إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 15 جـ2 PDF Print Email

احتلّ الكتبة والفرّيسيّون الصفوف الأولى بين المتعبّدين، أمّا قلوبهم فلم يكن لها موضع قط بل هي مبتعدة عن الله بعيدًا، يعبدون الله ليس عن حب، وإنما لتحقيق أهداف بشريّة ذاتيّة، فصارت تعاليمهم "وصايا الناس".

يُعلّق القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص على كلمات السيّد هذه معلنًا اهتمام الله بالقلب نفسه، أكثر ممّا بكلمات العبادة أو العمل الظاهر. [ماذا يعني هذا؟ إن الاتّجاه السليم للنفس نحو الحق لهو أثمن في عينيّ الله من العبادات، فإن الله يسمع تنهُّدات القلب التي لا يُنطق بها،] أي يريد الله نقاوة القلب الداخليّة أثناء العبادة لا المظهر الخارجي. ويقول الآب يوحنا من كرونستادت: [يلزم أن تكون صلاتنا عميقة وصادقة وحكيمة ومثمرة، تُغيّر قلبنا وتوجِّه إرادتنا للصلاح وتسحبنا من الشرّ.]

2. الأيدي غير المغسولة

دعا السيّد المسيح الجميع، وفي رقّة "قال لهم: اسمعوا وافهموا" [10]. إنه الطبيب الحكيم الذي يعرف متى يحتاج المريض إلى ضربات المشرط ليقتلع كل فساد، ومتى يستخدم الدُهن الطيِّب ليُلطِّف الجراحات، متى يجرح ومتى يضمِّد. لم يكن ممكنًا شفاء المعلّمين المرائين بالكلمات الطيّبة، فإن هذا يغطي على شرّهم في الداخل ليفسد الجسد كله، أمّا الشعب البسيط فلا يحتمل كلمة قاسية لئلا يتحطّم ويتعسَّر باليأس، وإنما يحتاج إلى كلمات رقيقة تسنده وترفعه إلى الرجاء. بهذا يملك الرب على القلوب، مستخدمًا الكلمة القاسية كما الرقيقة لينفتح له القلب. هكذا دعا السيّد الجموع ليشرح لهم أمر الأيدي غير المغسولة، ليس دفاعًا عن تلاميذه، وإنما لأجل بنيانهم الروحي، ولكي لا يتعثّروا بسبب الشكوك التي يثيرها الكتبة والفرّيسيّون.

"ليس ما يدخل الفم ينجِّس الإنسان بل ما يخرج من الفم هذا ينجِّس الإنسان" [11].

أراد السيّد أن يمسك الجماهير البسيطة بيده ويدخل بهم إلى الحياة الداخليّة، ليُدركوا أن سرّ الحياة والقداسة لا يكمن في الأعمال الخارجيّة الظاهرة، وإنما في الحياة الداخليّة. إنه لم يتجاهل ما يدخل الفم تمامًا، لكنّه ليس هو الذي يُنجِّس، بل ما في داخل الإنسان والمُعلن خلال ما يخرج من الفم.

عندما تنجّس قلب الأبوين الأوّلين الداخلي اهتمّا لا بعلاج الداخل، إنّما بستر جسديهما في الخارج، كمن يُزيّن بيته المُنهار عِوض معالجة أساساته. هكذا اهتم قادة اليهود بغسل الأيدي قبل الطعام حتى لا يتنجّسوا، ولم يهتمّوا بما يصدر عن قلوبهم من نجاسات تظهر خلال كلماتهم المملوءة رياءً وإدانة.

"تقدّم تلاميذه وقالوا له:أتعلم أن الفرّيسيّين لما سمعوا القول نفروا.فأجاب وقال: كل غُرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع.اُتركوهم. هم عميان قادة عميان.وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة" [12-14].

لم يستطع الفرّيسيّون أن يسمعوا كلمات السيّد، لأنها كالمشرط الذي يُصوِّبه الطبيب على العضو الفاسد، فيفتحه ليُخرج العفونة ويظهر الفساد، الأمر الذي لا يطيقه المرائي. إنهم كآبائهم الذين استراحوا للأنبياء الكذبة في أيام إرميا، لأنهم نطقوا بالناعمات، قائلين: سلام سلام، ولم يكن سلام. وحينما حذّرهم إرميا النبي طالبًا التوبة، ألقوه في الجب، ووُضع في السجن، وكان موضع سخريتهم ومضايقاتهم. أمّا السيّد المسيح الذي يُقيم مملكة حقيقيّة أشبه بالفردوس الذي يغرس الآب أشجاره، ويسنده بدم المسيح المقدّس، ويرويه بينابيع الروح القدس، فلم يهتز بنُفور الفرّيسيّين من كلماته، فهو لا يهتمّ بعدد من يلتفون حوله بل نوعهم. يهتمّ بالدخول إلى الحق لا إلى المظهر. من أجل غرس واحد حقيقي قدّم السيّد دمه الطاهر وحياته ثمنًا مقابله، لكنّه لا يطلب أشجارًا صناعية، بلا ثمر الروح، لهذا قال: "أتركوهم". الترك هنا لا يحمل رغبة السيّد في التخلِّي عنهم، إنّما أراد حرمانهم من الجماهير التي بالغت في تقديم الكرامات لهم، ففقدوا تواضعهم، وأصيبت قلوبهم بالعَمى الروحي. إنهم في حاجة إلى الترك كي يختلوا بأنفسهم ويدركوا أنهم عميان، اختلسوا كراسي القيادة الروحيّة، فقادوا العميان بقلبهم الأعمى ليسقط الكل في حفرة الجهل والظلمة.

3. لقاء مع الكنعانيّة

إن كان قد تحوّل رجال الكتاب المقدّس - الكتبة والفرّيسيّون - بعمى قلوبهم عن الكلمة الإلهي المتجسّد، فصاروا مقاومين له ومناضلين لمملكته الروحيّة، عِوض أن ينعموا بها ويكرزوا، لهذا يقول الإنجيلي: "ثم خرج يسوع من هناك، وانصرف إلى نواحي صور وصيدا". وكأنه يُعلن تركه للشعب اليهودي الرافض الإيمان ليبحث عن أولاده من بين الأمم. بخروجه ينزع الأغصان الأصيلة بسبب كبريائهم وعدم إيمانهم، لكي يطعم فيه الأغصان البرّيّة لتنعم بثمر روحه القدّوس.

بينما انهمك اليهود - في أشخاص قادتهم - في حرفيّة الناموس وشكليّات التقليد بغير روح، صاروا يبحثون عن خطأ يرتكبه المسيّا المخلّص، وإذا بكنيسة الأمم ممثّلة في هذه الكنعانيّة تخرج إليه لتطلب منه احتياجها.

"وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه؛ قائلة:ارحمني يا ابن داود،ابنتي مجنونة جدًا" [22].

لقد حُرمت زمانها كلّه من سماع كلمة الله، ولم تتسلّم الناموس ولا ظهر في وسطها أنبياء بل عاشت حياتها في عبادة الأوثان، لكنها بالسماع عرفت القليل عن المسيّا "ابن داود"، فخرجت من تخومها، كما من كُفرها وعبادتها الوثنيّة، لتلتقي به. رفضه الذين لديهم قوائم الأنساب وبين أيديهم الرموز والنبوّات تحدِّد شخصه، وجاءت إليه غريبة الجنس، لا لتدخل في مناقشات غبيّة ومجادلات، إنّما لتغتصب حبّه الإلهي ومراحمه، لينقذ ابنتها المجنونة جدًا، لقد قبلته مخلّصًا لها، إذ شعرت بالحاجة إليه لأن نفسها كابنة لها مجنونة جدًا، فقدت تعقلها وحكمتها!

حقًا إذ انطلق السيّد إلى نواحي صور وصيدا، إذا بالمرأة تخرج من تخومها، وكأن السيّد وهو محب للبشر ينصرف إليهم، لكنّه لا يلتقي بهم داخل تخوم الأوثان بل خارجها. لقد حقّقت بهذا ما لم يعلنه لها داود النبي: "اسمعي يا بنت وانظري وأميلي أذنك، واِنسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنك، لأنه هو سيّدك فاُسجدي له" (مز 45: 10-11). لقد تمّمت الوصيّة وخرجت من شعبها، وتركت بيت أبيها تطلب الملك الحقيقي.

يقول الإنجيلي: "لم يجبها بكلمة" [23]... لماذا؟

أولاً: عدم إجابته لها في البداية هو إعلان عن عمله الخلاصي، فقد جاء وسط بني إسرائيل وركّز غالبية أعماله وقوّاته على هذا الشعب، الذي تمتّع بالوعود والنبوّات والشرائع، حتى إذا ما رفضه يكون قد امتلأ كأسه، فيرفضه الرب، ليفتح الباب على مصراعيه للأمم. لقد ركّز على هذا الشعب في البداية ليكون الخميرة المقدّسة لتخمير العجين كلّه، خلال الكرازة والتبشير. ونحن لا ننكر أنه وإن رفضه اليهود لكن قلّة منهم كانوا التلاميذ والرسل الذين كرزوا في العالم.

ثانيًا: كان صمت السيّد إلى حين يثير التلاميذ لكي يتقدّموا من أجلها. لقد أراد أن يكشف لهم رسالتهم أن يهتمّوا بالعالم الوثني المتألّم والفاقد وعيه الروحي وخلاصه.

ثالثًا: كان السيّد صامتًا في الخارج، لكن يده غير المنظورة تسند قلبها وإيمانها، وعيناه تترقّبان بفرح تواضعها الفائق. لقد أراد بصمته لا أن يتجاهلها، وإنما بالأحرى يزكّيها أمام الجميع. يقول القدّيس أغسطينوس: [إذا كانت تشغف على الحصول على الرحمة صرخت وبجسارة قرعت، فظهر كأنه لم يسمعها. لم ترفضها الرحمة إلى النهاية، إنّما ما حدث كان لكي يُلهب رغبتها ويُظهر تواضعها. صرخت وكأن المسيح لا يسمعها، مع أنه كان يدبّر الأمر بهدوء.] كما يقول: [كانت دائمة الصراخ، داومت على القرع، وكأنها سبق فسمعت قوله: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم" (مت 7: 7).]


"فتقدّم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين:اصرفها لأنها تصيح وراءنا.فأجابهم وقال: لم أُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" [23-24].

كيف لم يُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وهو القائل لنيقوديموس "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو3: 16)؟ بل وسبق فشهد الأنبياء في العهد القديم عن مجيء المسيّا للعالم كله، اليهود والأمم معًا؟




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 15 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك