إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئاً لذلك فهو يشكر اللَّـه على كل شيء مهما كان قليلاً، ويفرح به، شاعراً فى عمق أعماقه أنه لا يستحقه … أما المتكبر، فإنه على عكس ذلك، يظن فى نفسه أنه يستحق أشياء كثيرة أكثر مما عنده فيتذمر على ما هو فيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 14 جـ2 Print Email

هل ترفض أن تتواضع وأنت بالفعل ساقط؟! شتان ما بين من يتضع ومن هو بالفعل ساقط على الأرض. أنت مُلقى على الأرض، أفلا تريد أن تتواضع؟!

القدِّيس أغسطينوس

لا يحصل طالب الكرامة على ما يطمع فيه إنما يعاني من خيبة أمل، وإذ يشغل نفسه بكيفيَّة تثقله بكرامات إذا بها يجد إهانات. وإذ لا يوجد شيء أفضل من التواضع لذلك يقود السيِّد السامع له لا إلى رفض طلب الأماكن المرموقة، وإنما يوصيه بالبحث عن الأماكن المتضعة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

لا يظن أحد في وصايا المسيح هذه أنها تجعله شخصًا تافهًا غير مستحق لسمو كلمة الله وجلالها.

الأب ثيؤفلاكتيوس


هذا ويحذِّرنا القدِّيس باسيليوس من إساءة فهم كلمات السيِّد المسيح، فإنه طلب منا ألا نشتهي المراكز الأولى بل نطلب المتكأ الأخير، لكننا نطلبه بهدوء وفي تواضع ونظام لا خلال العنف أو حب الظهور، فإن سألنا صاحب الدعوة أن نأخذ المتكأ الأول نقبل بهدوء أيضًا ولا نفسد نظامه... بمعنى آخر أن كلمات السيِّد تمس أعماق القلب لكي لا يشتهي الإنسان المجد الباطل، سواء جلسنا هنا أو هناك. الله يطلب القلب لا المظهر الخارجي. لذلك ختم السيِّد المثل بقوله: "لأن كل من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع" [11].

يمكننا أن نقول بأن صاحب العرس أو الوليمة هو رب المجد يسوع نفسه الذي دعانا جميعًا لنتكئ في كنيسته، الوليمة المفرحة للنفس، فيجتاز في وسطها بلا توقف لأنها مقدَّسة ليرى أصحاب القلوب المتواضعة، فيفيض عليهم من ثمر روحه القدُّوس بغنى، ويرفعهم في أعين السمائيين والأرضيين، وكما قالت القدِّيسة مريم حين قبلت صاحب الوليمة في أحشائها: "أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين" (لو 1: 52).

3.اتساع القلب للمحتاجين

إذ قدَّم لنا السيِّد بتواضعه أساسًا بقبول صداقته أن نحمل فينا فكره، فنسلك بروح التواضع طالبين المتكأ الأخير، مشتهين ترك المتكآت الأولى لإخوتنا، مقدَّمين بعضنا البعض في الكرامة (رو 12: 10)، الآن يسألنا أيضًا أن نتمثل به بكونه صديقنا السماوي فنحمل قلبًا متسعًا للمحتاجين والمعوزين والمعوقين والمطرودين. إن كان الرب في تجسده قد جاء إلى الإنسان الضائع تاركًا خليقته السماويَّة، أي التسعة والتسعين حَمَلاً ليطلب الخروف الضال، محتملاً بالحب آلام الصليب ليرفعه علي منكبيه ويحمله إلى مجد سماواته، هكذا يليق بنا أن نبحث عن كل محتاج وذليل.

"وقال أيضًا للذي دعاه: إذا صنعت غذاءً أو عشاءً فلا تدع أصدقاءك ولا أخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء، لئلاَّ يدعوك هم أيضًا فتكون لك مكافأة. بل إذا صنعت ضيافة، فادع المساكين الجدع العرج العُمي. فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافؤك، لأنك تكافئ في قيامة الأبرار" [12-14].

إن كنا نخجل من هؤلاء الذين لا يخجل منهم المسيح، فنحن نخجل من المسيح نفسه بخجلنا من أصدقائه. لتملأ مائدتك من العرج والمشوهين، فإن المسيح يأتيك خلالهم لا خلال الأغنياء.

إن دعوت صديقًا يبقى يشكرك حتى المساء، لكن الصداقة تبقى إلى حين وتنتهي سريعًا جدّا فلا توازي ما تكلفته من مصاريف. أما أن دعوت فقيرًا أو مشوهًا، فإن الشكر لا يفسد، لأن الله يذكره لك أبديًا، لن ينساه، إذ يكون هو نفسه مدينًا لك.

لنتبع الصداقات التي حسب الروح لأنها قويَّة ويصعب حلها، وليس الصداقات التي تقوم حول المائدة.

كلما كان أخونا متواضعًا يأتي المسيح خلاله ويفتقدنا. لأن من يستضيف إنسانًا عظيمًا غالبًا ما يفعل هذا عن مجدٍ باطلٍ... ليتنا لا نطلب القادرين أن يكافؤننا، بل نتبع القول: "فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافؤك".

ليتنا لا نضطرب حينما لا يُرد لنا اللطف باللطف، لأننا إن تقبلناه من الناس لا ننال ما هو أكثر، أما إذا لم يُرد لنا من البشر فالله يرده لنا.

يليق بك أن تستقبل (الفقراء) في أفضل حجراتك، فإن أحجمت عن هذا فلا أقل من أن تتقبل المسيح في الحجرات الدنيا حيث يوجد الذين يقومون لك بالأعمال الحقيرة والخدم.

ليكن الفقير علي الأقل حافظًا بابك، لأنه حيث توجد الصدقة لا يقدر الشيطان أن يقتحمه ويدخل.

إن لم تجلس معهم، فعلى الأقل ارسل لهم الأطباق من مائدتك.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


يستعرض القدِّيس كيرلس الكبير تعليقاته علي هذا المثل قائلاً بأن المهتمين بتقديم صور جميلة لا يكتفون باستخدام لون واحد، هكذا إله الجميع واهب الجمال الروحي ومعلمه يزين نفوسنا بفضائل متنوعة لنحمل حياة مقدَّسة من جوانب متنوعة [ليكمل فينا شبهه.] لهذا أمر السيِّد المسيح الناموسيين والفرِّيسيِّين والكتبة أن يسلكوا بروح التواضع ويتحرَّروا من محبَّة المجد الباطل وألا يطلبوا المتكآت الأولى، والآن يطلب منهم محبَّة الفقراء، فلا يستضيفوا في ولائمهم الأغنياء لطلب المديح وحب الظهور بل المحتاجين والمعوقين والمتألَّمين بكل أنواع الأمراض الجسديَّة للحصول علي الرجاء في العلويَّات من الله نفسه. يكمل القدِّيس كيرلس الكبير حديثه عن هذه الفضيلة التي تزين النفس، قائلاً:

[الدرس الذي يعلمنا إيَّاه هو حب الفقراء، الأمر الثمين في عيني الله...

هل تشعر بالسرور عندما يمدحك أصدقائك وأقاربك الذين تستضيفهم في الوليمة؟ أخبرك بما هو أفضل، فإن الملائكة تمدح سخاءك، والقوات العلويَّة العاقلة والقدِّيسون يفعلون ذلك، بل والله أيضًا يقبل هذا الذي يسمو بالكل ويحب الرحمة وحنون. اقرضه ولا تخف، فسيرده إليك ومعه ربا، إذ قيل "من يرحم الفقير يقرض الرب" (أم 19: 17). أنه يعرف القرض ويعد بالوفاء به (مت 18: 23 الخ)...

اقتن النعمة النابعة عن الله. اقتن لك رب السماء والأرض صديقًا، فإنه بالحق يقتني الإنسان صداقة البشر غالبًا بذهبٍ كثيرٍ، فإن تصالح معنا أصحاب الرتب العاليَّة نشعر بفرحٍ عظيمٍ بتقديم هدايا أكثر من طاقتنا بسبب نوالنا كرامة الالتصاق بهم، ومع هذا فإن هذه الأمور زائلة، تنتهي سريعًا تعبر كخيال الأحلام.

ألا يليق بنا أن نحسب عضويتنا في بيت الله تستحق أن نقتنيها؟ أما نحسبها أمرًا عظيمًا؟! فبالتأكيد بعد القيامة من الأموات سنقف في حضرة المسيح، وتُقدَّم المكافأة للمترفقين والرحماء، وتكون الدينونة قاسيَّة علي العنفاء الذين لم يكن لهم الحب الطبيعي... إذ قيل: "لأن الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة" (يع 2: 13).]

أما العلامة أوريجينوس فإذ يأخذ بالتفسير الرمزي. يرى في الوليمة، المائدة الروحيَّة حيث يليق بنا نطرد عنا المجد الباطل ونستضيف الفقراء أو المساكين أي الجهلاء الذين تعوزهم الحكمة، لكي يجدوا في مائدتنا السيِّد المسيح الذي يغني الكل. ونستضيف الضعفاء الذين يقاومون الضمير الداخلي لكي يبرأوا داخليًا. كما نستضيف العرج، أي الذين ضلّوا عن السلوك في الحق لكي يجدوا الطرق المستقيمة في الرب؛ ونستضيف العُمي الذين ليس لهم بصيرة روحيَّة لإدراك الحق لكي يتمتعوا بالنور الحقيقي... هؤلاء ليس لهم ما يكافؤننا به إذ لا يجدوا ما يجيبون به علينا أمام الكرازة المملؤة حبًا!

4. الاهتمام بالدعوة للوليمة

إذ أراد السيِّد المسيح كفنانٍ ماهرٍ أن يصوّر أذهاننا بألوان الفضيلة المتباينة كما قال القدِّيس كيرلس الكبير ليشكل أيقونة جميلة علي مثاله، تحمل صورته، أوصانا أن نفتح قلوبنا بالحب للمساكين والمعوزين والمشوهين جسديًا وروحيًا لإشباعهم لحساب الرب نفسه، منتظرين المكافأة العلويَّة من الله وحده. لكننا لن نقدر أن نفتح قلبنا بالحبٍ كوليمة نستضيف فيها اخوتنا الأصاغر ما لم ننعم نحن أولاً كأطفالٍ أصاغر بالدخول إلى الوليمة الإلهيَّة. لهذا جاء حديث رب المجد موجهًا إلينا لكي نقبل التمتع بوليمته ولا نرفض دعوته إلينا... ندخل إلى وليمته الروحيَّة، فتصير قلوبنا ذاتها وليمة محبَّة لإخوتنا في الرب.

"فلما سمع ذلك واحد من المتكئين، قال له: طوبى لمن يأكل خبزًا في ملكوت الله. فقال له: إنسان صنع عشاءً عظيمًا ودعا كثيرين. وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين: تعالوا، لأن كل شيء قد أعد" [15-17].

إذ سمع المتكئون حديث السيِّد المسيح السابق، أراد أحدهم أن يتمتع بالمكافأة التي وعد بها السيِّد من يدعو الفقراء في ولائمه، فظن أن المكافأة هي تمتع بولائم ماديَّة في ملكوت السماوات، إذ قال: "طوبى لمن يأكل خبزًا في ملكوت الله". هكذا كان قادة الفكر اليهودي ماديين في تفكيرهم حتى بالنسبة لملكوت الله، أما أولاد الله فيجدون شبعهم لا في الطعام المادي، بل في الله نفسه "الحب الحقيقي"، لذلك يقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [الفلاسفة أحكم من الأغنياء، إذ لا يدفنون أذهانهم في الطعام، ولا ينخدعون بملذّاته. الحب (أغابي) هو الطعام السماوي، مائدة العقل. المحبَّة تحتمل كل شيء، وتصبر علي كل شيء، وتترجى كل شيء. المحبَّة لا تسقط أبدًا (1 كو 13: 7-8).]
يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [ربما لم يكن هذا الإنسان قد صار روحيًا بعد، بل كان جسديًا، لا يقدر أن يفهم ما نطق به المسيح بطريقة سليمة، لأنه لم يكن ممن آمنوا ولا نال العماد. ظن أن مكافآت القدِّيسين عن أعمال محبَّتهم المشتركة تخص أمور الجسد.]

إذ كان هذا الرجل - غالبًا من الفرِّيسيِّين المدعوين عند أحد رؤسائهم - يمثل الفكر اليهودي المادي حتى في الأمور السماويَّة، لهذا قدَّم لهم السيِّد المسيح المثل التالي ليكشف لهم عن سرّ رفض الكثيرين للدعوة السماويَّة، ألا وهو انحدار الفكر نحو الأمور الماديَّة، وانغماس النفس في الزمنيات، واستعبادها للشهوات الزائلة، إذ قال الرب:

"إنسان صنع عشاءً عظيمًا، ودعا كثيرين. وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين: تعالوا لأن كل شيء أُعد. فابتدأ الجميع برأي واحد يستعفون. قال له الأول: إني اشتريت حقلاً، وأنا مضطر أن أخرج وأنظره، أسألك أن تعفيني. وقال آخر: إني اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماضِ لأمتحنها، أسألك أن تعفيني. وقال آخر: إني تزوجت بامرأة، فلذلك لا أقدر أن أجيء. فأتي ذلك العبد وأخبر سيِّده بذلك" [16-21].

السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


11 هاتور 1735 ش
21 نوفمبر 2018 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك