إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email

سادسًا: يمكننا أيضًا أن نقول بأن شجرة الجميز تشير إلى بذرة الإيمان التي تنمو داخل القلب لتصير شجرة كبيرة، يأوي في داخلها الإنسان ليرى من خلالها السيد المسيح الذي لم يره من قبل، عندئذ يتمتع بسكنى الرب فيه متخليًا عن شره.

خلال شجرة الإيمان التقى زكا بالسيد رغم المعوقات الخاصة به كقصر قامته، أو الخاصة بالظروف كتجمهر الناس حول السيد فيحجبونه عنه. بالإيمان الحيّ العملي نغلب كل ضعف فينا، ونرتفع فوق كل الظروف لنلتقي بربنا يسوع، نراه ويرانا أبرارًا فيه، نسمعه ينادينا فننصت لصوته ونتجاوب مع كلماته.

يقول القديس كيرلس الكبير:

[أراد (زكا) أن يرى يسوع لذا تسلق شجرة جميز، هكذا نمت في داخله بذرة الخلاص. وقد رأى المسيح بعيني اللاهوت (إيمان زكا)، وبرؤيته هذه نظره أيضًا خلال عينيّ الناسوت، فبسط له لطفه وشجعه، قائلاً له: "أسرع وانزل" [5].

طلب أن يراه، فعاقته الجموع، لكن لم تعقه الجموع مثلما عاقته خطاياه. لقد كان قصير القامة لا من جهة الجسد فحسب، وإنما روحيًا أيضًا.

لم يكن له طريق آخر ليراه سوى أن يصعد فوق الأرض متسلقًا شجرة جميز هذه التي كان المسيح مزمعًا أن يمر بها.

الآن تحمل هذه القصة في داخلها رمزًا، إذ لا يمكن لإنسان أن يرى المسيح ويؤمن به ما لم يصعد شجرة الجميز، بمعنى إقماعه لأعضائه التي على الأرض، الزنى والنجاسة الخ.]

هذا وقد قدم البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا مشابهًا لفكر القديس كيرلس الكبير في الفقرات الأخيرة السابقة إذ رأى في شجرة الجميزة شجرة تحمل ثمرًا ضعيف القيمة؛ بهذا لا يقدر أحد أن يعاين السيد المسيح ما لم يرتفع بالإيمان فوق الأمور الزمنية التافهة كشجرة جميزة، يعلو عليها بتأمله في الإلهيات وتمتعه بالحكمة السماوية

سابعًا: يرى القديس أمبروسيوس في صعود زكا قصير القامة شجرة الجميز لرؤية السيد المسيح إشارة إلى ارتفاع المؤمن الذي بسبب الخطية صار قصير القامة محرومًا من رؤية السيد فوق حرف الناموس، فلم يعد بعد تحت الناموس بل مرتفعًا بالروح فوق الناموس ليعاين بالنعمة السيد المسيح. وكأن صعود شجرة الجميز هو انطلاق من الفكر الحرفي في تفسير الكتاب المقدس إلى التمتع بالفكر الروحي العميق خلال شجرة الصليب المقدسة.

ثامنًا: إذ دخل السيد المسيح بيت زكا سمع زكا هذه العبارة الإلهية: "اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم" [8].

ماذا يعني بخلاص هذا البيت:

أ. حينما يتقدس عضو في الأسرة يستطيع بالسيد المسيح الساكن فيه أن يكون سرّ بركة وخلاص بقية الأعضاء. وقد جاء سفر الأعمال يكشف بقوة كيف كان لقاء البعض مع السيد المسيح يدفع أهل بيتهم إلى اللقاء أيضًا معه والتمتع بخلاصه في حياتهم. لا نستطيع أن ننكر أنه قد يقبل عضو السيد المسيح ويرفض الآخر حتى حذرنا السيد بقوله أن أعداء الإنسان أهل بيته، وأنه يقوم الأب على ابنه والابن على أبيه الخ. هذا التحذير يكمله حديث السيد المسيح نفسه عن رسالة المؤمن كنورٍ للعالم قادر بالمسيح النور الحقيقي أن يجتذب أهل بيته لشمس البرّ!

ب. حينما يتقدس الإنسان بدخول السيد المسيح إلى حياته يتقدس أهل بيته الداخلي، أعني أنه إذ يقبل المؤمن السيد المسيح يقدم كل أهل بيته للرب، أي جسده بكل طاقاته ودوافعه وأحاسيسه ومشاعره وفكره وقدراته. فالله لا يقدس الروح وحدها وإنما معها الجسد والنفس أيضًا.

ج. يدعو البيت "ابن إبراهيم"، وهو بلا شك لا يقصد المبنى المادي، إنما الساكن فيه أو السكان فيه الذين تمتعوا بعمل السيد المسيح فيهم. دُعي زكا ابنًا لإبراهيم ليس لانتسابه إليه حسب الجسد، وإنما ما هو أعظم لأنه حمل ذات إيمانه الحيّ العامل. فبالإيمان ترك إبراهيم أرضه وعشيرته وأهل بيته منطلقًا وراء الدعوة الإلهية إلى أرض يجول فيها ليقدمها ميراثًا لأبنائه، وها هو ابنه زكا يحمل ذات الإيمان، فقد ترك كل ممتلكاته التي سبق فتعلق بها كأرض يعيش فيها، وكعشيرةٍ تعلق بها بل وكانت كأهل بيته، ارتبط بممتلكاته بعنف، لكنه الآن ينحل من هذه الارتباطات ليقدم نفس ممتلكاته للفقراء، ويقدم الباقي لرد أضعافًا مضاعفة لمن سبق فظلمهم.

يمكننا أيضًا أن نقول بأن زكا حين كان رئيسًا للعشارين كان ابنًا لإبراهيم حسب الجسد، أما الآن إذ تعرف على السيد صار ابنًا له حسب الإيمان، بل صار ابنًا لله في المسيح يسوع.

تاسعًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن حلول السيد المسيح في بيت زكا قد أعطى زكا فرحًا [6]، فصار كما بجناحين منطلقًا إلى فوق الزمنيات، لذا قال: "يا رب أعطي نصف أموالي للمساكين..." يمكننا أن نقول بأن الخطية تجرح النفس وتفقدها فرحها، فتعيش مرتبطة بالعالم والزمنيات فاقدة رجاءها الأبدي وبهجتها الداخلية. لكن تجلي الرب في النفس وسماعها صوته يملأها رجاءً، ويرفعها فوق كل تعلق زمني، لتحيا كما بجناحي الروح، مرتفعة من مجدٍ إلى مجدٍ، ومتمتعة بنعمةٍ فوق نعمةٍ، ومنطلقة من قوةٍ إلى قوةٍ بفرحٍ حقيقيٍ.

عاشرًا: يقارن القديس أغسطينوس بين زكا الذي استضاف السيد بفرح وبين قائد المائة الذي حسب نفسه غير أهل أن يدخل السيد بيته (مت 8: 8) قائلاً له: [لا يوجد تناقض بين الاثنين... ولا يُحسب أحدهما أفضل من الآخر، فبينما تقبل الأول الرب بفرح في بيته [6]، قال الآخر: "لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي" (مت 8: 8). كلاهما يكّرم المخلص وإن كان بطريقين مختلفين... كلاهما كانا بائسين بالخطية، ونالا الرحمة التي طلباها.]

أحد عشر: إذ لم يدرك اليهود غاية المسيح وعمله "تذمروا قائلين إنه دخل ليبيت عند رجل خاطئ" [7]. عوض أن يفرحوا بخلاص الخطاة تذمروا على المخلص، لأنه يفتح قلبه لهم، ويدخل بيوتهم ليملك على قلوبهم، أو حسب تعبير القديس كيرلس الكبير يقيمهم من الأموات، إذ يقول: [لماذا يلومون المسيح إن كان ذلك يمكن أن تقول قد سقط ودفن في الفساد الروحي، فأقامه المسيح من هوة الهلاك؟! ولكي يعلمهم ذلك قال: "اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم" [9]. لأنه حيث يدخل المسيح بالضرورة يوجد الخلاص. ليكن في داخلنا؛ إن آمنا يكون فينا، بالإيمان يسكن في قلوبنا، ونكون نحن مسكنه. كان يليق باليهود أن يفرحوا، لأن زكا قد خلص بطريقة عجيبة، إذ حُسب هو أيضًا من بين أبناء إبراهيم الذي وعده الله بالخلاص في المسيح بواسطة الأنبياء القديسين، قائلاً: "ويأتي الفادي إلى صهيون، وإلى التائبين عن المعصية في يعقوب، يقول الرب" (إش 59: 20). لقد قام المسيح ليخلص سكان الأرض من خطاياهم، يطلب من قد فُقدوا، ويخلص من قد هلكوا. هذا هو عمله، قل هذا هو ثمرة لطفه الإلهي.]

ثاني عشر: إذ دخل السيد المسيح بيت زكا أشرق عليه بنور بره، فطرد منه كل ظلمة دون أن يبكته بكلمة، أو حتى يقدم له وصية. كان حضرة المسيح نفسه "كلمة الله المتجسد" قوة قادرة على انتشال زكا من محبة المال إلى حبه للفقراء وشوقه لرد أضعاف مضاعفة لمن سبق فظلمهم، حتى وإن دفع كل ما يملكه ثمنًا لذلك.

في نص منسوب للقديس يوحنا الذهبي الفم قيل: [لم ينتظر زكا حكم الناموس بل حكم على نفسه بنفسه]، كما قيل: [أنظر هنا معجزة‍، فإنه يطيع دون أن يتعلم. كما أن الشمس تلقي بأشعتها على البيت فتضيئه بالعمل لا بالكلام، هكذا يلقي المخلص بأشعة بره ليحطم ظلمة الخطية، فيشرق النور في الظلمة.]

هذا، ويليق بنا أن نلاحظ أن زكا لم يقدم ماله للفقراء والمظلومين، وإنما قدم أولاً قلبه لله، عندئذ جاءت عطايا طبيعية وبلا كلفة، ومفرحة لله. يقول القديس جيروم: [إن قدمنا للمسيح نفوسنا كما نقدم له غنانا، يتقبل التقدمة بفرح.]

ثالث عشر: يكشف ربنا يسوع المسيح عن رسالته الخلاصية، فاتحًا باب الرجاء للكل بقوله: "لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك" [10].

يستخدم العلامة ترتليان هذه العبارة للرد على أصحاب الفكر الغنوسي الذين يحقرون من شأن الجسد ويحسبونه لا يتمتع بالخلاص ولا يقوم في اليوم الأخير، قائلاً: [ماذا تظن في الذي هلك؟ إنه الإنسان بلا شك، الإنسان بكليته وليس جانبًا منه. بالطبع الإنسان كله... فإن كانت الخطية أهلكته بكليته، فإنه سيخلص بكليته.]

ويستخدم القديس أغسطينوس ذات العبارة في توبيخ أتباع بيلاجيوس منكري الخطية الأصلية، لذا يخاطب السيد المسيح على لسانهم قائلاً: [إن كنت قد جئت لتطلب وتخلص ما قد هلك، فإنك لم تأتِ للأطفال، لأنهم لم يهلكوا بل ولدوا في حالة خلاص؛ اذهب إذن إلى الكبار.]

يحدثنا القديس أغسطينوس عن عمل السيد المسيح الخلاصي، ومجيئه طالبًا من قد هلك، قائلاً: [لقد وجد المفقودين أيضًا. إنهم اختفوا هنا وهناك بين الأشواك، وتشتتوا بسبب الذئاب. اختفوا بين الأشواك، فجاء إليهم ليجدهم، وقد تمزق بأشواك آلامه. جاء فعلاً ووجدهم، مخلصًا إياهم... لقد خلصوا بذاك الذي ذُبح لأجلهم.]

2. مثل العشرة أمناء

لقاء السيد المسيح بزكا رئيس العشارين في بيته وإعلان السيد المسيح عن الخلاص لأهل هذا البيت تحقيق لملكوت الفرح الحقيقي حتى ارتفع قلب زكا فوق كل فكر أرضي، فقدم أكثر مما يطلبه الناموس بكثير، قدم نصف أمواله للمساكين وطلب أن يرد لكل من ظلمه أربعة أضعاف. هكذا يعلن السيد المسيح عن الرغبة الإلهية في تقديس كل نفس ليكون الكل ملكوتًا حقيقيًا له. والآن بعد إعلان هذا الملكوت الحاضر والعامل في حياة البشرية يود السيد أن يعلن أنه ليس إلا عربونًا للملكوت الأبدي، مقدمًا لنا مثل العشرة الأمناء لنعرف أننا وإن كنا نفرح هنا باللقاء مع السيد المسيح لكي نحيا مجاهدين نمارس الحياة الأمينة لننعم بكمال مجد الملكوت الأبدي.

"وإذ كانوا يسمعون هذا عاد فقال مثلاً، لأنه كان قريبًا من أورشليم، وكانوا يظنون أن ملكوت الله عتيد أن يظهر في الحال" [11].

يبدو أن فكرًا بدأ يسود بين اليهود عندما رأوا ما صنعه رب المجد يسوع من أعمال عجيبة أن الملكوت قد اقترب جدًا، بمعنى أن السيد يملك في أورشليم، ويقيم مملكته أرضيًا. لهذا انشغل حتى التلاميذ في بعض الأحيان عن مركز كل واحدٍ منهم في هذه المملكة المنتظرة سريعًا. وكأن السيد المسيح أراد أن يوجه أنظارهم عن التفكير في عظمة المملكة بفكر زمني إلى التهيئة للملكوت الأبدي بحمل سمة "الأمانة". وقد سبق لنا الحديث عن هذا المثل في دراساتنا السابقة مت 25: 18، والآن نكتفي بإبراز النقط التالية:

أولاً: يقول السيد المسيح: "إنسان شريف الجنس ذهب إلى كورة بعيدة ليأخذ لنفسه مُلكا ويرجع. فدعا عشرة عبيد له وأعطاهم عشرة أمناء، وقال لهم: تاجروا حتى آتي" [12-13]. من هو هذا الإنسان الشريف الجنس إلا رب المجد نفسه، الكلمة الذي صار جسدًا. إنه شريف الجنس، بل "وحيد الجنس"، فريد في بنوته الأزلية للآب، أخلى ذاته بالتجسد لكي ينقلنا نحن الذين صرنا عبيدًا للخطية إلى البنوة لله باتحادنا معه، وثبوتنا فيه، فنصير نحن به شرفاء الجنس أو أحرارًا.

يعلق القديس كيرلس الكبير على تعبير "شريف الجنس"، بالقول:

[مجال هذا المثل إنما يمثل في اختصار عصب التدبير الذي قُدم لأجلنا، أي سرّ المسيح من بدايته حتى نهايته.

الله الكلمة صار إنسانًا، ومع كونه قد صار في شبه جسد الخطية لذا دُعيَ عبدًا (في 2: 7) لكنه وُلد حرًا "شريف الجنس" (لو 19: 12)، إذ ولد من الآب ميلادًا غير منطوق به. نعم، إنه الله الذي يعلو الكل في الطبيعة والمجد، يسمو علينا بل وعلى كل الخليقة بكماله الذي لا يُقارن.

السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 19 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


3 كيهك 1736 ش
13 ديسمبر 2019 م

تذكار تقديم القديسة العذراء مريم الى الهيكل بأورشليم سن 3سنوات
استشهاد القديس صليب الجديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك