إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بينما يبحث علماء اللاهوت فى هذه الأمور العويصة يكون كثير من البسطاء تسللوا داخلين إلى ملكوت الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 15 جـ2 PDF Print Email



2. الدرهم المفقود

يكشف المثال السابق عن حب الراعي، الذي أخلى ذاته ونزل إلى أرضنا باحثًا عن الإنسان المتكبر، لا ليعنفه، ولا ليجرح مشاعره، بل بالحب يضمه إلى صدره، ويحمله على كتفيه ويرده إلى جمهور السمائيين. وفي المثل التالي يقدَّم لنا صورة لما يجب أن تكون عليه الكنيسة عروس الراعي، والحاملة ذات سماته الخاصة تجاه الساقطين، تبحث بالحب عنهم وتترفق بهم وتبتهج برجوعهم، إذ يقول:

"أو أية امرأة لها عشرة دراهم أن أضاعت درهمًا واحدًا ألا توقد سراجًا، وتكنس البيت، وتفتش باجتهاد حتى تجده؟! وإذا وجدته تدعو الصديقات والجارات، قائلة: "افرحن معي لأني وجدت الدرهم الذي أضعته". هكذا أقول لكم يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب" [8-10].

بالمثل السابق أشار الخروف الضال إلى العائلة التي على الأرض، إذ نعرف أننا ملك الله إله الكل الذي يخلق الموجودات من العدم، وكما كتب: "هو خلقنا وليس نحن" (مز 100: 3)، وأيضًا: "هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده" (مز 95: 7). وبهذا المثل الثاني الذي فيه يقارن المفقود بدرهم، وأنه واحد من عشرة، أي من رقم كامل... واضح أننا نحمل الشبه الملوكي والصورة الملوكيَّة التي لإله الكل، لأن الدرهم كما أظن مختوم عليه الشبه الملوكي. فإن كنا قد سقطنا وصرنا مفقودين، وجدنا المسيح وشكلّنا بالقداسة والبّر على صورته، الأمر الذي لا يشك فيه أحد إذ كتب الطوباوي بولس هكذا: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها، من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" (2 كو 3: 18). وبعث إلى أهل غلاطيَّة هذه الكلمات: "يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غل 4: 19).

لقد تم البحث عما قد سقط، فأضاءت المرأة السراج، وكما قلت لقد وُجدنا نحن بواسطة حكمة الله الآب، الذي هو الابن، عندما أشرق بنوره الإلهي العقلي علينا، وأشرقت الشمس، وانفجر النهار وطلع كوكب الصبح (2 بط 1: 19) كقول الكتاب. فقد قال الله أيضًا في موضع آخر بواسطة أحد الأنبياء القدِّيسين عن المسيح مخلِّصنا نحن جميعًا: "يقترب برّي سريعًا، وتعلن رحمتي، ويتقد خلاصي كمصباح" (إش 62: 1 الترجمة السبعينيَّة). كما قال السيِّد عن نفسه: "أنا نور العالم" (يو 8: 12)، كما قال : "أنا قد جئت نوراُ إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة" (يو 12: 46). إذن بالنور قد خلص ما قد هلك، فصار فرح للقوات العلويَّة.

القدِّيس كيرلس الكبير

فرح هذه المرأة التي وجدت الدرهم المفقود ليس بقليل الأهمية، لأن الدرهم عليه صورة الملك. هذه الصورة نملكها في الكنيسة.... أقول ليتنا كخراف نتضرع لله كي يقودنا إلى مياه الراحة (مز 22: 2) ونطلب المراعي، وكدراهم فلنحتفظ بقيمتنا (نحمل صورة الملك فينا) وكأبناء نرجع إلى أبينا.

القدِّيس أمبروسيوس

المرأة هنا والراعي يحملان ذات المعنى، إذ يمثلان الله وحكمة الله.

لما كان الدرهم عملة تحمل صورة، هكذا المرأة التي تفقد الدرهم تعني عندما يشرد الإنسان المخلوق على صورة الله، إذ يفقد تشبهه بخالقه بسبب الخطيَّة.

تضيء المرأة سراجها [8]، إذ ظهرت حكمة الله للبشر. فالسراج في بساطة هو نور يوضع على حامل، أما هنا فالنور هو اللاهوت اتَّخذ ناسوتًا (صار إنسانًا). ذاك الذي هو الحكمة يتحدَّث عن منارة جسده بكلمات المزمور: "يبست مثل شقفة قوتي" (مز 22: 15). كما أن الطين يتثقل بالنار، هكذا جفت قوَّته كذاك الطين، بمعنى أنه باحتماله آلامه تقوىّ الجسد الذي حمل مجد القيامة. أُوقد السراج مرة وفُتش البيت، فإنه ما أن ظهر لاهوته في الجسد حتى ارتعب ضمير الإنسان بحقيقة خطيته العظيمة (كأنه بالبيت الذي فُتش رأسًا على عقب).

جاءت الكلمة "Evertere" التي تعني انقلابًا للشيء (رأسًا على عقب) لا تختلف عما وردت في بعض المخطوطات "Emundre" التي تعني "كنس"، فإنه ما لم ينقلب العقل الذي انحط وذلك بالخوف لا يمكن أن يُنظف (يُكنس) من عاداته الرذيلة.

إذ فُتش البيت وُجد الدرهم، إنه إذ يرتبك ضمير الإنسان (على خطاياه) يكتشف صورة خالقه.

"وإذا وجدته تدعو الصديقات والجارات، قائلة: افرحن معي، لأني وجدت الدرهم الذي أضعته" [9]. من هن هؤلاء الصديقات والجارات إلا القوات السمائية الذين تحدَّثنا عنهم قبلاً؟! هؤلاء دائمًا بالقرب من الحكمة الإلهيَّة لأن النعمة تنيرهم بحضورها الدائم.

لكن، لنفكر في هذه الأمور، ولا ننسى السبب لماذا قيل عن هذه المرأة التي تمثل الحكمة الإلهيَّة عشرة دراهم، فقدت واحدًا ثم عادت فوجدته بعد البحث. لقد خلق الله الملائكة والبشر لكي يتعرفوا عليه، وإذ وهبهم الحياة الأبديَّة شكلهم بلا شك على صورته. كان للمرأة عشرة دراهم، لأن الملائكة تسع طغمات. وكان لابد أن يتم رقم المختارين بخلقه الإنسان، هذا الذي لم يُفقد حتى بعد العصيان إذ أضاء حكمة الله الأبديَّة على الكل لتظهر بالمعجزات التي تممها على الأرض مصلحًا مما أفدسته الخطيَّة بنور حضوره الجسدي كسراج على المنارة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

من هي المرأة ؟ إنها جسد المسيح. ما هو السراج؟ "هيأت سراجًا لمسيحي" (مز 132: 17)، لذلك كان يُبحث عنا حتى نوجد، وإذ نوجد ننطق. ليتنا لا نفتخر لأننا قبلاً لم نكن موجودين بل كنا نبقى هكذا مفقودين لو لم يُبحث عنا.

القدِّيس أغسطينوس


لقد أشعل السراج، أي جسده، وكنس البيت بتطهير العالم من الخطيَّة وطلب العملة والصورة الملوكيَّة التي طمستها الأهواء. أنه يدعو أصدقاءه، أي القوات الملائكيَّة عندما يجد عملته ليشاركوه فرحه، إذ سبق فجعلهم يشتركون (بالتسبيح) في سّر تجسده.

هذا هو غاية الله فينا، إذ صار إنسانًا من أجلنا وافتقر (2 كو 8: 9) لكي يقيم جسدنا (رو 8: 11)، ويرد صورته فينا ( لو 15: 9؛ 1 كو 15: 49)، ويجدد الإنسان لنصير كلنا واحدًا فيه.

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

يُقال أنه يكون فرح عظيم وعيد مبهج في السماوات عند الآب مع ملائكته عند عودة خاطئ واحد وتوبته.

القدِّيس إكليمنضس السكندري

السماوات والملائكة الذين فيها يفرحون بتوبة الإنسان.

آه أيها الخاطئ كن في بهجة صالحة!

انظر كيف يكون فرح في الرجوع والتوبة؟!

العلامة ترتليان


3. مثل الابن الضال

يُدعى "مثل الابن الناصح" أو "مثل الأب المحب"، لأنه بقدر ما يكشف عن جفاف قلب الابن الهارب من وجه أبيه المحب يشتاق الأب إلى عودته، ليستقبله بالقبلات، دون عتاب أو جرح لمشاعره، بينما وقف أخوه خارجًا في تذمر من أجل محبَّة الأب له.

"وقال: إنسان كان له ابنان. فقال أصغرهما لأبيه: يا أبي أعطني القسم الذي يصيبني من المال، فقسم لهما معيشته. وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة، وهناك بذر ماله بعيش مسرف" [11- 13].

في المثلين السابقين لم يكتفِ السيِّد المسيح بالكشف عن علاقة الله بالإنسان، إذ يبحث الله عنه كالراعي نحو خروفه الضال أو كالمرأة التي تضيء السراج وتنقب البيت وتفتشه من أجل الدرهم المفقود، وإنما كشف أيضًا عن علاقة السمائيين بنا. ففي المثل الأول ظهروا كتسعة وتسعين خروفًا لا يكمل عددهم إلا بعودتنا حيث تفرح السماء بخاطئ واحد يتوب، وكتسعة دراهم تكمل بنا نحن الدرهم المفقود. أما في المثل الذي بين أيدينا فيقدَّم صورة مُرّة لعلاقة الإنسان بأخيه، فيظهر الأخ الأكبر بالرغم مما يبدو عليه من تعقل وأمانة في العمل، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يتقبل أخاه الراجع إلى بيت الآب، بل يقف موقف الناقد لأبيه على اتساع قلبه للابن الراجع إليه. على أي الأحوال ظهور ابنين في المثل يكشف عن أمور كثيرة نذكر منها:

أولاً: لا يمكن الحكم على أحد مادام لا يزال في طريق الجهاد. فقد ظهر الأصغر في بدء حياته إنسانًا محبًا للملذّات، عنيفًا في معاملاته، إذ يطالب أباه بالميراث وهو بعد حيّ، مبددًا للوزنات غير أمين فيما بين يديه... لكنه يرجع بالتوبة إلى الأحضان الأبويَّة ليظهر لابسًا الثوب الجديد وخاتم البنوة وحذاء في قدَّميه ومتمتعًا بالوليمة في بيت أبيه. أما الآخر فقد بدأ حياته إنسانًا لطيفًا في معاملاته، يخدم والده، ولا يطلب أجرة يبقى في بيت أبيه، لكنه يختم حياته بالوقوف خارجًا ينتقد أباه على حبه، ويغلق قلبه نحو أخيه، فيفقد سلامه الداخلي وفرحه ليعيش بقلب مناقض لقلب أبيه.
ثانيًا: يبدو أن البعض ظن أن الابنين يشيران إلى الطغمات الملائكيَّة والجنس البشري فالابن الأكبر يشير إلى الملائكة القدِّيسين الذين يعيشون بتعقل والأصغر يشير إلى الجنس البشري الذي ترك بيت أبيه بالعصيان وقد عاد مرة أخرى خلال التوبة. وقد رفض القدِّيس يوحنا الذهبي الفم هذا الرأي، قائلاً: [إن الابن الأكبر قد ثار عند عودة أخيه وسلامه بينما يقول الرب: يكون فرح في السماء بخاطىء واحد يتوب.] ويقول القدِّيس كيرلس الكبير: [إن أشرنا للابن المستقيم بكونه الملائكة القدِّيسين لا نجد الحديث مناسبًا، ولا يحمل مشاعرهم نحو الخطاة التائبين، الذين يتحولون من الحياة الدنسة إلى السلوك المستحق للإعجاب، إذ يقول الرب مخلِّص الجميع: "يكون فرح في السماء أمام الملائكة القدِّيسين بخاطىء واحد يتوب" (راجع لو 15: 7). وأما الابن (الأكبر) المذكور في المثل الذي أمامنا، وإن كان مقبولاً لدى أبيه، ويسلك في حياة بلا لوم لكنه يعود فيظهر غاضبًا ومتماديًا في عدم محبَّته والظهور بلا إحساس، حاسبًا أن أباه مخطئًا لإظهار مشاعر الحب الطبيعيَّة نحو ذاك الذي خلص... هذا مغاير لمشاعر الملائكة القدِّيسين، الذين يفرحون ويمجدون الله عندما يرون سكان الأرض يخلصون. فعندما خضع الابن لكي يولد من امرأة حسب الجسد في بيت لحم حملوا الأخبار المفرحة للرعاة، قائلين: "لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح الرب" (2: 11). وإذ توجوا بالمديح والحمد لذاك الذي ولد، قالوا: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبين الناس الإرادة الصالحة"]

أما التفسير الذي قبله غالبية الآباء فهو أن الابنين يشيران إلى البشريَّة من جهة علاقتها بالله، فقد انقسمت إلى فريقين: اليهود والأمم. الابن الأكبر يمثل الشعب اليهودي الذي يُحسب بكرًا في معرفة الله، إذ قبل المواعيد الإلهيَّة والناموس والنبوات قبل سائر الأمم، والابن الأصغر يمثل الأمم التي لم تكن لها علاقة صادقة مع الله بل بددوا عطايا الله (الناموس الطبيعي) كما في عيش مسرف خلال الانغماس في عبادة الأصنام والرجاسات الوثنية، لكن عادت الأمم إلى الله ليصير الآخرون أولين، بينما تأخر اليهود خلال حسدهم للأمم ووقفوا خارج بيت الإيمان جاحدين الله وناقدين محبَّته للأمم.

يرى القدِّيس كيرلس الكبير أن الابن الأكبر لا ينطبق على اليهود، لأن اليهود لم يسلكوا حياة مستقيمة، بل كثيرًا ما انحرفوا إلى العبادة الوثنية وانغمسوا في رجاساتها، وقد جاء في إرميا: "ماذا وجد فيّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني، وساروا وراء الباطل، وصاروا باطلاً؟!" (أر 2: 5)، وفي إشعياء: "هذا الشعب قد اقترب إليّ بفمه، وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عني، باطلاً يخافونني، وصيَّة الناس مُعلمة" (إش 29: 13). لهذا يرى القدِّيس كيرلس الكبير أن الابن الأكبر ينطبق بالأكثر على جماعة الفرِّيسيِّين الذين يفتخرون أنهم يسلكون بالبرّ حسب الناموس، لكنهم في كبرياء يرفضون حب المخلِّص للخطاة والعشارين، عوض الفرح والبهجة بخلاصهم.
ثالثًا: كان الابن الأصغر متجاسرًا، إذ طلب نصيبه من الميراث ووالده لا يزال حيًا، أراد أن يتمتع بنصيبه بخروجه خارج بيت أبيه، حاسبًا الارتباط ببيت أبيه هو مذلة وعبوديَّة وقيد، يجب التحرَّر منه، ليعيش حسب إرادته الذاتيَّة وهواه، فإذا به ينفق ماله في عيش مسرف.

يا للعجب فإن الإنسان الذي وهبه الله، أبوه السماوي، عطيَّة الإرادة الحرة، كأعظم هبة يستخدمها ضد الله نفسه، فيحسب هذه الحريَّة لن تتحقَّق إلا بالعصيان والخروج عن دائرة طاعة الله ومحبَّته والتمثل بإرادته!

النصيب الذي بدده الأممي في عيش مسرف هو الناموس الطبيعي الذي أساء استخدامه، إذ يقول الرسول بولس عن الأمم: "لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله، بل حمقوا في أفكارهم، وأظلم قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء" (رو 1: 21-22). أما اليهودي فنال نصيبًا أعظم ليبدده، إذ لم يسئ استخدام الناموس الطبيعي فحسب، وإنما أيضًا الناموس الموسوي، فعوض أن يقوده للتوبة والاشتياق نحو المخلِّص للتمتع بالخلاص الأبدي سقط في الكبرياء وحسب نفسه أفضل من غيره فلم يدخل الملكوت ولا ترك الآخرين يدخلون. وأما المسيحي الساقط في البر الذاتي فهو أبشع من الاثنين لأنه إذ يتمتع ببركات جديدة وعطايا إلهيَّة فائقة يستغلها للشر. وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [قد بددنا ميراث كرامتنا الروحيَّة التي نلناها في الملذّات الأرضية.] على أي الأحوال، يفتح ربَّنا يسوع خلال هذا المثل أبواب الرجاء للجميع، فإن كنا قد بددنا العطايا الطبيعيَّة أو أخطأنا في حق الوصيَّة أو النعمة المجانية، لا يزال الله ينتظرنا فاتحًا ذراعيه ليتقبلنا كأولاد له نعود إلى بيت أبينا.

السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 15 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك