إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بدلاً من أن تجرح الناس حاول أن تكسبهم

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 16 جـ1 PDF Print Email



اغتصاب الصداقة الإلهيَّة


في الأصحاح السابق أبرز السيِّد المسيح بأمثلة ثلاثة عن مدى شوق الله لصداقتنا معه، معلنًا حبه وبذله من أجلنا نحن الخطاة ليحملهم إلى مقدَّسه كأبناء بيت الله، وموضع سرور السماء وفرحها. لكن هذا الحب الفائق يلزم مقابلته بالحب والحكمة لاغتصابه. بمعنى آخر الله في محبَّته للإنسان لم يجعله آلة جامدة تتجاوب مع حب الله لاإراديًا، إنما خلقه سيدًا له كمال حريَّة الإرادة، له أن يقبل الصداقة أو يرفضها. الآن يقدَّم لنا السيِّد مثلين ليحثُّنا على اغتصاب صداقته بكمال حريتنا، هما مثل وكيل الظلم ومثل لعازر والغني.

1. مثل وكيل الظلم 1-13.

2. الصداقة الإلهيَّة ومحبَّة المال 14-15.

3. الصداقة الإلهيَّة والوصيَّة الصعبة 16-18.

4. مثل لعازر والغني 19-31.

1. مثل وكيل الظلم


إذ تحدَّث رب المجد يسوع بأمثال عن مدى شوقه لاجتذاب الخطاة عن طريق ضلالهم للدخول بهم إلى مقدَّسه، وجه حديثه إلى تلاميذه في حضرة الفرِّيسيِّين الذين عُرفوا بحب المال [14] والمجد الباطل، مقدَّما لهم مثلاً عن وكيل ظالم يبذر أموال سيِّده، وإذ سأله الموكل أن يقدَّم حساب الوكالة لينزعها عنه حاول أن يكسب له أصدقاء ظلمًا حتى متى طُرد من الوكالة يقبله الأصدقاء في بيوتهم. وقد امتدح السيِّد هذا الوكيل، لا في تبذيره الأموال، ولا في ظلمه، وإنما في حكمته بكسبه أصدقاء له واهتمامه بالحياة المقبلة، فيقدَّم متاع الدنيا الحاضرة لأجل الراحة في المستقبل.

نستطيع قبل أن نستعرض أقوال الآباء في هذا المثل أن نوجز باختصار غاية هذا المثل في النقاط التاليَّة:

أولاً: إن كانت الأمثلة السابقة تعلن عن الحب الأبوي الإلهي نحو الخطاة، فإنه من واجب الخطاة في توبتهم وعِودتهم إلى بيت أبيهم أن يتذرعوا بالحكمة. كما استهان هذا الوكيل بالحاضر من أجل راحته المقبلة، هكذا يليق بنا في توبتنا أن نسلك بروح الحكمة التي تتعدى الاحتياجات الزمنيَّة وتعبر بنا إلى طلب الراحة العتيدة في السماويات.

ثانيًا: أبرز المثل السابق "الابن الضال" عودة الخاطي إلى بيت أبيه نادمًا وتائبًا. هنا في هذا الأصحاح يحدثنا عن الصدقة وحب العطاء، لا كما من مالنا، بل مما أوكلنا الله عليه، فنكسب لنا أصدقاء من مال موكلنا فيقبلوننا معهم في السماوات.

الآن نعود إلى المثل نفسه، إذ يقول الإنجيلي لوقا:

"وقال أيضًا لتلاميذه: كان إنسان غني له وكيل، فوُشي به إليه بأنه يبذر أمواله. فدعاه وقال له: ما هذا الذي أسمع عنك؟ أعط حساب وكالتك، لأنك لا تقدر أن تكون وكيلاً بعد. فقال الوكيل في نفسه: ماذا أفعل؟ لأن سيدي يأخذ مني الوكالة، لست أستطيع أن أنقب، وأستحي أن أستعطي. قد علمت ماذا أفعل حتى إذا عُزلت عن الوكالة يقبلونني في بيوتهم. فدعا كل واحدٍ من مديوني سيِّده، وقال للأول: كم عليك لسيدي؟ فقال: مئة بث زيت، فقال له: خذ صكك، واجلس عاجلاً، واكتب خمسين. ثم قال لآخر: وأنت كم عليك؟ فقال مئة كرّ قمح، فقال له: خذ صكك وأكتب ثمانين. فمدح السيِّد وكيل الظلم، إذ بحكمة فعل، لأن أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم. وأنا أقول لكم: اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبديَّة" [1-9].

ويلاحظ في هذا المثل الآتي:

أولاً: يرى البعض أن هذا المثل لم يكن غريبًا على مسامع اليهود في ذلك الحين، إذ يشير الرجل الغني الموكل إلى الدولة الرومانية، التي تركت أمر الجباية في يدّ العشارين الذين يجمعون لحسابها مع اغتصاب الكثير لحسابهم الخاص. فمع جشع الدولة الرومانية كمستعمر إلا أنها كانت تمتدح العشارين الذين يتصرفون في هدوءٍ مع الناس عند جمع الجباية. فالعشار المعتدل في تصرفه يستطيع على المدى الطويل أن يجمع أكثر للدولة كما ينال نصيبًا أوفر، ولا يرهق الممولين، أما العنيف فيحطم الممولين، ويفقد هو سلامه، ولا تستريح الدولة لتصرفاته على المدى الطويل. فالوكيل المذكور هنا حين تنازل عن بعض مما ورد في الصكوك تصرف بحكمة، إذ يخفف عبء الجباية عن اليهود، وفي نفس الوقت يمكن للدولة الرومانية أن تحصل هذه الجباية وإن كانت أقل لكنها بطريقة أسهل.

ثانيًا: يؤكد القدِّيس كيرلس الكبير في تعليقه على هذا المثل كما في مواضع أخرى كثيرة، أن السيِّد المسيح إذ يقدَّم لنا مثلاً لا يقصد بنا أن نطبقه في كل الجوانب، وإنما في الجانب الذي قصده السيِّد. هكذا لا يليق بنا أن نتمثل بهذا الوكيل بتبذيره أموال الوكالة ولا بتلاعبه في الصكوك، وإنما نتمثل بالتزامنا بالحكمة والنظرة المستقبليَّة (الأبديَّة).

الوكيل الذي طرده سيِّده من وكالته قد مُدح لأنه حصَّن نفسه من المستقبل...

يلزمنا ألا نتمثل نحن به في كل شيء، إذ لا يليق بنا أن نخدع سيدنا، فنقدَّم الصدقة خلال الخداع...

من ناحيَّة أخرى قيل هذا المثل لكي ندرك أنه أن كان الوكيل الذي عمل بخداع استطاع أن ينال مديحًا... فكم بالحري الذين يسرون الله بتنفيذهم وصاياه في أعمالهم؟!

القدِّيس أغسطينوس


ثالثًا: يقول السيِّد المسيح: "لأن أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم" [8]. الإنسان الذي يعمل لحساب حياته الزمنيَّة يُحسب ابنًا لهذا الدهر، أما من يعمل لحساب مملكة النور الأبديَّة، فيحسب ابنًا للنور. يود الله أن يكون أبناء النور عاملين بحكمة من أجل هذا الهدف: التمتع بمملكة النور، لكن للأسف أحيانًا يسقطون في التهاون، فيفقدون الحكمة السماويَّة، ليصير السالكون في هذا العالم أكثر منهم تعقلاً من جهة تحقيق غايتهم.

يقصد بأبناء هذا الدهر أولئك الذين يضعون فكرهم في خيرات الأرض؛ وأبناء النور الذين ينشغلون بالكنوز الروحيَّة خلال الحب الإلهي. أحيانا في تدبير الأمور البشريَّة نسلك بتعقل منهمكين فيها حتى متى رحلنا نجد ملجأ لحياتنا، بينما ونحن نوجه الأمور الإلهيَّة لا نفكر في نصيبنا هناك.

الأب ثيؤفلاكتيوس


رابعًا
: لقد سلّم الموكل أمواله في يدّي الوكيل. وهكذا نعيش نحن كوكلاء الله، كل ما هو بين أيدينا من عمل يديه أو عطيَّة من عنده، سواء مواهبنا أو قدراتنا أو دوافعنا أو عواطفنا أو ممتلكاتنا حتى جسدنا وأوقاتنا. نحن وكلاء، سنعطى حسابًا عن كل كلمة. غاية الله من هذه الوكالة ليس مكسبًا ماديًا ملموسًا، إنما تدريبنا على سمة "الأمانة"، هذه التي بها نتأهل لننال النصيب الأعظم في السماوات. الله لا يشغله في العالم شيء إلا أن يرانا أولادًا له نحمل سماته فينا التي تتمركز في "الأمانة". إن كان الله قد دعي "الأمين" (1 كو 1: 9؛ 10: 13؛ 1 تس 5: 24؛ 2 تس 3: 3، 2 تي 2: 13، عب 2: 17؛ 3: 2؛1 يو1: 9، رؤ 3: 14؛ 19: 11) فإنه يود في أبنائه أن يكونوا أمناء على مثاله، إذ يوصينا: "كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤ 2: 10).

إن كنا وكلاء على ما هو ليس لنا ـ كما يقول القدِّيس أمبروسيوس ـ يلزمنا أن نسلك بروح الأمانة، فنحمل سمة سيدنا.

عندما لا ندير ثروتنا حسب مسرة ربَّنا، نُفسد أمانتنا لحساب ملذّات، ونُحسب وكلاء مذنبين.

الأب ثيؤفلاكتيوس


خامسًا: دعا السيِّد المسيح ما لدينا من أموال وإمكانيات وقدرات "مال الظلم"، لماذا؟ لأن توزيع هذه الأمور بين البشريَّة يسوده قانون الظلم، فيُولد طفل ليجد والديه قد أورثاه الملايين، بينما يُولد آخر ليجدهما أورثاه ديونًا ومشاكل بلا حصر. إنسان يُوهب ذكاء أو صحة أو قدرات ومواهب يُحرم منها غيره. فما نملكه وإن كنا لم نغتصبه ظلمًا، لكننا تسلمناه في عالم يسوده قانون الظلم. لذا يليق بنا أن نستغله فيما هو لبنياننا في العالم الآخر حيث لا يوجد "ظلم". لنقتنِ به أبديتنا!

في حكمة عاش الكثير من آبائنا يحرصون على تنفيذ هذه الوصيَّة الربانية: "اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم، حتى إذا فنيتم (متم جسديًا) يقبلونكم في المظال الأبديَّة" [9]، ويحثوننا على ممارستها بطريقٍ أو آخر، فمن تعليقاتهم:
كيف يمكننا أن نقيم لأنفسنا أصدقاء من المال، إن كنا نحب المال، ولا نحتمل فقدانه؟ فإننا بهذا سنهلك مع فقداننا للمال أيضًا!

العلامة ترتليان

الأمور الزمنيَّة تُدعى أمورًا خارجيَّة، لأنها خارج عنا. لنحولها إلى أمور داخليَّة؛ فإن كنا لا نستطيع أن نحمل غنانا معنا عندما نرحل من هنا لكننا نستطيع أن نحمل محبتنا. حريّ بنا إذن أن نرسلها أمامنا فتعد لنا موضعًا في المساكن الأبديَّة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

إن خدمت القدِّيسين (الفقراء) فستشاركهم مكافأتهم.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


بالعطاء للفقراء نقتني رضى الملائكة وسائر القدِّيسين.

القدِّيس أمبروسيوس

الصدقة هي أكثر الفنون مهارة؛ لا تبني لنا بيوتًا من الطين بل تخّزن لنا حياة أبديَّة. في كل الفنون نحتاج إلى من يعيننا، أما بالنسبة لإظهار الرحمة فلا نحتاج إلا إلى الإرادة وحدها.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

الصداقة المجردة لا تحمينا ما لم تتبعها أعمال صالحة، ما لم ننفق ثروتنا ببرّ هذه التي جُمعت بطريقة ظالمة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


لقد أظهر أن كل ممتلكات الإنسان التي تحت سلطانه بالطبيعة هي ليست له، وأنه يُسمح له بممارسة أعمال البرّ المخلِّصة خلال مال الظلم هذا، إذ به يعول من لهم مسكن أبدي مع الآب.

القدِّيس إكليمنضس السكندري


كثيرًا ما يكون الغنى لصالحنا كقول الرسول الذي يطلب من الأغنياء أن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي بهذا يمسكوا بالحياة الأبديَّة ( 1تي 6: 18-19)؛ وكما يقول الإنجيل بأن هذا الغنى يكون للخير لمن يصنع لنفسه أصدقاءً بمال الظلم. يمكن أيضًا أن يوجه الغنى للشر، عندما نحشده للتخزين، أو للتنعم، غير مبالين باحتياجات الفقراء.

الأب تادرس

أعطِ خيراتك لا للذين يطعمهم الفلاحون (أصحاب الحقول)، بل للذين ليس لهم سوى الخبز كطعام يقوَّتهم... اهتم بالفقراء والمحتاجين.

(يتحدَّث عن ضرورة اهتمام الكنيسة بالفقراء لا بفخامة المباني الكنسيَّة)

قدَّس ربَّنا بفقره فقر بيته، لذلك فلنفكر في صليبه ونحسب الغنى نفاية.

لماذا تعجب من قول السيِّد: "مال الظلم"؟ لماذا نطلب ونحب ما افتخر بطرس بأنه لا يمتلكه (أع 3: 6)؟

(في حديثه عن السيِّدة Proba)

باعت ممتلكاتها واقتنت لنفسها أصدقاء من مال الظلم، فتتسلم ذلك في المساكن الأبديَّة.

حسنًا، هل يسقط خدام الكنيسة، أيا كانت رتبتهم، والرهبان الذين هم رهبان بالاسم، في العار باقتنائهم ممتلكات بينما تبيع هذه الشريفة ممتلكاتها؟!

القدِّيس جيروم

السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 16 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك