إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لاتقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تنهار ولا تتردد اما الضعيف فانة يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل متى اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email
2. الحفاظ على المقدّسات

"لا تعطوا القدس للكلاب،ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير،لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم" [6].

لما كان جوهر عبادتنا وغايتها هو "نقاوة القلب"، حيث ننعم بالعين البسيطة القادرة على معاينة الله وإدراك أسراره ومعاملاته معنا، خشيَ السيّد المسيح لئلا تُفهم البساطة بمعنى "الجهالة" أو "عدم الحكمة"، لهذا يمزج السيّد البساطة بالحكمة. هذا ما أكّده في حديثه مع تلاميذه: "كونوا حكماء كالحيّات، وبسطاء كالحمام" (مت 10: 16). فإن كان الله يطالبنا بالبساطة فلا ندين أحدًا، ففي نفس الوقت يسألنا السلوك بحكمة بقوله: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير". كأنه يقول لنا: اعرفوا ماذا تقدّمون؟ ولمن تقدّمون؟ يعرف الإنسان قيمة المقدّسات والدرر الثمينة فلا يهبها في سذاجة لكل إنسان، وإنما يعرف لمن يقدّمها وكيف يقدّمها.

السيّد المسيح نفسه الذي لم يبخل علينا بشيء، مقدّمًا حياته فدية لأجل خلاصنا، أحيانًا يخفي بعض أسراره مقدّمًا لنا ما يناسبنا فقط، إذ يقول: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو 16: 12). إنه يشتاق أن يقدّم كل أسراره لكنّه لا يقدّم ما لا نستطيع احتماله، حتى لا يصيبنا ضرر. على هذا المنهج سلك الرسل أيضًا، فيقول معلّمنا بولس: "وأنا أيها الاخوة لم أستطع أن أكلّمكم كروحيّين بل كجسديّين كأطفال في المسيح، سَقيْتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضًا لا تستطيعون" (1 كو 3: 1-2). وبنفس الروح عاشت الكنيسة الأولى تقدّم للموعوظين ما يناسبهم ولا تكشف لهم عن الأسرار المقدّسة إلا بقدر احتمالهم، وفي الطقس الأول كانت أبواب الكنيسة تغلق بعد قداس الموعوظين بعد خروجهم فلا ينعم بسّر الإفخارستيا إلا المؤمنون المستعدون للشركة المقدّسة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [نحتفل بالأسرار خلال الأبواب المغلقة، ونترك غير المعمّدين خارجًا، ليس عن ضعف في الإقناع بخصوص أسرارنا، وإنما لأن كثيرين لم يستعدوا بعد لها بطريقة كاملة.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [يمكننا أن نفهم القُدْس والدُرَر على أنها شيء واحد، دُعي قُدسًا بسبب الالتزام بعدم إفساده، ودُررًا بسبب الالتزام بعدم الازدراء به. فالإنسان يفسد ما لا يرغب في إبقائه سليمًا، ويزدري ما يحسبه تافهًا ومنحطًا، لذا يُقال عن الشيء المحتقر أنه مدوس بالأقدام. يقول الرب: "لا تعطوا القدس للكلاب"، لأن الكلاب تهجم على الشيء لتمزّقه، حتى وإن كان هذا الشيء لا يمكن تمزيقه أو إفساده أو تدنيسه. إذن لنفكِّر فيما يرغبه هؤلاء المقاومين للروح بعنف وعداء شديد. إنهم يرغبون في تدمير الحق الذي لا يمكن تدميره. أمّا الخنازير فتختلف عن الكلاب فهي لا تهاجم لتمزّق بأسنانها، لكنها تدنّس الشيء إذ تدوسه بأقدامها في طياشة... إذن لنفهم أن "الكلاب" تُشير إلى مقاومي الحق، "والخنازير" إلى محتقريه.]

وإذ يتحدّث القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص عن البتوليّة كأمر ثمين للغاية وكحياة سماويّة، يعتبر أن من يحيا كبتول جسديًا دون أن يسلك في حياته العمليّة بما يتّفق ببتوليّته يكون كمن ألقى بالدُرَر تحت أقدام الخنازير.

3. السؤال المستمر

إذ يسمع المؤمن الوصيّة الإلهيّة: "لا تعطوا القُدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرَركم قدّام الخنازير" ربّما يسأل: ومن أين لي القُدس والدرر؟ لذا يكمل: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم، لأن كل من يسأل يأخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له" [7-8].

- لكي تفهم ما يقصد بالسؤال والطلب والقرْع، نفترض وجود رجل أعرج، فمثل هذا يُعطى له أولاً الشفاء، أي القدرة على المشي، وهذا ما قصده الرب بالسؤال. ولكن ماذا ينتفع بالمشي أو حتى بالجري إن استخدمه في طريق منحرف؟ لذلك فالخطوة التالية هي أن يجد الطريق المؤدّي إلى الموضع المطلوب... وهذا ما قصد بالطلب. لكن ما المنفعة إن صار قادرًا على المشي وعرف الطريق، بينما كان الباب مغلقًا... لهذا يقول: "اقرعوا".

القدّيس أغسطينوس

- إن داومت السؤال فإنك ستأخذ بالتأكيد حتى وإن لم يكن في الحال... هكذا يمثِّله الرب على القرع. إنه لا يعطيك فورًا حتى تداوم على السؤال. إذن لتستمر في السؤال والطلب فبالتأكيد ستأخذ.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- إن كان الذي لا يرغب في العطاء (قاضي الظلم لو 18: 2)، قد أعطى بسبب اللجاجة، فكم بالأكثر يعطي ذاك الصالح وحده الذي يحثّنا على الطلب منه، والذي لا يُسر عندما نطلب منه؟! قد يبطئ الله في العطاء لكي نُقَّدر قيمة الأشياء الصالحة، وليس لعدم رغبته في العطاء. ما نشتاق إلى نواله بجهادٍ نفرح جدًا بنواله، أمّا ما نناله سريعًا فنحسبه شيئًا زهيدًا.

القدّيس أغسطينوس

- لنقرع على باب المسيح الذي قيل عنه: "هذا هو باب الرب والصدّيقون يدخلون فيه" (مز 118: 20)، حتى متى دخلنا يفتح لنا الكنوز المخفيّة بالمسيح يسوع الذي فيه كل العلم: "المُذخّر فيه كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 3) .

القدّيس جيروم

لكي يؤكّد السيّد نوالنا ما نسأله يقول: "أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟ وإن سأله سمكة يعطيه حيّة؟! فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيّدة فكم بالأحرى أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!" [9-11]

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هكذا إن كنت لم تأخذ ما سألته فالسبب هو أنك طلبت حجرًا. لا يكفي أنك ابن لكي تأخذ، وإنما أحيانًا ما تسأله يعوقك عن أن تأخذ، إذ تسأل ما هو ليس بنافعٍ. يلزمك إذن ألا تسأل أمرًا أرضيًا، بل روحيًا، فبالتأكيد تأخذ.] ويقول القدّيس أغسطينوس: [إن كنّا ونحن أشرار نعرف كيف نعطي أبناءنا ما يسألونه منّا فلا نخدعهم، بل نعطيهم أشياء صالحة ليست منّا بل من الرب، فكم بالأكثر يكون رجاؤنا في الرب أن يعطينا عندما نطلب منه أمورًا صالحة؟]

يختم السيّد حديثه عن استجابته لسؤالنا بوصيّة تخص علاقتنا بإخوتنا هي مفتاح أيدينا لاستجابة طلبتنا: "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء" [12] لم يضعها كوصيّة شرطيّة نلتزم بها لنوال سؤالنا من الله، إنّما تُفهم كذلك بطريقة غير مباشرة. لقد أراد أن تكون علاقتنا بإخوتنا تقوم لا على أساس المنفعة، وإنما على طبيعة الحب الداخلي دون مقابل، نحبّهم لأجل الحب، وبهذا يتحقّق فينا غاية الناموس. لكي نتفهّم حكمة هذه الوصيّة نقول بأن الآب يطالب أولاده أن يحب أحدهم الآخر، ويخدم بعضهم البعض، من أجل الأخوة في ذاتها. لكنّه كأب، إذ يراهم محبّين يطمئن لنضوجهم وحبّهم، فيفتح خزائنه ويعطي بلا كيل، مدركًا أن أولاده قد صاروا أهلاً لمحبّة أبيهم خلال طبيعة الحب التي لهم. حقًا إن انفتاح قلبنا لإخوتنا بالعطاء - أيّا كان نوعه - دون مقابل هو الطريق الذي به نرى يديّ الله مفتوحتين لتهبا بسخاء.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك