إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن سلمت كل أمورك لله فأمن إنه قادر أن يظهر عجائبه

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير إنجيل متى اصحاح 5 - التطويبات ج2 PDF Print Email
Article Index
تفسير إنجيل متى اصحاح 5
1. مقدّمة الدستور
2. التطويبات ج1
2. التطويبات ج2
2. التطويبات ج3
2. التطويبات ج4
3. رسالة المسيحي
All Pages

ج. طوبى للودعاء

الحزن الدائم على خطايانا وخطايا الآخرين يصقل النفس فيجعلها وديعة، لا يقدر أمر ما - مهما بلغت خطورته - أن يفقدها سلامها الداخلي، فالوداعة في حقيقتها ليست استكانة، لكنها قوّة الروح الداخلي الذي يدرك أسرار الخلاص الأبدي فلا تربكه الأمور الزمنيّة. يتفهّم رسالته الحقيقية، فلا يتأثّر بالتفاهات الباطلة. إنه كالأسد الذي لا يهتز أمام من يظن أنه يستفزّه، وليس كالعصفور الذي يتأثّر جدًا لأية حركة تصدر عن طفل صغير، هكذا النفس الوديعة إذ تدرك إمكانيّات الله فيها، وتتفهّم قوّة الروح، تحيا بوداعة داخليّة تنعكس على التصرّفات الخارجيّة.

الكلمة اليونانيّة هنا المترجمة "ودعاء" إنّما تستخدم لوصف الحيوانات المستأنسة، وكأن السيّد يطوّب طبيعتنا التي كانت قبلاً شرسة، وقد خضعت لله مروّضها، فتحوّلت إلى كائن أليف بعدما كانت عنيفة مع الآخرين بل ومع نفسها صارت وديعة وخاضعة، قد رُوِّضت غرائزها ودوافعها. أمّا المكافأة فهي أن ترث الأرض التي هي "الجسد الترابي"، فبعدما كان شرسًا ومقاومًا للروح صار خادمًا لها ملتهبًا بنار الروح القدس.

ولئلا تُفهم الوداعة كحياة خنوع أو ضعف قدّم السيّد نفسه مثالاً للوداعة، بقوله: "تعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب"، ليس لأنه كان محتاجًا إلى ترويض، بل بوداعته الطبيعيّة غير المكتسبة يُروِّضنا. يهبنا حياته فينا فتحمل وداعته داخلنا.

إذ يحسب العالم أن الشخص الوديع يفقد الكثير بسبب خبث الأشرار ومكائدهم، لهذا أكّد السيّد أن المكافأة هي "ميراث الأرض". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [أن الأرض هنا تُفهم بالمعنى الحرفي، بينما يظن أن الوديع يفقد ماله، يعد المسيح عكس ذلك، إنه لا يحثّنا بالبركات العتيدة فحسب بل وبالبركات الحاضرة أيضًا... لكن ما يقوله لا يعني أنه يحدّد المكافأة في الأمور الحاضرة، وإنما يربطها بالعطايا الأخرى أيضًا. ففي حديثه عن الأمور الروحيّة لا يستبعد الأمور الخاصة بالحياة الزمنيّة، ولا أيضًا بوعده بالأمور الخاصة بالحياة الحاضرة يُحد الوعد عند هذا.]
ويرى القدّيس أغسطينوس: [أن الأرض هنا إنّما تعني أرض الأحياء الواردة في سفر المزامير (142: 5)، حيث تستقرّ فيها النفس بالتدبير، وذلك كما يستريح الجسد على الأرض ويتقوّت بطعامها.]

ويمكننا تفسير "الأرض" هنا رمزيًا بكونها الأشرار الذين يرتبطون بالأرضيّات، فإنّنا إذ صرنا بالمسيح يسوع ربّنا سماءً نستطيع بوداعة المسيح السماوي أن نربح هذه الأرض ونرثها لكي تصير هي أيضًا سماءً، إذ يتقبّل الأشرار الحياة السماويّة فيهم.

وتُشير الأرض إلى الجسد، فإنه خلال الوداعة الداخليّة والمنعكسة على تصرفاتنا مع الآخرين ليس فقط يخضع لنا الآخرون روحيًا ويتحوّلون إلى سماء بالروح القدس العامل فيهم، وإنما يخضع حتى جسدنا لنا فلا يكون مقاومًا للروح.

ويحذّرنا القدّيس أغسطينوس من أن يصير ميراثنا للأرض بالمفهوم الحرفي هو هدفنا، إذ يقول: [إنكم ترغبون في امتلاك الأرض، ولكن احذروا من أن تمتلككم هي. إنكم ستمتلكونها إن صرتم ودعاء، وستمتلككم إن لم تكونوا هكذا. عند سماعكم هذه الجعالة، أي امتلاك الأرض، لا تبيحوا لأنفسكم الطمع الخفي.]

- تريد الآن أن ترث الأرض، حذار من أن ترثك الأرض.

إن كنت وديعًا ورثتها، أو قاسيًا ورثَتكََ...

سوف ترث الأرض حقًا متّى استمسكت بصانع السماء والأرض!

- ماذا ينفعك صنع العجائب بكبرياء، إذا لم تكن وديعًا ومتواضع القلب؟! ألم توضع في مصاف القائلين أخيرًا: ألسنا باسمك تنبّأنا؟ وباسمك صنعنا آيات كثيرة؟ وماذا يسمعون؟ لا أعرفكم، ابعدوا عني يا فاعلي الإثم.

القدّيس أغسطينوس


- يجد الرب راحة في القلوب الوديعة، أمّا الروح المضطربة فهي كرسي للشيطان. الودعاء يرثون الأرض، أو بالأحرى يسيطرون عليها، أمّا ذوو الخلق الشرّير فيطردون من أرضهم.

القدّيس يوحنا كليماكوس

يتحدّث القدّيس أمبروسيوس في كتابه الأول عن "واجبات الكهنة" عن الوداعة التي يلتزم بها المسيحي خاصة الكاهن كحياة داخليّة تمسّ كيانه في الداخل، وتمتد إلى كل تصرفاته، حتى في عبادته وكرازته، نقتطف منها:

- ما أجمل فضيلة الوداعة، وما أعذب رقَّتها حتى تبدو لا في تصرفاتنا فحسب، بل وفي كلماتنا أيضًا حتى لا تتجاوز الحدود اللائقة في أحاديثنا، بل وحتى لا تكون نبرات هذه الكلمات ونغماتها مستهجنة، بل تصبح كلماتنا مرآة تعكس صورة الذهن...

حتى في التسبيح والترتيل ينبغي أن ندرك أن الوداعة هي القاعدة الأولى الجديرة بالأتباع...

ومن أهم مظاهر الوداعة الصمت، حتى تستقرّ كل الفضائل الأخرى. ولا يُلام الصمت إلا إذا كان نابعًا عن روح الكبرياء أو أعمال الطفولة...

لا شك أن هناك وداعة في نظرات العين؛ وهذه الوداعة بدورها تنزع من المرأة تلك الرغبة في التملّي بطلعة الرجال، أو الرغبة في أن يتطلّع إليها الرجال...

وفي صلواتنا نفسها تكون الوداعة مقبولة ومرضيّة جدًا، وتكسبنا نعمة عظيمة لدى الله...

وأكثر من ذلك، يجب أن نتمسّك بالوداعة في حركاتنا وملامحنا وفي طريقة سيرنا ومشينا، لأنه - في الغالب - تفصح حركات الجسد عن حالة العقل.

القدّيس أمبروسيوس

د. طوبى للجياع والعطاش إلى البر
ّ

إذ يحمل المؤمن وداعة المسيح في داخله يرث الأرض التي تطلب بالأكثر أن ترتوي بالمسيح نفسه، برّنا، فيصرخ قائلاً: "كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز 42: 1). يدخل بنا الروح القدس خلال هذا الجوع والعطش إلى اتّحاد أعمق مع السيّد المسيح برّنا، ويرتفع بنا إلى حضن الآب لنراه فنشبع به. لهذا يقول المرتّل: "أمّا أنا فبالبرّ (أي بالمسيح) انظر وجهك، أشبع إذا استيقظت بشبهك" (مز 17: 15). بالسيّد المسيح ندخل إلى حضن أبيه، فنرى وجهه، ونشبع إذ نستيقظ من غفلتنا حاملين شبهه فينا.

إذ نعطش لله يتقدّم إلينا السيّد المسيح بكونه الصخرة المضروبة تفيض لنا مياه الحياة. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [يروي ظمأنا بواسطة الصخرة في البرّيّة، فإن ضربت الصخرة في البرّيّة، فإن الصخرة هي المسيح التي ضُربت بالعصا لتفيض ماءً. ولكن لكي تفيض، ضُربت الصخرة مرّتين لأن للصليب عارضتين.]

ويمكننا أن نتفهّم هذه العبارة إن رجعنا إلى الشعب القديم في البرّيّة حين جاءوا وعطشوا؛ لم يكن الجوع بالنسبة لهم مجرّد إحساس بالمعدة الفارغة بين الوجبات، ولا العطش مجرّد رغبة في التمتّع بقليل من الماء لإرواء ظمأ عادي، إنّما كان الأمر يمثّل حياة أو موت، كان الجوع والعطش في البرّيّة ليسا أمرين كماليّين أو عاديّين، وإنما صراع من أجل الحياة ضدّ الموت. هكذا اشتياقنا إلى السيّد المسيح برّنا، لا يكون ثانويًا في حياتنا، إنّما هو يمثّل حياتنا إلى الأبد أو هلاكنا الأبدي.

وفي اليونانيّة جاء تعبير "إلى البرّ" بمعنى "إلى كل برّ"، فجوعنا وعطشنا ليس إلى نصيب من البرّ، بل إلى التمتّع بكمال البرّ، أي التمتّع بالسيّد المسيح نفسه برّنا الكامل.

-ليت إنساننا الداخلي يجوع ويعطش، فيكون له الطعام والشراب الخاصين به. فقد قال السيّد المسيح: "أنا هو الخبز الذي نزل من السماء" (يو 6: 41)، فهذا هو خبز الجياع. لنشتاق إلى الشرّاب كالعطشى "لأن عندك ينبوع الحياة" (مز 36: 9).

- إن كنّا نودّ أن نمتلئ يلزمنا أن نجوع ونعطش، فنسأل ونطلب ونقرع كجائعين وعطشى... الشبع لابد أن يسبقه جوع حتى لا يشمئز الإنسان من الخبز المقدّم له.

- فليكن فيك عطش إلى الحكمة والبرّ؛ لن تشبع من الحكمة وتمتلئ من البرّ قبل أن تنتهي حياتك هذه وتبلغ حيث وعدك الله!

القدّيس أغسطينوس

هـ. طوبى للرحماء


إن كان الجوع الروحي يدفعنا بالروح إلى التمتّع بالسيّد المسيح وانطلاقنا إلى حضن الآب، فإن علامة هذا الشبع هو تمتّعنا بسماته فينا خاصة الرحمة المملوءة حبًا. يقول السيد: "كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم" (لو 6: 36)، ليس كوصيّة نلتزم بها بقدر ما هي هبة إلهيّة ننعم بها خلال شركتنا مع الله الرحيم في ابنه.

الرحمة هي وصيّة الله لنا وعطيّته المجّانيّة، تفتح قلبنا لا عند حد العطاء المادي للفقراء، وإنما يحمل طبيعة الرحمة في كل تصرفاتنا. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يبدو أنه يتحدّث ليس فقط عن الذين يظهرون الرحمة بتقديم المال، وإنما أيضًا الذين هم رحماء في تصرفاتهم، فإن إظهار الرحمة متعدّد الأشكال، والوصيّة واسعة.]

لا تصدر الرحمة عن ضعف واستكانة وإنما عن قوّة. نذكر في هذا تصرف أدريانوس قيصر إذ قيل أن شخصًا أهانه قبل أن يصير ملكًا، فلما صار ملكًا قال له: "لقد نجوت يا إنسان، لأني أنا اليوم ملك". هكذا إذ يدرك الإنسان مركزه الملوكي باتّحاده مع ملك الملوك، يحمل في داخله الرحمة حتى بالنسبة للمسيئين إليه، بكونها سِمة ملوكيّة سماويّة.

ويلاحظ أن كلمة "الرحمة" هنا لا تُشير إلى مجرّد العطاء المادي أو حتى العاطفة وإنما المشاركة الفعليّة للآخرين، وكأننا نحتل مكانهم، فنشعر بآلامهم وأتعابهم، كما فعل السيّد المسيح نفسه الذي رحمنا باقترابه إلينا وقبوله طبيعتنا وحمله آلامنا، لذلك يوصينا الرسول بولس قائلاً: "اذكروا المقيّدين كأنكم مقيّدون معهم والمذلّين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد" (عب 13: 3). فإن كنّا ندخل مع إخوتنا تحت آلامهم لنسندهم بالحب والرحمة يدخل إلينا ربّنا يسوع نفسه تحت آلامنا ليهبنا حبّه ورحمته! وعلى العكس "الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة، والرحمة تفتخر على الحكم" (يع 2: 13).

- أعمال الرحمة بذار حصاد الآتي. إن من يزرع بالشُحّ فبالشُحّ يحصد أيضًا، ومن يزرع بكثرة فبكثرة يحصد أيضًا، ومن لا يزرع شيئًا لا يستغل شيئًا...

- اعط ما لكَ فتستحق أن تأخذ ما ليس لك!

القدّيس أغسطينوس

- من لا يرحم لا يستحق مراحم الله، ولا يتحصّل على أي نصيب من العطف الإلهي بصلواته!

الشهيد كبريانوس

- من يرحم إنسانًا يصير باب الرب مفتوحًا لطلباته في كل ساعة.

الشيخ الروحاني

- إن رأيت إنسانًا بائسًا فأذكر... أنه وإن كان الظاهر ليس هو المسيح، لكنّه هو الذي يسألك ويأخذ منك في زيّ ذاك. إنك تستحي وتستنكف إن سمعت أن المسيح يسأل، لكن لتستنكف إن سأل ولم تعطه.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

+ إقرأ إصحاح 5 من إنجيل متى +
+ عودة لتفسير إنجيل متى +



 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك