إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

فى حالة الخطية ينفصل القلب عن الله فإن صارت محبته للعالم كاملة يكون أنفصاله عن الله كاملاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 13 جـ8 PDF Print Email
9. مثل اللؤلؤة الكثيرة الثمن

"أيضًا يُشبه ملكوت السماوات إنسانًا تاجرًا يطلب لآلئ حسنة.فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها" [45-46].

بعد أن كشف السيّد عن جهادنا المستمر خلال كلمة الله لمعرفة السيّد المسيح عن قرب واِحتضانه فينا، فنُخفيه في قلوبنا، يقدّم لنا هنا تكلفة الملكوت، فإنه لا يستطيع أحد أن يقتني السيّد المسيح، اللؤلؤة الكثيرة الثمن، ما لم يبِع كل ما له من القلب ليتربَّع وحده فيه.

طالب القدّيس جيروم فيوريا Furia ألا تقرأ الكتب غير النافعة، وإنما تبيعها جميعًا لتقتني "اللؤلؤة الكثيرة الثمن" خلال الكتاب المقدّس وكتابات الآباء، قائلاً: [بعد قراءة الكتب المقدّسة اِقرأي كتب المتعلّمين المشهود لإيمانهم. يلزمك ألا تذهبي إلى الوحل لتبحثي عن الذهب. لديكِ جواهر كثيرة، فلِتشتريِ بها اللؤلؤة الواحدة.] حقًا يليق بالمؤمن ليس فقط أن يتخلّى عن الكتب الرخيصة تمامًا، معطيًا المجال لكلمة الله أن تُعلن المسيح متجلِّيًا في حياته، وإنما حتى في الكتب الأخرى يلزم ألا تشغله عن إيمانه! لقد كان القدّيس إكليمنضس السكندري فيلسوفًا ولم يخلع ثوب الفلاسفة حتى بعد استلامه مدرسة الإسكندرية المسيحيّة، لكن الفلسفة لم تكون عائقًا له عن إيمانه، إنّما رآها طريقًا يُعلن خلاله عن الإيمان بين الفلاسفة. فالبيع ليس عمليّة حرفيّة مظهريّة، لكنها انسحاب القلب نحو الله لاقتناء الملكوت السماوي كسرّ حياتنا. كثيرون لا يقرأون إلا الكتاب المقدّس والكتب الدينيّة لكن قلوبهم لا تلتقي مع "المسيح"، بينما آخرون يرونه في كل حياتهم وقراءاتهم.

يتحدّث العلاّمة أوريجينوس عن هذه اللؤلؤة الكثيرة الثمن هكذا:

[أي شيء تطلب؟ أجسر فأقول اللؤلؤة التي من أجلها يترك الإنسان كل ما يمتلك ويحسبه نفاية: "أحسب (كل الأشياء) نفاية لكي أربح المسيح" (في 3: 18)، قاصدًا بكل الأشياء اللآلئ الصالحة، حتى أربح المسيح، اللؤلؤة الواحدة كثيرة الثمن.

ثمين هو السراج للإنسان أثناء الظلمة، فهناك حاجة إليه حتى تُشرق الشمس! وثمين هو مجد وجه موسى والأنبياء أيضًا، فهو كما أظن يمثّل رؤيا جميلة، خلالها دخلنا لكي نرى مجد المسيح، الذي يشهد عنه الآب قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). لكن "المُمجّد لم يمجَّد من هذا القبيل بسبب المجد الفائق" (2 كو 3: 10)؛ ونحن في حاجة أولاً إلى المجد الذي يزول حتى نبلغ المجد الفائق؛ وفي حاجة إلى المعرفة الجُزئيّة التي تزول حين تأتي المعرفة الكاملة (1 كو 13: 9-10).

إذًا كل نفسٍ تأتي أولاً إلى الطفولة، وتنمو حتى تبلغ كمال الزمان؛ تحتاج إلى معلّمين ومرشدين وأوصياء، وفي وجود هؤلاء تبدو أنها لا تختلف عن العبد مع أنها صاحبة الجميع (غل 4: 1-2). أنها إذ تتحرّر من المعلّمين والمرشدين والأوصياء تبلغ سن الرشد، فتنعم باللؤلؤة كثيرة الثمن والكاملة، وببلوغها يزول ما هو جزئي، عندما يقدر الإنسان أن يبلغ إلى "فضل معرفة المسيح" (في 3: 8) بعد أن كانت تتدرّب على أشكال المعرفة هذه التي تفوقها معرفة المسيح.]

ويتحدّث الأب غريغوريوس (الكبير) عن اللؤلؤة الكثيرة الثمن قائلاً: [من يطلب معرفة الحياة السماويّة بطريقة كاملة قدر المستطاع فإنه يهجر كل ما أحبّه سابقًا، وهو في سعادة فائقة! فإن قورنت تلك العذوبة التي صارت له لا يجد لشيء ما قيمة، فتتخلَّى نفسه عن كل ما اقتنته، وتبدِّد كل ما قد جمعته. وإذ تلتهب بحب السماويات لا تبالي بأمرٍ أرضي، فيبدو لها ما كانت تظنّه جميلاً بالأمر القبيح. إذ يشرق فيها سمو اللؤلؤة التي لا تقدَّر بثمن وحدها. عن هذا الحب يقول سليمان "المحبّة قويّة كالموت" (نش 1: 6)؛ فكما يَحرم الموت الجسد من الحياة، هكذا تقتِل محبّة الأبديّات محبّة الزمنيّات. فمن ينال هذا الحب بالكمال يصير كمن هو بلا إحساس نحو الممتلكات الأرضيّة.]

ويرى القدّيس جيروم أن اللآلئ التي يبيعها الإنسان إنّما هي الطرق المتعدّدة التي تتركها لندخل الطريق الواحد الذي هو المسيح. لقد سبق فأعلن إرميا النبي: "قفوا على الطرق وانظروا واسألوا عن السبل القديمة: أين هو الطريق الصالح، وسيروا فيه فتجدوا راحة لنفوسكم" (إر 6: 16)، هكذا خلال الآباء والأنبياء نبلغ إلى السيّد المسيح الطريق الصالح، الذي فيه وحده تجد النفس راحتها الأبديّة. وكما يقول القدّيس جيروم: [خلال الطرق الكثيرة نجد الطريق الواحد.] كما يقول: [ماذا نفهم باللآلئ الكثيرة والطرق الكثيرة، والدروب الكثيرة، لكي نقتني اللؤلؤة الواحدة والطريق الواحد والدرب الواحد؟ إبراهيم واسحق ويعقوب، موسى ويشوع بن نون وإشعياء وإرميا وحزقيال والإثناء عشر نبيًا، هؤلاء هم الدُروب، التي ندخلها أولاً لنصل إلى الأخيرة درب الأناجيل، فنجد هناك المسيح.]

10. مثل الشبكة المطروحة

"أيضًا يُشبه ملكوت السماوات شبكة مطروحة في البحر، وجامعة من كل نوع.فلما امتلأت أصعدوها على الشاطئ،وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعِية،وأما الأردياء فطروحها خارجًا.هكذا يكون في انقضاء العالم،يخرج الملائكة ويَفرزون الأشرار من بين الأبرار.ويطرحونهم في أتون النار.هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" [47-50].

يقدّم لنا السيّد المسيح في هذا المثل سِمة جوهريّة لملكوت السماوات، هي "الحياة الديناميكيّة"، أي استمراريّة العمل بغير توقّف. فإن ملكوت السماوات يشبه شبكة مطروحة في العالم كما في بحر متلاطم الأمواج تجمع من كل نوع، لا تُرفع إلى الشاطئ إلا بعد امتلائها بكل المختارين [48].

ما هي هذه الشبكة إلا شخص السيّد المسيح نفسه، الذي ألقى بنفسه في العالم خلال إنسانيّتنا لكي يجتذب كل نفس إليه؟ وإذ تجتمع فيه الكنيسة كلها جسده المقدّس، ويضم من كل الأمم والألسنة أعضاء له مقدّسين في حقّه، يرتفع بهم عن العالم إلى سمواته ينعمون به. حقًا يتسلّل إلى الشبكة بعض الأردياء الذين يحملون اسم المسيح، وينعمون بالعضويّة الكنسيّة الروحيّة، لكنهم إذ لا يثبتون في المسيح يُطردون خارجًا.

ويمكننا أيضًا أن نفهم الشبكة بكونها الكنيسة "جسد المسيح"، هذه التي تنزل في العالم لتخدمه وتضم السمك فيها، أي المؤمنين. ولكن إن تسلّل إليها سمك رديء، ففي انقضاء الدهر يُفرز ويُطرد عن الكنيسة المرتفعة إلى السماوات. إنه يسمح لهم بالدخول إلى الكنيسة، لعلّهم بالتوبة يصيرون سمكًا جيدًا، لكن يأتي وقت يُنزعون عنها. إنهم كالزوان الذي تركه السيّد مع الحنطة، ولم يسمح باقتلاعه حتى وقت الحصاد [29]. وقد سبق لنا في أكثر من موضع أن رأينا الكنيسة الأولى تتطلّع إلى المؤمنين كسمكٍ صغير، يتمثل بالسيّد المسيح السمكة الكبيرة.

والشبكة أيضًا تُشير إلى الكتاب المقدّس الذي يأسِر النفس البشريّة ويصطادها من وسط العالم، لكي يدخل بها إلى ملكوت السماوات. يقول العلاّمة أوريجينوس: [ملكوت السماوات يُشبه شبكة من نسيج متنوِّع، إشارة إلى الكتاب المقدّس: العهد القديم والعهد الجديد. إنه منسوج من أفكار من كل نوع، فهو متنوِّع تمامًا. أمّا بخصوص السمك الذي سقط في الشبكة، فبعضه في جانب، والآخر في جانب آخر، لكن الكل مجتمع في الموضع الذي فيه تمّ الاِصطياد (أي في الشبكة الواحدة). دخل البعض شبكة الكتاب المقدّس خلال الجانب النبوي، مثل إشعياء أو إرميا أو دانيال. والبعض الآخر دخل خلال شبكة الإنجيل. والبعض خلال شبكة الكتابات الرسوليّة. فعندما يؤسَر إنسان بواسطة الكلمة يبدو كمن هو أسير يأخذ موضعًا معينًا في الشبكة الكلّيّة.]

يشرح الأب غريغوريوس (الكبير) هذا المثل قائلاً: [تُقارن الكنيسة المقدّسة بشبكة، إذ هي أيضًا سُلِّمت إلى صيّادين، وبواسطتها نحن سُحبنا من أمواج هذا العالم وأُحضرنا إلى المملكة السماويّة، لكي لا تبتلعنا أعماق الموت الأبدي. لقد ضمَّت كل أنواع السمك، إذ تقدّم مغفرة الخطيّة للحكماء والجهلاء، للأحرار والعبيد، للأغنياء والفقراء، للأقوياء والضعفاء. لهذا يقول المرتّل لله: "إليك يأتي كل جسد" (مز 65: 3). ستمتلئ هذه الشبكة تمامًا عندما تحتضن كل الجنس البشري، ويجلس الصيادون بجوارها على الشاطئ. إن كان الزمن يُشار إليه بالبحر، فإن الشاطئ يُشير إلى نهاية الزمن، حيث يُفصل السمك الجيد ويحفظ، بينما يُطرح الرديء خارجًا، إذ يسلَّم الجيِّد للراحة الأبديّة. أمّا الأشرار، فإنهم إذ فقدوا نور الملكوت الداخلي يُطردون إلى الظلمة الخارجيّة. حاليًا نحن هنا نختلط معًا، يختلط الصالحون مع الأشرار، كالسمك في الشبكة، لكن الشاطئ سيُخبرنا عمّا كان في الشبكة، أي في الكنيسة المقدّسة. إذ يُحضَر السمك إلى الشاطئ، لا تصير له فرصة التغيّر، أمّا الآن ونحن في الشبكة، فيمكننا إن كنّا أشرّارًا أن نتغيّر ونصير صالحين. إذن لنفكِّر حسنًا يا إخوة، إذ لا يزال الصيد قائمًا، لئلاّ يحتقرنا الشاطئ فيما بعد.]


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك