إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تكن قليل السمع لئلا تكون وعاء لجميع الشرور ، ضع فى قلبك أن تسمع لأبيك فتحل بركة الله عليك
الأنبا انطونيوس

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 16 جـ5 PDF Print Email

سادسًا: إذ قدَّم لنا السيِّد المسيح صورة لعازر والغني في العالم، عاد ليقدَّم الصورة المقابلة عند موتهما، إذ يقول:  "فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، ومات الغني أيضًا ودفن" [22].  عبرت الصورة الزمنيَّة المؤقتة التي كان فيها الغني يعيش في ملذّاته الزمنيَّة ولعازر مطروحًا على الأرض يشتهي الفتات الساقط من مائدته. وحلت صورة أبديَّة مغايرة فيها يُحرم الغني من أبيه إبراهيم، إذ يراه بعيدًا جدّا عنه، هذا الذي كان يفخر قبلاً في عجرفة أنه ابن إبراهيم دون أن يحمل إيمانه العملي. بينما احتل المسكين (الأمم) الموضع أبديًا إذ صار في حضن إبراهيم يتمتع معه بالملكوت السماوي.

في نص منسوب للقدِّيس يوحنا الذهبي الفم جاء: [فجاة تحولت العذابات العظيمة إلى بركة. فقد حُمل (المسكين) بعد أتعابه الكثيرة إذ كان واهنًا، أو غير قادرٍ على المشي، لذا حملته الملائكة. ملاك واحد لم يكن كافيًا لحمله بل جاء كثيرون يحملونه، إذ كونوا جوقة مفرحة، كل ملاك يتهلل أن يلمس ثقلاً عظيمًا كهذا. ببهجة يفعلون هذا حاملين الثقل لكي يقدَّموا البشر لملكوت السماوات. لقد حمل إلى حضن إبراهيم لكي يحتضنه إبراهيم ويجعل مدللاً. حضن إبراهيم هو الفردوس!]

لاحظ بدقة كلمات المخلِّص، فبالنسبة للفقير يقول أنه حُمل بواسطة الملائكة إلى حضن إبراهيم؛ أما بالنسبة للغني فلم يقل شيئًا من هذا، إنما اكتفى بالقول أنه مات ودُفن. فإن الذين يضعون رجاءهم في الله يجدون في رحيلهم من العالم خلاصًا من العذابات والألم. علمنا سليمان شيئًا من هذا القبيل: "في نظر الناس يبدو أنهم ماتوا، ويُظن رحيلهم ضررًا، ومُضيهم عنا خرابًا، وأما هم ففي سلام، ورجاؤهم مملوء خلودًا" (حك 3: 2، 3). يُعطى لهم مقياس من التعزية يتناسب مع أتعابهم، بل ما يفوق أتعابهم ويزيد، إذ يقول المسيح في موضع ما: "كيلاً جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا يُعطون في أحضانكم" (لو 6: 38).

كما أن السفن التي تبحر تواجه الأمواج العنيفة، وتصارع الرياح الشديدة القويَّة، ولكنها إذ تبلغ المواني تستقر فلا تقذفها الأمواج، هكذا بنفس الطريقة أظن أن نفوس البشر إذ تنطلق من متاعب الأرضيات وتدخل المساكن العلويَّة كما في ميناء الخلاص...

أما بالنسبة للغني الذي سلك بقسوة لا تعرف الرحمة، فإن انفصال الجسد بالنسبة له كان موتًا، إذ يترك اللذة إلى العذاب، ويخرج من المجدٍ إلى الهوانٍ، ومن النورٍ إلى الظلمة. كان يجب أن يعاني الغني من هذه الأمور إذ كان متنعمًا، مغلق اليدين، غير مستعد لممارسة الرحمة. ومما يزيد عذابه أنه في الجحيم تطلع ليرى لعازر في حضن إبراهيم.

القدِّيس كيرلس الكبير


إنني أعرف كم هو مرعب الجزاء الذي حل بفكر الغني المتكبر الذي كان يلبس الأرجوان ولم يرد أن يساعد لعازر. الفقير الذي نحتقره ولا نستطيع حتى النظر إليه، أن تطلعنا إليه يثير معدتنا، هو إنسان مثلنا، صُنع من نفس طينتنا، وشُكل من نفس معدننا. ما يعانيه الآن يمكن أن يحلّ بنا. لننظر إلى جراحاته كجراحات لنا.

هوذا يقدَّم البؤس عوض الشبع، ويقدَّم الشبع عوض البؤس.

القدِّيس جيروم


[يتحدَّث عن موت نفس الغني قبل جسده، إذ يقول:]

لنضع أمامنا الغني الذي في قصة لعازر، فنعرف ما هو موت النفس، إذ كان يحمل نفسًا ميتة كما يظهر من تصرفاته.

لم يكن يمارس عملاً من أعمال النفس، إنما كان يأكل ويشرب ويعيش في ترف فحسب. هذا هو حال الأشخاص القساة الذين بلا رحمة حتى الآن، إذ لهم نفس ميتة كما كان لهذا الغني. لقد هرب منه الدفء الصادر عن محبَّة قريبنا، فكانت نفسه ميتة أكثر من موت الجسد. أما الفقير فلم يكن هكذا إذ كان واقفًا على قمة الحكمة السماويَّة مشرقًا، وبالرغم من صراعه ضد الجوع المستمر ولم يكن له حتى القوت الضروري، لكنه لم يتفوه بكلمة تجديف ضد الله، بل احتمل كل شيء بنبلٍ. وهذا عمل للنفس ليس هينًا، بل يكشف عن نفس قويَّة كاملة الصحة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

يقول المسيح: "فمات المسكين وحملته الملائكة" [22].

أود في هذه النقطة أن أزيل مرضًا شرِّيرا تفشى في نفوسكم، فإن بسطاء كثيرين يظنون أن نفوس الذين يموتون بطريقة عنيفة (كمقتولين) تصير شياطين. هذا أمر مستحيل، بل ومستحيل تمامًا. ليس نفوس الذين يموتون خلال العنف تصير شياطين، بل نفوس الذين يعيشون في الخطيَّة؛ لا بمعنى أن طبيعتهم البشريَّة تتغير، وإنما يكون سلوك حياتهم متمثلاً بشر الشياطين. هذا ما أوضحه المسيح حقًا لليهود عندما قال: "أنتم أبناء إبليس" (يو 8: 44). دعاهم أبناء إبليس ليس لأنهم تغيروا إلى طبيعة إبليس إنما لأنهم يمارسون أعماله. لهذا يضيف: "وشهوات أبيكم تريدوا أن تعملوا. بنفس الطريقة يقول يوحنا: "يا أولاد الأفاعي، من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟! فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا" (مت 3: 7-9)...

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


ها أنتم ترون هنا أنه يقال: "وحملته الملائكة".

واحد أُقتيد كسجين والآخر حمل على الأكتاف كمنتصر!

وكما في الساحة عندما يصاب المقاتل بجراحات كثيرة ويتفجر منه الدم يوضع عليه إكليل النصرة، فيحيه الواقفون أمام الساحة بهتافات عاليَّة، ويحملونه إلى بيته بالتصفيق والصياح بإعجاب، هكذا اقتادت الملائكة لعازر. أما الرجل الثاني فقد جاءت بعض القوات الشرِّيرة تطلبه، ربَّما أُرسلت لهذا الغرض (لتبكيته على تصرفاته).

[يرى القدِّيس ذهبي الفم أن الشرِّير عند موته تقتاد الخطايا نفسه لتكون سرّ تبكيته المستمر.]
مات الغني ودفن، وقد سبق فدفن نفسه في جسده كما في قبر، إذا ارتدى الجسد كمقبرة لنفسه (خلال الشهوات الجسديَّة).

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

سابعًا
: يحدثنا السيِّد المسيح عن صورة الغني قاسي القلب في العذاب بينما يتنعم لعازر بحضن إبراهيم، قائلاً: "فرفع عينيه في الهاويَّة وهو في العذاب، ورأى إبراهيم من بعيد، ولعازر في حضنه" [23].

كان ثقل آلام الفقير يزداد بوجوده ملقيًا أمام باب الغني ينظر الغنى الذي يعيش فيه. هكذا عندما مات الغني، فقد ازداد عذابه بكونه وهو في الهاويَّة يرى سعادة لعازر، فلا يقف الأمر عن إحساسه بعذاباته الخاصة وإنما بمقارنته لنفسه بالنسبة لكرامة لعازر تتضاعف آلامه...

رفع الغني عينيه لكي ينظر لعازر لا ليحتقره، إذ صار لعازر فوق، أما هو فأسفل. ملائكة كثيرون حملوا لعازر أما هو فأمسكت به عذابات بلا حصر...

كان بكامله في العذابات، ولم يكن فيه ما هو حُرّ إلا عيناه لكي تتطلعا إلى فرح الغير. سُمح لعينيه أن تنظرا حتى يزداد عذابه إذ يرى نفسه لا ينعم بما لدى الغير...

رأى الغني لعازر في حضن إبراهيم... لأن إبراهيم كان مملوءًا حبًا، أما هو فكان مدانًا بجريمة القسوة. كان إبراهيم يجلس بجوار داره يترقب العابرين ليدخل بهم بيته، أما هو فكان يطرد حتى الذين عند بابه.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

مع أن الكتاب المقدَّس يشهد عن إبراهيم أنه كان غنيًا جدًا، لكنه كمحبٍ للعطاء يتقبل في حضنه الفقراء والمحتاجين كما يتقبل محبي العطاء، الحاملين سماته، أما المترفون والمدللون غير المبالين بإخوتهم فلا يجدوا لهم موضعًا فيه. يكمل السيِّد المسيح المثل، قائلاً:

"فنادى وقال: يا أبي إبراهيم ارحمني، وأرسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرد لساني، لأني معذب في هذا اللهيب" [24]

واحد كان يسأل الفتات من مائدة الغني، والآخر يطلب قطرة ماء من إصبع الفقير. لكن الفقير نال الفتات بأكثر سهولة من الغني في طلبه قطرة الماء، إذ جاءه الجواب: "يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك" (لو 16: 25) .

الآب قيصريوس أسقف آرل


اللهيب الذي فيه يحترق الغني ونقطة الماء التي يطلبها ليسا ماديين، وإنما أشبه برؤيا بالنسبة للنائمين والأشخاص الهائمين (مختطفين)، إذ تظهر لهم الأمور غير الماديَّة كما لو كانت مجسمة. فمع كون هذا الشخص وهو في هذه الحالة بدون جسد، أي روح مجردة، لكنه رأى نفسه كمن هو في جسده، إذ يستحيل عليه أن يميز حاله (ويعبر عنه بغير ذلك).

القدِّيس أغسطينوس

لسانه الذي نطق بعجرفة عظيمة (يود أن يبرّده)، لأنه حيث توجد الخطيَّة تكون العقوبة. إذ كان لسانه قد عصى أكثر تعذّب أكثر.

أراد أن يبرّد لسانه بينما كان هو بكامله في اللهيب. هذا يعني ما قد كتب: "الموت والحياة في يدّ اللسان" (أم 18: 21)، "الفم يعترف به للخلاص" (رو 10: 10). فخلال الكبرياء لم يفعل ذلك (يعترف بالمسيح لخلاصه). أما طرف الإصبع فيعني أقل القليل من الأعمال التي يمارسها الإنسان بالروح القدس.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


يا لأحكام الله غير المنطوق بها، يا لعدل مكافأته التي يقدَّمها عن الأعمال الصالحة والشرِّيرة.

لقد أخبرنا قبلاً أنه إذ كان الغني على الأرض كان الفقير يشتهي الفتات الساقط من مائدته ولم يعطه أحد شيئًا. الآن يخبرنا أن الغني في آلامه يشتهي أن يبل لعازر لسانه بماء، لعل قطرة ماء تبرّد فمه. من هذا نتعلم أيها الإخوة حزم الله الشديد. الغني الذي لم يكن يرغب أن يعطي الشحاذ الفتات القليل النازل من مائدته، الآن في الهاويَّة يتوسل طالبًا أمرًا تافهًا. أنه يصرخ من أجل قطرة ماء، ذاك الذي رفض تقديم فتات خبز!

يلزمنا أن نعرف السبب لماذا سأل الغني من أجل قطرة ماء ليبرد لسانه... لأن من يقيم ولائم كثيرة عادة يكون كثير الكلام، هكذا هذا الرجل الذي حمل أفراحه إلى الحياة المتنعمة وقد دين باللهيب صار لسانه محترقًا أكثر من أي عضو آخر. خطأه الأول هو إفراطه في الأكل الأمر الذي يرافقه كثرة الثرثرة، والخطأ الثاني هو قساوته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أخيرًا صار الغني شحاذًا يطلب من الفقير، ويسأل من مائدة ذاك الذي كان جائعًا وملقيًا لأفواه الكلاب. لقد تبدل الحال، وعرف كل واحد من هو الغني الحقيقي ومن هو الفقير بحق، فظهر لعازر أغنى من الكل، والآخر أفقر الجميع.

كما في المسارح يلبس الممثلون قناعات الملوك والقادة والأطباء والمعلمين والأساتذة والجنود، لكنهم هم ليسوا كذلك في حقيقتهم، هكذا الغنى والفقر هنا مجرد أقنعة، أن جلست في مسرح ورأيت إنسانًا يرتدي قناع ملك فلا تغبطه ولا تحسبه قد صار ملكًا، ولا تشتهي أن تكون مثله... هكذا الغني هنا أيضًا غالبًا ما يكون فقيرًا (في أعماقه)، أن نزعت عنه قناعه، وكشفت ضميره، ودخلت إلى فكره، غالبًا ما تجد فيه فقر الفضيلة، وتجده منتميًا إلى أدنى الطبقات.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

فقال إبراهيم: يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك، وكذلك لعازر البلايا، والآن هو يتعزى وأنت تتعذب. وفوق هذا كله بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أثبتت حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون، ولا الذين من هناك يجتازون إلينا" [25-26].

ويلاحظ في هذه الإجابة الآتي:

1- يدعو إبراهيم الغني "يا ابني"، لعله يقصد بهذا أنه لا ينكر بنوته له حسب الجسد، هذه البنوة لم تنفعه شيئًا، بل تدينه، لأنه لم يسلك بروح أبيه وإيمانه. وما نقوله هنا عن الغني ينطبق أيضًا على كل مؤمن حمل إمكانيات خلاصه ولم ينتفع منها، كمن قبل الإيمان واعتمد وصار بين يديه كلمة العهد الجديد الخ. هذه العطايا التي تؤهله لممارسة حياة الشركة العمليَّة تدينه في اليوم الأخير. فإن كان قد نال البنوة لله خلال مياه المعموديَّة بالروح القدس، تبقى هذه البنوة تبكته، وتصير بالأكثر سّر عذابه.

لاحظ حنو هذا الأب البطريرك إذ يدعوه ابنه، لكنه لا يقدَّم له عونًا إذ حرم نفسه بنفسه من الشفاء. يقول له: "أذكر"، أي تأمَّل الماضي، لا تنسى أنك ابتهجت بغناك، واستوفيت خيراتك، إذ ظننت هذا خيرًا لك. لم تستطع أن تنتصر وأنت على الأرض فلا تنتصر هنا.

السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 16 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


5 هاتور 1735 ش
15 نوفمبر 2018 م

ظهور رأس لونجينوس الجندى الذى طعن جنب مخلصنا الصالح
نقل جسد القديس الامير تادرس الي بلدة شطب
عيد جلوس قداسة البابا شنودة الثالث
بدأ تلقيب بطريرك الاسكندرية ببابا الاسكندرية من سنة 232م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك