إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الرب هو الطبيب العظيم الذي يشفي الجروح ، سيشفي كل جروحك مهما كان عمقها أو اتساعها أو قدمها

الأنبا انطونيوس

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 16 جـ2 PDF Print Email

هكذا يعلن السيِّد المسيح عن الصدقة كتحويل لممتلكاتنا من هذا العالم الزائل إلى رصيد أبدي في المساكن العلويَّة. وقد دعا السماء "مظالاً أبديَّة"، لأن اليهود كانوا يهتمون جدّا بعيد المظال، ويحسبونه عيد الفرح الحقيقي، فيه يسكنون مظالاً من أغصان الشجر لمدة أسبوع. هكذا تهيئ لنا الصدقة نصيبًا لعيدٍ أبديٍ مفرحٍ، فنقيم في السماء مع مصاف القدِّيسين.

سادسًا: يُعلِّق أيضًا السيِّد المسيح على هذا المثل، قائلاً:

"الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير. والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير، فإن لم تكونوا أمناء في مال الظلم، فمن يأتمنكم على الحق؟! وإن لم تكونوا أمناء فيما هو للغير، فمن يعطيكم ما هو لكم؟!" [10-12]

v القليل هو مال الظلم، أي الثروة الزمنيَّة التي غالبًا ما جُمعت خلال الابتزاز والطمع. لكن الذين يعرفون كيف يعيشون الحياة الفاضلة، ويعطشون للرجاء فيما هو مخّزن، ويسحبون فكرهم عن الأرضيات، مفكرين بالحري في العلويَّات، هؤلاء يستهينون بالغنى الزمني تمامًا، إذ لا يقدَّم إلا الملذّات والانغماس في الترف والشهوات الجسديَّة الدنيئة، والبهاء الذي لا ينفع، بل هو وقتي وباطل. لذلك يعلمنا أحد الرسل القدِّيسين، قائلاً: "لأن كل ما في العالم شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة" (1 يو 2: 6). لكن مثل هذه الأمور لا تساوي شيئًا مطلقًا لمن يعيشون الحياة المتعقلة الفاضلة، إذ هي أمور تافهة ووقتيَّة ومملوءة دنسًا، وتثير النار والدينونة، وغالبًا ما تحطم حياة الجسد نهائيًا. لذلك انتهر تلميذ المسيح الأغنياء، قائلاً: "هلم الآن أيها الأغنياء، ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة، غناكم قد تهرأ، وثيابكم قد أكلها العث، ذهبكم وفضتكم قد صدئا، وصدأهما يكون شهادة عليكم" (يع 5: 1-3). كيف يصدي الذهب والفضة؟ بتخزينهما بوفرة شديدة، فيكون ذلك شهادة ضدهم أمام كرسي الحكم الإلهي إنهم غير رحومين. فإنهم إذ جمعوا في كنوزهم فيض عظيم بلا ضرورة، غير مبالين بالمحتاجين مع أنه كان في قدرتهم لو أرادوا أن يمنحوا الخير بسهولة لكثيرين، لكنهم "كانوا غير أمناء في القليل".

ولكن كيف يصير البشر أمناء، هذا يعلمنا إيَّاه المسيح، وسأشرح ذلك.

سأله فرِّيسي أن يأكل معه خبزًا في يوم سبت، وقد وافق المسيح على ذلك. وإذ ذهب هناك جلس ليأكل فاجتمع كثيرون آخرون يأكلون معهما. ولم يكن من بينهم من يمثل المحتاجين، بل على العكس كانوا جميعًا أناسًا عظماء ومعروفين محبين للمتكآت الأولى، ظمأى للمجد الباطل، كمن يلتحفون بكبرياء الغنى. ماذا قال المسيح للذي دعاه؟ "إذا صنعت غداء أو عشاء فلا تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء لئلاَّ يدعوك هم أيضًا فتكون لك مكافأة؛ بل إذا صنعت ضيافة فادع المساكين الجُدع العرج العمي، فيكون لك الطوبى، إذ ليس لهم حتى يكافئوك، لأنك تُكافئ في قيامة الأبرار" (لو 14: 12-14).

هذا كما أظن الأمانة في القليل، أن يترفق الإنسان بالمحتاج، ويعين من هم في ضائقة بما لديه...

إن كنا غير أمناء في القليل بعدم تشكيلنا حسب إرادة الله، باذلين كل إمكانياتنا على ملذّاتنا وكبريائنا، فكيف نتقبل من الله ما هو حق؟ ما هو هذا الحق؟ منحنا الهبات الإلهيَّة بفيض هذه التي تزين النفس وتشكل فيها جمالاً ربانيًا. هذا هو الغنى الروحي، لا الذي يسمن الجسد الذي يفسده الموت، وإنما الذي يخلص النفس، ويجعلها مستحقة للمباهاة والكرامة قدام الله، فتربح لنفسها المدح الحقيقي.

إذن، من واجبنا أن نكون أمناء لله، أنقياء القلب، رحماء، لطفاء، أبرارًا، مقدَّسين، فإن هذه الأمور تطبع فينا خطوط التشبه الإلهي، وتجعلنا كاملين كورثة للحياة الأبديَّة. هذا إذن ما هو حق!

هذا هو مغزى كلمات المخلِّص وقصدها، الأمر الذي يمكن للإنسان أن يتعلمه مما تبع ذلك، إذ قال: "وإن لم تكونوا أمناء في ما هو للغير، فمن يعطيكم ما هو لكم؟" [12].

مرة أخرى نقول أن ما هو للغير هو الغنى الذي نمتلكه، إذ لم نولد ومعنا الغنى، بل بالعكس وُلدنا عراة، ويمكننا بحق أن نؤكد كلمات الكتاب المقدَّس: "لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء" (1 تي 6: 7). كما نطق أيوب الصبور بكلمات من هذا النوع: "عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك" (أي 1: 21). إذن ليس أحد بالطبيعة غنى بذاته، ويعيش في غنى وفير. إنما أضيف إليه ذلك من الخارج كفرصة سنحت له، فإن انتهى الغنى وباد لا يضر هذا بطبيعته البشريَّة. فإننا لسنا كائنات عاقلة، ماهرين في كل عمل صالح بسبب الغنى، وإنما طبيعتنا قادرة على ذلك (الحياة الفاضلة)... الطبيعة البشريَّة هي ملكنا متأهله لكل عمل صالح، كما كتب الطوباوي بولس: "مخلوقين لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" (أف 2: 10).

لذلك عندما نكون غير أمناء في ما هو للغير، أعني في الأمور التي تُضاف إلينا من الخارج، فكيف نتقبل ما هو لنا؟ كيف يمكن أن نصير شركاء في الأعمال الصالحة التي يهبها الله، التي تزين النفس وتطبع عليها جمالاً إلهيًا، وتشكل فيها بطريقة روحيَّة البرّ والقداسة والأعمال المستقيمة التي تمارس بمخافة الله؟

ليت الذين يملكون منا غنى أرضيًا يفتحون قلوبهم للمحتاجين، فنظهر أمناء ومطيعين لنواميس الله، وتابعين لإرادة ربَّنا في الأمور التي هي في الخارج والتي ليست مالنا، فنتقبل ما هو لنا، أي الجمال المقدَّس العجيب الذي يشكله الله في نفوس البشر، فيجعلهم على شبهه كما كنا في الأصل.

القدِّيس كيرلس الكبير


ما هو للغير: كمية من الذهب أو الفضة؛ أما ما هو لك فهو الميراث الروحي، إذ قيل في موضع آخر: "فديَّة حياة (نفس) إنسان غناه" (أم 13: 8).

القدِّيس جيروم


إن كنا لا نبالي بالأمور المنظورة (نستهين بالعطاء...) فكيف يعلن لنا الله ما هو غير منظور؟

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


سابعًا: يضع السيِّد المسيح حدًا فاصلاً بين قبول صداقته والارتباك بمحبَّة المال، قائلاً: "لا يقدر خادم أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" [13].

خادم المسيح الكامل ليس له شيء بجانب المسيح؛ فإن كان له شيء بجانب المسيح فهو ليس كاملاً.

القدِّيس جيروم

"لا يقدر خادم أن يخدم سيدين"، ليس لأنه يوجد سيدان، إنما سيد واحد، إذ ليس للمال حق السيادة، إنما الإنسان هو الذي يثقل نفسه بنير العبوديَّة (للمال).

ليس للمال سلطان عادل إنما عبوديَّة ظالمة، لذلك قال: "اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم"...

لا تكن عبدًا للمال، ولا للملذّات الخارجيَّة، إذ يليق بك ألا تعترف بسيدٍ آخر غير المسيح.

القدِّيس أمبروسيوس

يستحيل على شخص بذاته أن ينقسم بين متناقضات ويعيش بلا لوم. هذا أظهره بقوله: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين"... لا يمكن أن نخدم الله ومحبَّة المال...

ليت كل واحدٍ منا يستبعد من ذهنه تمامًا أن يكون عبدًا للمال، فنحني رقبتنا للمسيح مخلِّصنا جميعًا بكل حريَّة بلا مانع.

القدِّيس كيرلس الكبير


الوكيل الذي يسيء تدبير أمور سيِّده ويفقد ممتلكاته يخاف من مواجهته، وعلى العكس الوكيل الذي يدبر أمور سيِّده حسنًا دائما يلتقي به ببهجة.

القدِّيس جيروم

اظهر في القليل ما تود أن تفعله متى كان لك الكثير... قدَّم برهانًا كالأرملة التي كان لها فلسين فقدَّمتهما، قدَّمت كل ما تملكه.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


2.الصداقة الإلهيَّة ومحبَّة المال


إذ لمس السيِّد المسيح إله الفرِّيسيِّين ووضع يده على جرحهم الحقيقي: "محبَّة المال" لم يطيقوا أن يسمعوه، فصاروا يستهزئون به، إذ قال الإنجيلي: "وكان الفريِسيُّون أيضًا يسمعون هذا كله وهم محبون للمال فاستهزأوا به. فقال لهم: أنتم الذين تبررون أنفسكم قدام الناس، ولكن الله يعرف قلوبكم، أن المستعلي عند الناس هو رجس قدام الله" [14-15]. هذا هو داء الفرِيسيِّين "محبة المال" الذي ملك كإله في القلب، مكتسيًا بكبرياء وعجرفة واستعلاء، فعوض اعترافه بشره يتظاهر بالغيرة على الناموس والتدقيق في تنفيذ الشريعة بحرفيَّة قاتلة.

إذ يكشف الرب مكرهم الخفي يؤكد تظاهرهم بالبرّ.

الأب ثيؤفلاكتيوس


أخبرهم السيِّد أنه من واجبهم أن يبيعوا ممتلكاتهم ويوزعونها على الفقراء فيملكون في السماء كنزًا لا يمكن أن يُسرق، وثروة لا تُنتهك، وغنى لا يبدد، فلماذا سخروا به؟ لأن التعليم كان وقورًا، طريقًا للرجاء في الأمور المقبلة، وبابًا يقود الحياة التي بلا فساد، لأنه كان يعلمهم طرق الغنى الحقيقي وكيفيَّة نوال إكليل الدعوة السمائية، كيف يصيرون شركاء مع القدِّيسين وأبناء المدينة العلويَّة، أورشليم التي في السماء، أمنا الحرة حقًا (غل 4: 26)...

لماذا سخروا به؟ لأن هوى الطمع قد ملك على قلوبهم؛ وطغيانه سيطّر على ذهنهم، فكانوا في مذلة حتى بغير إرادة، ساقطين تحت سلطان الشر، ومقيدين برباطات لا تنحل. يقول كاتب سفر الأمثال: "بحبال خطيته يُمسك" (أم 5: 22)...

كما أن الفرس الذي يصعب أن يُلجم وأن يُدار، الثائر، لا يطيع تحركات اللجام، هكذا ذهن الإنسان الساقط تحت تأثير الأهواء والمنجرف تمامًا نحو الشر هو غير مطيع ولا يمكن اجتذابه رافضًا الشفاء ببغضة.

إذ عرض المخلِّص عليهم كلمات كثيرة، ورأى أنهم لا يريدون تغيير أهدافهم المخادعة وأهوائهم، مفضلين بالحري بقاءهم في غبائهم الفطري أخذ يوبخهم بعنفٍ... لقد أظهر أنهم مراءون وكذابون... شغوفون نحو المجد اللائق بالأبرار والصالحين دون أن يصيروا هكذا؛ لا يطلبون رضا الله، بل العكس يشغفون نحو الكرامات البشريَّة. لذلك قال: "أنتم الذين تبررون أنفسكم قدام الناس، ولكن الله يعرف قلوبكم، أن المستعلي عند الناس هو رجس قدام الله" [15]. وقد وُجد السيِّد في موضع آخر يقول لهم: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدّا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟!" (يو 5: 44). فإن إله الكل يتّوج بالكرامة الأبرار الذين هم بالحق صالحون، أما المراءون الذين لا يحبون الفضيلة، فيسرقون خلال كلماتهم (المخادعة) مجرد السمعة كمكرمين...

"لله يعرف قلوبكم"، الديان لا يمكن أن يُخدع، إذ يعرف أعماق الذهن، يعرف المجاهد الحقيقي وسارق الكرامة التي يستحقها الغير خلال الخداع. بينما يكرم الله الأبرار الحقيقيين، إذا به يبدد عظام الذين يرضون البشر (مز 53: 5).

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ليس فقط الزنا والدعارة هما اللذان يدنسان من يمارسهما، لكن الكبرياء أيضًا يدنس الإنسان أكثر منهما.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 16 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك