وعدم اعثار أحد، بقوله:

"ماذا تظنّون: إن كان لإنسان مائة خروف وضلّ واحد منها،أفلا يترك التسعة والتسعين على الجبال ويذهب يطلب الضال.وإن اِتَّفق أن يجده،فالحق أقول لكم أن يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل.هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السماوات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار" [12-14].

هكذا يكشف السيِّد عن نظرته للإنسان أنه ليس مجرّد فرد بين عدد لا يُحصى، إنّما يهتمّ به الله شخصيًا وباسمه، مقدّمًا له كل اهتمامه أكثر من كل الجماعة المحفوظة في مراعيه على الجبال المقدّسة، لكي يجتذبه ويدخل به إلى العضويّة في هذه الجماعة، إن الله لا يهتمّ باَلكَمّ إنّما بالنوع، يهتمّ بكل عضو بكونه ابنًا له.

بهذا الروح الأبوي تطلّع القدّيس يوحنا الذهبي الفم إلى شعبه فلم ينشغل بالكاتدرائيّة المكتظَّة بالعابدين، ولم يفرح بكثرة الملتصقين بالكنيسة، وإنما كان يئن حزينًا لو أن إنسانًا واحدًا في المدينة لم ينعم بعد بالحياة الأبديّة. في اهتمامه بكل عضو يقول: [كل واحد منكم في عينيَّ يساوي المدينة كلها.] [لا يقل لي أحد أن كثيرين قد نفَّذوا الوصيّة فإنّني لا أبتغي هذا، بل أريد الكل أن يفعلوا هكذا. فإنّي لا أستطيع أن التَقط أنفاسي حتى أرى ذلك قد تحقّق، فإن كان واحد قد ارتكب الزنا بين أهل كورنثوس صار بولس يتنهّد كما لو أن المدينة كلها قد ضاعت.]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 18 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك