إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن الذين تعودوا السهر مع الله إذا ناموا تكون قلوبهم أيضاً معه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 16 جـ3 PDF Print Email



3. الصداقة الإلهيَّة والوصيَّة الصعبة

إذ ظن الفريِسيُون في حبهم للمال أن يسرقوا الملكوت بالخداع، فيظهرون أمام الناس غير ما يبطنون، مرتدين ثوب الرياء، أكد لهم السيِّد أن ملكوت السماوات يُغتصب خلال الوصيَّة في أعماقها. لقد فتح الفريِسيُون الباب الواسع الذي ينافي روح الوصيَّة. مثال ذلك سمحوا بالطلاق ولو لأجل الطعام، فإن لم يُعجَب الزوج بأكلة تقدَّمها له زوجته طلقها... الأمر الذي يفسد الحياة الزوجيَّة ويحطم مفهومها.

لماذا اختار السيِّد مثل الزواج من بين كل الشرائع أو الوصايا الكتابية؟ لعل السيِّد المسيح أراد أن يربط بين الصداقة الإلهيَّة والحياة الزوجيَّة، فعلاقتنا بالله لا تقوم على تنفيذ الوصيَّة أو تتميم الشرائع في شكليَّة ظاهرة، وإنما على رباط صداقته أو قل اتحاد زوجي روحي لا ينحل. فإن كنا أمناء في علاقتنا مع بعضنا البعض، خاصة في العلاقة الأسريَّة، نلتزم بالوصيَّة في أعماقها، وصيَّة الحب الزوجي والاتحاد الذي لا ينحل، بهذا نكون أمناء في القليل فيُعطى لنا الكثير: الحب والاتحاد مع الله نفسه. هذا هو غاية الناموس، وهذا هو هدف الوصيَّة، أن نغتصب الملكوت بممارسة الوصيَّة في أعماقها الروحيَّة، فلا يسقط منها حرف واحد خلال حياتنا العمليَّة، بهذا نتذوق الحياة الزوجيَّة التي تبغض الطلاق.

يقول السيِّد المسيح: "كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، ومن ذلك الوقت يُبشر بملكوت الله، وكل واحدٍ يغتصب نفسه إليه. ولكن زوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس. كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني، وكل من يتزوج بمطلقة من رجل يزني" [16-18].

لم يقل الرب أن الناموس توقف وإنما صار بداية للكرازة بالإنجيل، وكأن ما هو أدنى يتوقف بمجيء الأفضل، إذن فلنغتصب بملكوت الله! لنغتصب يسوع بغيرة قويَّة وليس بفتور؛ فإن الاغتصاب في الإيمان هو تقوى، والفتور خطيَّة.

القدِّيس أمبروسيوس

إنه يهيئهم للإيمان به، لأنه إذ جاء وقت يوحنا كملت كل الأمور. أنا هو ذاك الذي جاء!

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

الناموس الذي لم يكمل خلال متطلبات الحرف تحقَّق في حريَّة النعمة.

القدِّيس أغسطينوس

"كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخر يزني". يظن البعض أن كل زواج هو من الله، إذ كُتب: "الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مت 19: 6). لو أن كل زواج من الله لما سُمح بالفرقة، إذ قيل: "لكن أن فارق غير المؤمن فليفارق" (1 كو 7: 15)...

ليس كل زواج هو من الله، فقد أمر ألا يتزوج المسيحي بأممي كما جاء في الناموس... يتم الاتحاد عندما تتكيف الأشياء وتنسجم أوتار الآلة معًا، فتعطي شجي النغم الموسيقي... بهذا ندرك أنه لا يمكن أن يتحقَّق الانسجام في مثل هذا الزواج الذي فيه يكون العريس مسيحيًا والمرأة أممية، إنما يتحقَّق الزواج ويتم الانسجام عندما يجمعهما الرب...

لا تطلق زوجتك لأنك بهذا تعترف أن الله لم يجمعكما، فإن كنت تحتمل الآخرين وتقدَّم لهم الأعذار على تصرفاتهم فافعل ذلك مع زوجتك...

خف الله وانصت لشريعة الرب: "الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان"؛ فإنك بالطلاق لا تهدم وصيَّة سماويَّة فحسب، إنما تهدم عمل الله...

تكلم الرب قبلاً عن ملكوت الله قائلاً أنه لا تسقط نقطة واحدة من الناموس، ثم أضاف أن من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني ومن تزوج بمطلقة من رجل يزني. ويوصينا الرسول وصيَّة مطابقة لذلك: "هذا السّر عظيم، ولكني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 5: 32). هنا نتلامس مع زواج لا يمكن لإنسان أن يشك في أن الله قد جمعه، إذ قال: "لا يقدر أحد أن يقبل إليّ أن لم يجتذبه الآب" (يو 6: 44). إنه الوحيد القادر أن يجمع هذا الزواج، لذا قال سليمان مشيرًا للسّر: "الزوجة المتعقلة فمن عند الرب" (أم 19: 14). المسيح هو العريس، والكنيسة هي العروس والعذراء بحبها وعفتها.

ليته لا ينحرف أحد عن المسيح بسبب ضيق أو خطيَّة، وقد جذبه الآب إليه!

ليت الفلسفة لا تفسد إيماننا، وأيضا البدع!... فإن ذلك طلاق!...

ليت العريس يجد كل عروس تجدل خيوط الفضيلة الثمينة؛ ترفع يديها في الليالي (بالصلاة) (مز 133: 2)، وتدبر عملها، وتزن عاداتها. وتنتظر مجيء عريسها متعجلة ذلك بشوق، قائلة: "العريس قد أبطأ في المجيء، لذا أسرع أنا نحوه لأراه وجهًا لوجه عندما يبدأ في المجيء في مجده. تعال أيها الرب يسوع، فتجد عروسك بلا دنس ولا غضن، لم تدنس مسكنك، ولا أهملت وصاياك". لتقل أيضًا: "وجدت من تحبه نفسي" (نش 3: 4)، وتدخل بك إلى بيت الخمر... تسكر بالروح، فتكشف لها السّر، وتعلمها الأسرار".

القدِّيس أمبروسيوس

4. مثل لعازر والغني

إذ تحدَّث السيِّد المسيح عن اغتصاب الملكوت بالخضوع للعريس الواحد ورفض محبَّة المال، والارتباط بناموس السيِّد أو وصيته، الآن يقدَّم لنا مثلاً فيه يكشف كيف فقد الغنَي الملكوت خلال إغراءات الغنى بينما اغتصب لعازر المسكين الملكوت الأبدي. فيما يلي تعليقات بعض الآباء على هذا المثل:

أولاً: يرى بعض الآباء أن هذا المثل هو قصة حقيقيَّة واقعيَّة، ويدلل القدِّيس أمبروسيوس على ذلك بذكر اسم الفقير "لعازر". وإن كان البعض يرى في هذا الاسم رمزًا مجردًا، لأن كلمة "لعازر" تعني "إلهي معين"، كأن سرّ القوَّة في حياة هذا الفقير، ليس الفقر في ذاته، وإنما قبول آلام الفقر بشكر خلال "الله المعين".

ثانيًا: يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على هذا المثل أو هذا الحدث كما يقول، هكذا: [ليس كل فقر بالضرورة مقدَّسًا، ولا كل غنى يكون ممقوتًا.] بمعنى آخر ليس الفقر غاية في ذاته ولا الغنى شر في ذاته، إنما حياة الإنسان هي التي تفسد هذا أو ذاك؛ الحياة المدللة المترفة غير المترفقة بالمحتاجين تهين الغنى، والحياة المقدَّسة الشاكرة تزين الفقر.

هذا أيضًا ما أكده القدِّيس يوحنا الذهبي الفم في أكثر من مقال، خاصة مقاله: "لا يقدر أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ نفسه"، موضحًا أن الذي يسيء إلى الإنسان هو سلوك الإنسان وحياته وليس غناه أو فقره. حدثنا القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أيضًا عن الفقر أنه لا يقدر أن يضر إنسانًا فيجعله متذمرًا يدفعه إلى كلمات التجديف على الله، إنما النفس الدنيئة هي التي تحطم الإنسان، إذ يقول:

[ليس الفقر هو الذي يفعل بالإنسان هكذا بل دناءة النفس، لأن لعازر كان فقيرًا، نعم كان فقيرًا جدًا، ويعاني بجانب فقره من ضعفٍ جسديٍ أقسى بكثير من الفقر في أية صورة من صوره، الأمر الذي جعل فقره قاسيًا جدًا. وبجانب هذا الضعف أيضًا، كان محرومًا تمامًا من الذين يعولونه، مع صعوبة إيجاد أي مئونة لسّد أعوازه، الأمر الذي ضاعف من مرارة فقره وضعفه... فعدم وجود من يعوله يجعل ألمه أشد، واللهب أقسى، والكارثة أمرّ...

وهناك تجربة رابعة بجانب الجوانب الثلاثة السابقة، وهي عدم اكتراث الغني به بالرغم من ترفه.

وإن أردت، تجد أيضًا أمرًا خامسًا يزيد التهاب النار، أن الغني ليس فقط يعيش في حياة ترف، بل ويرى الفقير مرتين وثلاثًا بل ومرات عديدة يراه كل يوم ملقى عند بابه، إذ هو مشهد خطير لكارثة يُرثى لها. مجرد النظر إليه يكفي أن يلين القلب الحجري، ومع هذا فإن المنظر لم يدفع الرجل القاسي إلى مساعدة هذا الفقير إلى هذه الدرجة؛ إنما كان يقيم مائدته المترفة، عليها الكؤوس المزينة بالورود، والنبيذ النقي يُصب بغزارة. لديه جيوش من الطباخين والمتطفلين والمتملقين يعملون منذ الفجر المبكر، وفرق من المغنين وحاملي الكؤوس والمهرجين، ويقضي كل وقته منغمسًا في الملذّات والسكر والأكل بشراهة، متنعمًا بالملبس والأكل وبأمور أخرى كثيرة.

فمع أنه كان يرى هذا الفقير منكوبًا بالجوع الزائد والضعف الجسدي المرّ، وبالقروح الكثيرة والحرمان والمرض الناتج عن هذا الحال، إلا أنه لم يفكر فيه. فالمتطفلون والمتملقون كانوا يتنعمون بأكثر من احتياجاتهم، أما الفقير - الذي كان فقيرًا جدّا ومنكوبًا بمآسي كثيرة - لم يُعطَ له حتى الفُتات الساقط من مائدته بالرغم من اشتهائه له بشوق عظيم.

رغم هذا كله، فإن شيئًا من هذه الأمور لم تؤذِ لعازر إذ لم ينطق بكلمة قاسيَّة، ولا تكلم بحديث دنيء، إنما كقطعة الذهب التي تشع ببريق أعظم كلما تنقت بنار متزايدة.

بالرغم من هذه الضيقات التي أحاطت به، إلا أنه تسامى عليها، وعلى ما تنتجه هذه الأمور من هياج.

فإن كنا نتكلم عن الفقراء عامة، وما يثور في نفوسهم من حسدٍ وما يتعذبون به من تفكير الحقد الرديء، عند رؤيتهم للأغنياء ناظرين إلى أنه لا تستحق الحياة المتسمة بالفقر أن توجد، هذا يفكر فيه الفقراء الذين يجدون القوت الضروري ولهم من يعطيهم أعوازهم، فكم يكون هذا الفقير لعازر؟ ألم يكن بحق حكيمًا جدًا، طيب القلب، إذ يرى نفسه أفقر من كل الفقراء، بل وبه ضعف، وليس له من يقيه أو يعطف عليه، مُلقى في وسط المدينة وكأنه في وسط صحراء بعيدة، يتلوى من مرارة الجوع، ويرى كل الخيرات تتدفق على الغني كما من نافورة؟ ليس له أية تعزية بشريَّة، ملقى كغذاء دائم تلحسه ألسنة الكلاب، ومن ضعفه وتحطيم جسده لا يقدر حتى على طردها!

أما تدرك إذن أن الذي لا يؤذي نفسه لا يقدر أن يؤذيه شيء؟... لأنه أي ضرر أصاب هذا من ضعف جسده أو عدم وجود من يحميه أو التفاف الكلاب حوله أو من شر مجاورته للغني ورؤيته عظم الترف والتنعم والكبرياء الذي للأخير؟ هل هذه الأمور أضعفته ليضاد الفضيلة؟ هل أوهنت هدفه؟

إنه لم يؤذه شيئًا بالكليَّة، بل كثرة أتعابه مع قسوة الغني، زودته قوَّة، وصارت بالنسبة له دعامة لنوال أكاليل النصرة غير المتناهية، كوسائل تزداد بها مكافأته، وباعث لنوال جزائه... إذ كان يحتمل تجربته بشجاعة وثبات عظيم.]

ثالثًا: يرى القدِّيس أمبروسيوس من الجانب الرمزي أن هذا الغني يشير إلى المعلمين المتعجرفين خاصة الهراطقة، أما لعازر المسكين فيشير إلى الرعاة الكارزين خلال مسكنة الروح. كان الغني "يلبس الأرجوان والبز، وهو يتنعم كل يوم مترفهًا"، هكذا يختفي الهراطقة وراء الألفاظ البرّاقة والتعبيرات المخادعة كزي ثمين خارجي يخفي وراءه انحراف الإيمان. لهذا الغني خمسة إخوة يرتبط بهم خلال علاقة الجسد، وكأنهم بالحواس الخمس التي يدنسها الهراطقة، فبينما يظهرون كمتعبدين وأصحاب علم إذا بحياتهم الداخليَّة فاسدة خلال حواس جسدانية شهوانية غير مقدَّسة للرب. أما الفقير فكان يدعى "لعازر"، أي "إلهي معين". فالخادم الحقيقي هو الذي لا يتكئ على ذاته، وإنما على الله معينه. الذي يفيض على حياته الداخليَّة بنعمته الفائقة، ويعمل به أيضًا في كرازته ورعايته، يقول مع الرسول بولس: "لنا هذا الكنز في أوانِ خزفيَّة ليكون فضل القوَّة لله لا منا"، "ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئًا كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله" (2 كو 4: 7؛ 3: 5).

رابعًا: يقول السيِّد المسيح: "كان إنسان غني، وكان يلبس الأرجوان والبزّ، وهو يتنعم كل يوم مترفهًا. وكان مسكين اسمه لعازر الذي طرح عند بابه مضروبًا بالقروح" [19-20].

أسألك أن تلاحظ بدقة كلمات المخلِّص... لقد دعاه "غنيًا" هكذا، أما الفقير فأشار إليه بالاسم. ماذا نستنتج من هذا؟ أن الغني بكونه غير رحيم كان في حضرة الله بلا اسم، إذ قيل في موضع آخر بصوت المرتل عن الذين لا يخافون الرب: "لا أذكر أسماءهم بشفتي" (مز 16: 4)، أما الفقير فكما قلت فذُكر اسمه بلسان الله.

القدِّيس كيرلس الكبير


أشار ربَّنا إلى اسم الفقير دون اسم الغني إذ يعرف الله المتواضع ويزكيه دون المتكبر.

البابا غريغوريوس (الكبير)


[عن اهتمامه بالملابس الخارجيَّة من أرجوان وبزّ]

لقد تغطى التراب والرماد والأرض بالأرجوان والحرير، أو حمل التراب والرماد والأرض عليه أرجوانًا وحريرًا. وكما كانت ثيابه هكذا كان طعامه (يأكل جسده الترابي الطعام المترف).

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 16 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك