إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

راحة الجسد ليست خطية إنما هى وصية إلهية إنما من الخطأ أن شخصاً يبنى راحته على تعب الآخرين

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

الملكُ المشبَع


يقدّم لنا الإنجيلي شخص السيّد المسيح بكونه الملك الذي يُشبع الروح والجسد، الذي يقوتنا روحيًا ونفسانيًا وجسديًا. وعلى العكس يقدّم لنا هيرودس الملك كإنسانٍ جائعٍ يسيطر عليه الخوف كفاقد السلام، والشهوة كفاقد الطهارة. أراد أن يُشبع قلب فتاة راقصة بمملكته كلها لكنّه فشل. إنه كجائعٍ لا يقدر أن يُشبع غيره!

1. هيرودس الجائع 1-12.

2. المسيح الجذّاب 13.

3. المسيح المُشبع 14-21.

4. المسيح واهب السلام 22-32.

5. المسيح واهب الشفاء 33-36.

1. هيرودس الجائع

"في ذلك الوقت سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع.فقال لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان.قد قام من الأموات، ولذلك تُعمل به القوات" [1-2].


كان هيرودس قد قتل القدّيس يوحنا المعمدان، الصوت المُرهِب، الذي أعلن الحق، مانعًا زواجه من هيروديّا امرأة أخيه فيلبس. فبحسب الشريعة لم يكن ممكنًا للإنسان أن يتزوّج امرأة أخيه (لا 18: 16) إلا إذا كان أخوه قد مات ولم تنجب له امرأته، عندئذ يتزوّجها الأخ ليس اشتياقًا إليها، وإنما ليُقيم لأخيه الميّت نسلاً. لقد كان خطأ هيرودس أنه أراد الزواج بامرأة أخيه الذي على ما يُظن كان حيًا.

قتل هيرودس القدّيس يوحنا المعمدان ليكتم صوته، لكن الصوت لم يتوقّف، بل كان يزداد صراخًا في ذهن هيرودس. لهذا إذ سمع هيرودس عن يسوع المسيح فكَّر في الحال أنه يوحنا المعمدان قام من الأموات يصنع القوات. لقد قتل يوحنا لكي يهدِّئ ضميره، وتستريح نفسه فيه، لكن الخوف لم يفارقه. لقد كان هيرودس الملك جائعًا، ليس فيه سلام، بل خوف، لأن الخطيّة تفقد الإنسان شبعه الداخلي!

يروي لنا الإنجيلي قصّة استشهاد القدّيس يوحنا المعمدان على يديّ هيرودس ليكشف خلال تفاصيلها عن جوع الملك هيرودس، إذ يقول: "فإن هيرودس كان قد أمسك يوحنا وأوْثقه، وطرحه في سجنٍ، من أجل هيروديّا امرأة فيلبس أخيه. لأن يوحنا كان يقول له: لا يحلّ لك أن تكون لك" [3-4].

كان هيرودس صاحب السلطان يظن أنه قادر أن يكتم صوت الحق، ويحبسه بسجن يوحنا، مشتاقًا أن يقتله فيُبيد الصوت تمامًا، لكن الحبس كان يُزيد الصوت قوّة، والموت يختم على الصوت بختم الأبديّة، فصار موضوع كرازة الأجيال. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد سُمع صوت يوحنا بأكثر علوّ بعد هذه الأمور.] لقد حاول الشيطان يومًا أن يتخلَّص من كلمة الله بالصليب، فجاء الصليب ينقش بالحب الكلمة الإلهيّة على القلوب المحجرة ليُقيمها هيكلاً للرب. وتحالف اليهود مع الأمم ضدّ الكنيسة لإبادتها، وبقدر ما اضطهدوها كان صوت الله يُعلن بأكثر وضوح وسط العالم خلال الكنيسة!

يرى العلاّمة أوريجينوس في سجن النبي وقتله إشارة إلى ما فعلته الأُمّة اليهوديّة، إذ أرادت أن تكتم النبوّات وظنّت أنها قادرة على منع تحقيقها بموت المسيّا، إذ يقول: [إنه قيّد الكلمة النبويّة وسجَنها ومنَعها من الاستمرار في إعلان الحق في حرّية كما كان سابقًا.]

لقد أراد هيرودس قتله، لكنّه بسبب الخوف من الشعب توقَّف، ربّما إلى حين. بهذا استراح ولو مؤقَّتًا، وأقام حفلاً رسميًا، نعِم فيه بما يًشبع ذاته دون مُبكِّت. إذ يقول الإنجيلي: "ثم لما صار مولد هيرودس رقصت ابنة هيروديّا في الوسط، فسرَّت هيرودس. من ثم وعد بقسمٍ أنه مهما طلبت يعطيها" [6-7ٍ]. أقام هيرودس الجائع حفلاً يُشبع غروره وشهواته، وإذ رقصت ابنة هيروديّا، وسُرّ بها مشتهيًا أن يعطيها شيئًا يُشبعها! إن كانت هيروديّا تمثل الخطيّة التي يشتهيها هيرودس، فإن الخطيّة تلد خطيّة قادرة أن تأسِر قلبه الفارغ، مشتهيًا أن يقدّم كل حياته ثمنًا لرقصة واحدة! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كان أسيرًا بواسطة شهواته، حتى قدّم مملكته ثمنًا لرقصة"، كما يقول: "بينما كان يجب عليه أن يشكر الله إذ جاء به في مثل هذا اليوم إلى النور (يوم ميلاده) تجاسر بارتكاب هذه الأعمال الشرّيرة، وبينما كان ينبغي عليه أن يحرّر من هم في القيود إذ به يُضيف إلى القيود قتلاً.]

في عيد ميلاد هيرودس قُتل القديس يوحنا المعمدان، فقد ظنّ أنه لا يستطيع أن ينعم بالحياة السعيدة ويُشبع شهوات جسده خلال حبّه لامرأة أخيه ورقصات ابنتها، إن لم يكتم أنفاس القدّيس يوحنا المعمدان. لكن يوحنا مات، وبقيَ صوته خالدًا إلى الأبد. ارتبط هيرودس بالشهوات الزمنيّة فزال مع الزمن، وارتبط يوحنا بالحق، فدخل إلى عدم الموت مع الحق نفسه. ونحن أيضًا إن أردنا أن ندخل إلى عدم الموت لنرتبط بيسوعنا "الحق الذي لا يموت"، فندخل معه وفيه إلى حضن أبيه حيث لا يمكن للموت أن يقترب إلينا!

أيّامنا محدودة وزائلة إن ارتبطت بالأمور الزائلة من محبّة العالم وشهوات الجسد؛ وخالدة إن اختفت في ربّنا يسوع المسيح الذي لم يقدر الموت أن يُمسك به، ولا القبر أن يغلق عليه، ولا متاريس الجحيم أن تقف أمامه!

يتساءل البعض: إن كان هيرودس قد أخطأ بوعده لابنة هيروديّا أن يعطيها ما تطلبه بقسم، فهل كان لهيرودس بعد أن طلبت رأس القدّيس يوحنا أن يحنث بوعده؟
يجيب القدّيس أمبروسيوس: [أحيانًا يكون الوفاء بالوعد بقسمٍ لا يتّفق مع الواجب، كما فعل هيرودس حين أقسم أن يُعطي ابنة هيروديّا ما تطلبه، وقد أدّى هذا إلى مقتل يوحنا حتى لا يحنث الملك بقسمه، وهكذا كان الحال مع يفتاح الذي قدّم ابنته ذبيحة، لأنها كانت أول من يقابله عندما رجع إلى بيته منتصرًا، وبهذا أوفى بقسمه... كان من الأفضل ألا يُعطي وعدًا بنذر، من أن يَفي بعهده بموت ابنته.] وكأنه من الخطأ أن يعدْ الإنسان بقسم، إذ يكون الإيفاء به أشرّ إن كان مخالفًا للوصيّة الإلهيّة.

هذا عن هيرودس، ولكننا لا نتجاهل موقف يوحنا الذي كان يمكنه أن يتخلَّص من الموت بصمتِه، لكنّه فضّل الشهادة للحق مع موت الجسد عن التغاضي عن الحق، مع راحة الجسد وسلامته إلى حين. وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [كان يمكنه أن يصمت... لقد عرف تمامًا أنه سيموت إن وقفَ ضدّ الملك، لكنّه فضّل الفضيلة عن الطمأنينة، فأي شيء يليق بالقدّيس مثل الألم الذي يجلب مجدًا؟!]

2. المسيح الجذّاب

"فلما سمع يسوع انصرف من هناك في سفينة إلى موضع خلاء منفردًا،فسمع الجموع وتبعوه مشاه من المدن" [13].

إذ سمع السيّد المسيح ما فعله هيرودس بالقدّيس يوحنا المعمدان انصرف إلى موضع خلاء، أي إلى البرّيّة، وكأنه يُعلن أنه منطلق إلى جماعة الأمم التي صارت برّيّة وقفرًا، ليُقيم منها فردوسًا له، بعد أن رفضته الأمة اليهوديّة، ممثّلة في شخص هيرودس قاتل يوحنا المعمدان.

ومن جهة أخرى فإن انصراف السيّد في سفينة يؤكّد المبدأ الذي قدّمه للبشريّة وهو الهروب من الشرّ وعدم مقاومته. لقد ترك الموضع الذي فيه قَتل هيرودس يوحنا، كما سبق في طفولته فهرب مع أمه والقدّيس يوسف من وجه هيرودس الكبير، محقّقًا عمليًا ما أعلنه لتلاميذه حين دعاهم للخدمة، سائلاً إيّاهم أن يهربوا من مضايقيهم.

- "متى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى" (مت 10: 23). عندما تحل تجربة، إن كان ليس في استطاعتنا تجنُّبها يلزمنا أن نحتملها بشجاعة عظيمة وشهامة، أمّا إذا كان في استطاعتنا تجنُّبها ولم نفعل ذلك نحسب كمتهوِّرين.

العلاّمة أوريجينوس

لقد كان هيرودس يمثّل فاقد الحق، بل ومقاومه، يليق بنا أن نتركه باتّحادنا مع المسيح الحق لننطلق إلى سفينة الصليب، ونُحمل إلى موضع خلاء، فيه نلتقي مع الله نناجيه ويناجينا! ما أحوجنا أن نهرب من الأشرار ولا نقاومهم، خاصة المملوءين غضبًا، حتى لا نثير غضبهم، فيزدادون شرًا! لننصرف من روح الغضب كما من هيرودس القاتل، وبدخولنا إلى حياة الصلب (السفينة) ننطلق إلى الاتّحاد مع الله.

انصراف السيّد لم يكن خوفًا بل حكمة كنائب عنّا، وبانصرافه وانطلاقه إلى موضع الخلاء ليلتقي مع أبيه المتَّحد معه، أدركت الجموع أنه مصدر الشبع، فجاءت إليه من المدن وتبعوه مشاة. الانطلاقة إلى البرّيّة الحقيقيّة والانفراد مع الله يجذب النفوس، وينمّي الخدمة لحساب ملكوت السماوات!


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


12 هاتور 1735 ش
22 نوفمبر 2018 م

تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل
نياحة القديس يوحنا السريانى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك