إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الطموح يؤدى إلى النمو الروحى والطموح يشمل أيضاً الحياة كلها فى كل عمل تمتد إليه يد الإنسان فى دراسته وفى وظيفته وفى كل مسئولياته " فى كل شئ أروم أن تكون ناجحاً وصحيحاً كما أن نفسك ناجحة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

صديقنا في أورشليم

جاءت قصة استضافة زكا العشار للسيد المسيح في بيته تكمل قصة شفاء عيني الأعمى، فإن كان تفتيح العينين إنما يشير إلى حاجة البشرية للتمتع بالبصيرة الروحية الداخلية حتى تقدر أن تتابع رحلته الخلاصية، فتدخل معه إلى أورشليم وتقبل صليبه وتنعم بقيامته. فإن استضافة زكا له تشير إلى رغبة الرب فينا لا أن نعاينه فحسب ونتبعه أينما وُجد، وإنما نفتح قلوبنا ليدخل فيها كما إلى بيته أو إلى أورشليمه ويعلن خلاصه فينا. يعود الإنجيلي فيقدم لنا مثَلْ العشرة أمناء ليعلن السيد أنه وإن كان يود أن يدخل كل بيت حتى بيوت العشارين والخطاة لكنه يطلب القلوب الأمينة، يود أن نحمل سمته "الأمانة" ليهبنا ميراثًا أعظم وسلطانًا ومملكة على مستوى أبدي. يعطي لواحد عشر مدن ولآخر خمس الخ.

هكذا يود صديقنا أن يفتح بصيرتنا لكي نفتح بيوتنا الداخلية مع زكا فيملك فينا، ونملك نحن به وننعم بمواضعه السماوية. هذا هو غاية دخول صديقنا السماوي إلى أورشليم بل وغاية كل أعماله الخلاصية.

1. إضافة زكا للسيد 1-10.

2. مثل العشرة أمناء 11-27.

3. تقدمه نحو أورشليم 28-40.

4. بكاؤه على أورشليم 41-44.

5. تطهير الهيكل 45-46.

6. تعليمه في الهيكل 47-48.

1. إضافة زكا للسيد


قلنا أن تفتيح عيني الأعمى يمثل تفتيح البصيرة الداخلية، للتمتع بإدراك عمل الله الخلاصي، الذي كان الرب مزمعًا أن يتممه بدخوله أورشليم، بينما استضافة زكا للسيد المسيح ترمز إلى انفتاح البيت الداخلي لسكنى الرب فيه، فيصير أورشليمه الداخلية التي يدخلها كما بموكب سماوي ليعلن أمجاد صليبه فيها.

يمكننا أن نقدم المقارنة التالية بين تفتيح عيني الأعمى واستضافة زكا للسيد المسيح:

أولاً: التقى الأعمى بالسيد وكان جالسًا على الطريق يستعطي ( لو 18: 35)، أما زكا فالتقى به داخل المدينة وكان صاعدًا على جميزة [4]، وقد تمتع الاثنان بنعمة الرب، لكن كما يقول القديس أمبروسيوس: [الرب ينتظر الأول ليرحمه، أما الثاني فيمنحه مجدًا عظيمًا بحلوله في بيته. واحد يسأله لكي يشفيه، أما الآخر فالرب يدعو نفسه عنده دون أن يسمع كلمة دعوة إذ عرف ما في قلبه.]

من هو هذا الذي في الطريق يستجدي تفتيح عينيه إلا كل إنسان لم يختبر داخليًا نعمة الله لكنه آمن خلال السمع فانطلق كما في الطريق يطلب نعمة الاستنارة، فيفتح الرب بصيرته ليقوده إلى مراعي كنيسته المقدسة. أما زكا الصاعد على الشجرة فيمثل كل إنسان التحم بالكنيسة "شجرة الجميز" روحيًا، أو ارتفع بالروح القدس إلى خشبة الصليب يشارك الرب آلامه فينعم بسكنى الرب في بيته الداخلي.

ثانيًا
: ترك السيد المسيح الأعمى يصرخ بل ويقول الإنجيلي: "أما هو فصرخ أكثر كثيرًا" (لو 18: 39)، بينما لم ينتظر من زكا كلمة واحدة تخرج من فيه، إنما استضاف الرب نفسه في بيته. لماذا؟ ربما يشير الأول إلى الحياة العاملة المجاهدة التي خلال الحب تصرخ بلا انقطاع فيفتح الرب العينين لمعاينة ملكوته، بينما يشير الثاني إلى الحياة المتأملة المجاهدة أيضًا خلال عشق إلهي أعمق، المرتفعة بالروح القدس إلى الصليب لترى كما خلال شجرة الجميز عريسها يناجيها طالبًا الحلول فيها بلا انقطاع، يدخل قلبها ويحل في أعماقها وتدخل هي حجاله وتتذوق أسرار حبه الإلهي غير المنطوق به.

لست بهذا أعني ثنائية في مجتمع الكنيسة تنقسم إلى جماعة العاملين وأخرى المتأملين، إنما وإن كان لكل إنسان موهبته الخاصة التي يميزه بها الروح لكن يليق بالمؤمن في عمله الروحي الحق أن يحيا متأملاً أسرار الله، وفي تأمله الحق أن يبقى عاملاً مجاهدًا حتى النفس الأخير. إنها حياة واحدة "في المسيح يسوع ربنا"، خلالها نحيا عاملين بروحه، مرتفعين كما بأجنحته، للتمتع بشركة أسراره. بمعنى آخر ليتقدم كل منها صارخًا مع الأعمى بلا انقطاع، وصاعدًا مع زكا على شجرة الجميز، فتنفتح بصيرتنا وننعم بشركته وسكناه الدائم فينا.

ثالثًا: لعل هذا الأعمى الجالس على الطريق يستعطي يمثل أعضاء الكنيسة الذين جاءوا من أصل يهودي، فقد كانوا كمن على الطريق، عرفوا خلال الرموز والظلال والنبوات شخص المسّيا وعمله الخلاصي. هؤلاء كانوا تحت الناموس كمن هم عميان وجياع، غير قادرين على معاينة الأسرار الإلهية، فقراء يستعطون، إذ يعجز الناموس عن أن يرفعهم إلى الأحضان الإلهية ليروا ويشبعوا، وإنما قادهم في الطريق إلى المخلص ليفتح بصيرتهم ويعاينوه، بكونه الحق المفرح المشبع. أما زكا فيمثل أعضاء الكنيسة الذين جاءوا من أصل أممي، هؤلاء كانوا أشبه برئيس العشارين المنبوذ من اليهود. كانوا كمن هم قصيري القامة بلا خبرة روحية سابقة، لكنهم إذ ارتفعوا بالإيمان على خشبة الصليب مع فاديهم تمتعوا بالصوت الإلهي يناديهم ليحل في وسطهم ويقيمهم أهل بيته.

الأعمى كممثل لليهود المتنصرين سأل الجمع، "فأخبروه أن يسوع الناصري مجتاز" (لو 18: 37)، هذا الجمع هو الآباء والأنبياء الذين أشاروا إليهم عن يسوع الناصري الذي يجتاز بين الأمة اليهودية ليحقق عمله الخلاصي. أما زكا فلم يسأل، لأنه كان كغريبٍ عن الآباء والأنبياء، وإنما بالإيمان ارتفع على الصليب ليعاين السيد وسط الجموع، يراه معلنًا أيضًا بالآباء والأنبياء الذين تعرف عليهم خلال المسيّا وصليبه.

نعود إلى تفاصيل قصة لقاء زكا بالسيد المسيح كما رواها الإنجيلي لوقا:

"ثم دخل واجتاز في أريحا، وإذا رجل اسمه زكا وهو رئيس للعشارين وكان غنيًا. وطلب أن يرى يسوع من هو ولم يقدر من الجمع، لأنه كان قصير القامة. فركض متقدمًا وصعد إلى جميزة لكي يراه، لأنه كان مزمعًا أن يمر من هناك" [1-4].

يلاحظ هنا الآتي:

أولاً: يرى البعض أن كلمة "زكا" تعني "المتبرر"، لأن زكا يمثل الأمم المتنصرين الذين تبرروا بدم السيد المسيح.

ثانيًا: كان زكا رئيسًا للعشارين، وكما نعرف أن هذا العمل كان مرذولاً لدى اليهود، متطلعين إليه كعملٍ لحساب الدولة الرومانية المستعمرة يحمل رائحة الخيانة للأمة اليهودية، هذا مع ما اتسم به العشارون بصفة عامة من حب لجمع المال بروح الطمع والجشع بلا رحمة من جهة إخوتهم اليهود. على أي الأحوال استطاع كثير من الكتبة والفريسيين بحكم مراكزهم الدينية ونظرة الناس إليهم أن يلتقوا مع السيد حسب الجسد، بل ويدعوه أحيانًا لولائمهم. ولم يكن يرفض لعلهم ينسحبون من عبادتهم الشكلية إلى فكره الإلهي الروحي، لكن نادرًا ما تلاقوا معه على صعيد الروح والتمتع بفكره الإلهي. أما هذا العشار أو رئيس العشارين ففي نظر الجماهير يمثل الدنس بعينه والبعد الكامل عن كل ما هو إلهي. خلال اشتياقه القلبي الخفي أن يرى يسوع من هو، وترجمة هذا الشوق إلى عمل بسيط هو صعود شجرة الجميز ليرى من يحن إليه، يفتح أبواب الرجاء لكل نفس بشرية لتلتقي مع مخلص الخطاة. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [قُدم لنا هنا رئيس العشارين، فمن منا ييأس بعد من نفسه وقد نال نعمة بعد حياة غاشة!]

حقًا لقد كانت فئة العشارين تُضم إلى الزناة (مت 21: 31)، بكونهما فئتين مرذولتين للغاية، الأولى منهمكة في طلب الغنى على حساب الآخرين، والأخرى في شهوات الجسد على حساب تقديس الجماعة. وكأن الفئتين مخربتين للجماعة. ومع هذا فقد استطاع رئيس العشارين أن يغتصب بالإيمان دخول السيد إلى بيته، بل وإلى قلبه. وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [كان زكا رئيسًا للعشارين، قد استسلم للطمع تمامًا، غايته الوحيدة تضخيم مكاسبه، إذ كان هذا هو عمل العشارين، وقد دعي بولس الطمع عبادة أوثان (كو 3: 5)، ربما لأن هذا يناسب من ليس لهم معرفة الله (بانشغالهم بالطمع). وإذ كان العشارون يمارسون هذه الرذيلة علانية بلا خجل، لذا ضمهم الرب مع الزناة، قائلاً لرؤساء اليهود: "إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله" (مت 21: 31). لكن زكا لم يستمر في عداد العشارين، إنما تأهل للرحمة بيدي المسيح الذي يدعو البعيدين للقرب منه، ويهب نورًا للذين في الظلمة.]

يرى القديس جيروم أن شجرة الجميز هنا تشير إلى أعمال التوبة الصالحة حيث يطأ التائب الخطايا السابقة بقدميه، ومن خلالها ينظر إلى الرب كما من برج الفضيلة. مرة أخرى يقول: [زكا الذي تغير في ساعة حُسب أهلاً أن يتقبل المسيح ضيفًا له.]

ثالثًا: يذكر الإنجيلي لوقا أن زكا "كان غنيًا" [2]، وقد "طلب أن يرى يسوع من هو" [3]، مترجمًا هذا الشوق الداخلي إلى عمل كلفه الكثير، إذ لم يكن سهلاً على رجل ذي مكانة كرئيس للعشارين أن يتسلق جميزة كصبيٍ، ويراه الجماهير عليها. ولعل الإنجيلي قد أراد أن يؤكد بأنه ليس كل غني شرير، وإنما كل إنسان - أيا كان مركزه أو إمكانياته أو ظروفه - يحمل في داخله الناموس الطبيعي يُسحب قلبه - إن أراد - نحو رؤية كلمة الله والتمتع به. الله لا يترك نفسه بلا شاهد في حياة الإنسان، يستطيع الغني كما الفقير إن أراد أن ينطلق نحو الرب والشركة بعمل النعمة المجانية.

يقول القديس أمبروسيوس: [ليعرف الأغنياء أن الغنى في ذاته ليس خطية بل إساءة استخدامه؛ فالأموال التي تمثل حجر العثرة بالنسبة للأشرار هي وسيلة لممارسة الفضيلة بالنسبة للصالحين... كان زكا غنيًا لنتعلم أنه ليس كل الأغنياء طماعين.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إبراهيم كان يملك حقًا غنى للفقراء، وكل الذين ملكوا الغنى بطريقة مقدسة أنفقوه بكونه عطية الله لهم]، كما يقول: [لم يمنع الرب البشر عن أن يكونوا أغنياء بل أن يكونوا عبيدًا لغناهم. يودنا أن نستخدمه كضرورة لا أن نُقام حراسًا عليه. العبد يحرس، أما السيد فينفق.]

رابعًا
: إن كانت شجرة الجميز وهى ترمز للصليب الذي من خلاله يلتقي المؤمن بمسيحه ويسمع الصوت الإلهي، وينفتح بيته الداخلي لقبول السيد متجليًا فيه، فمن ناحية أخرى متكاملة مع هذا الفكر ترمز الشجرة إلى الكنيسة التي تحمل النفوس الخاطئة على كتفيها، كزكا على الشجرة أو كالخروف الضال على منكبي الراعي الصالح، لتقدمه ثمرة حب صادق لعريسها. بمعنى آخر عمل الكنيسة الرئيسي هو حمل العالم كله، ولو كان كرئيس للعشارين، تحمله على كتفيها لا لتدينه أو تجرح مشاعره وإنما لتهبه إمكانية الالتقاء مع مخلصه.

تحمله بالحب واللطف فتلهب قلبه بأكثر شوق نحو العريس السماوي. لهذا بحق قيل أن الكنيسة هي لقاء حق بين المسيح والخطاة التائبين، يجد فيها السيد لذته، إذ يراها تقدم له بالحب النفوس التي مات لأجلها، ويجد الخاطىء فيها أبواب الرجاء مفتوحة على مصراعيها على الدوام والقلوب والأذرع مستعدة بالحب أن تحمله لمخلصه.

خامسًا: لعل لقاء السيد المسيح بزكا الصاعد على شجرة الجميز يحمل رمزًا لعمل السيد المسيح الخلاصي. أقول أن شجرة الجميز هنا تشير إلى الكنيسة التي تقدم البشرية الخاطئة للمخلص. والعجيب أن المخلص يترك الجموع المحيطة به والمتهللة بالالتفاف حوله، أي يترك الطغمات الملائكية والأمجاد السماوية، مخليًا ذاته لينظر إلى الإنسان الساقط رغم شره وفساده، يلتقي معه على صعيد الروح ليعلن له أنه قد استضاف نفسه بنفسه في بيته ليقدسه، قائلاً: "ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك... اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم" [5، 9]. كأن هذا العمل يمثل سرّ التجسد الذي به دخل الرب بيتنا إذ حمل طبيعتنا، لا ليقطنها إلى حين، وإنما حملها فيه، واختفى بلاهوته خلالها ليقدس طبيعتنا أبديًا.

.

السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 19 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


2 هاتور 1736 ش
12 نوفمبر 2019 م

نياحة البابا بطرس الثالث 27 سنة 481 م
استشهاد القديس مقار الليبى
نياحة القديس أفراميوس الرهاوى
يشتد البرد وأول ليالى الظلام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك