إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

يجب ألا تأخذ القوة أسلوباً شمشونياً أو عالمياً ، ولا تعنى القوة الإنتصار على الغير وإنما كسب الغير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 13 جـ4 PDF Print Email

يقدَّم لنا القدِّيس أمبروسيوس في تعليقاته على إنجيل لوقا عدة تفاسير لهذا المثل كانت منتشرة في عصره، نذكر منها:

أ. يرى البعض أن السيِّد المسيح نفسه هو "الخميرة"، الذي تقدَّمه الكنيسة - المرأة هنا - ليخمرنا نحن الدقيق بفضيلته، فنحمل سماته فينا... جاء كلمة الله متجسدًا يحمل طبعنا البشري، لكن بقوَّة لاهوته يعمل فينا، لا ليغير منظرنا الخارجي المجرد بل طبيعتنا الداخليَّة، إذ يقول: [الخميرة تغيّر طبيعة الدقيق وليس مجرد مظهره هكذا يعمل المسيح فينا.] [إن كانت هذه المرأة (لو 13: 20-21) تشير إلى الكنيسة المقدَّسة، فنحن دقيق الكنيسة، يجب أن يختفي الرب في أعماق نفوسنا لنقبل حقيقة الحكمة السماويَّة في داخلنا.]

ب. يرى البعض أن الثلاثة أكيال دقيق التي تقبلت الخميرة تشير إلى الناموس والأنبياء والإنجيل، حيث كان المسيح مختفيا خلال رموز الناموس ونبوات الأنبياء وظاهرًا خلال كرازة الإنجيل.. هكذا يليق بالمؤمن أن يحمل في قلبه هذه الأكيال الثلاثة ليتكشف مسيحه في داخله، أو كما يقول القدِّيس أمبروسيوس يلزمنا أن نبحث في اجتهاد وبتدقيق في الناموس والأنبياء والإنجيل ليعلن لنا المسيح.

ج. يركز القدِّيس أمبروسيوس في شيء من الإفاضة عن تفسير "الخميرة" بكونها "تعليم الكنيسة" الذي يختلف عن خمير الكتبة والفرِّيسيِّين الذي هو الرياء، (مت 16: 6). يقول الرسول بولس: لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخمير الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (1 كو 5: 8). خلال خمير الكنيسة الذي هو التعليم الإنجيلي تختمر الثلاثة أكيال الدقيق التي هي جسد الإنسان ونفسه وروحه، فيتمتع بقداسة الحياة في كل جوانب حياته. عمل الكنيسة في حياة الإنسان يمتد إلى كيانه كله، ليسلك الجسد في خضوع للنفس والروح تحت قيادة الروح القدس. هذا يؤيده قول الرسول بولس: "وإله السلام نفسه يقدسكم بالتمام ولتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربَّنا يسوع" (1 تس 5: 23).

تقدَّم الكنيسة خميرتها التي هي تعليم السيِّد المسيح الذي يهبنا وحدة داخليَّة، فلا يعود يشتهي الجسد ضد الروح، ولا الروح ضد الجسد (غل 5: 17). هذه الوحدة التي نتمتع بعربونها في هذا العالم حين نسلك ونحن بعد في الجسد ليس حسب الجسد بل حسب الروح كقول الرسول، لننعم بكمالها في القيامة. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [بهذا نستطيع أن نحفظ شركة الجسد والروح والنفس معًا في القيامة بلا فساد.]

لنسلك هنا بهذا العربون كقول السيِّد المسيح نفسه: "إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات" (مت 18: 19). إذ يرى البعض أن الاثنين هما الجسد والنفس حين يتفقا معًا تحت قيادة روح الرب، فتنزع عنهما العداوة، ويحل الحب الحق في النفس كما في الجسد، ويتجلَّى المسيح في الإنسان ككل. هذا ويؤكد السيِّد أنه إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه يكون في وسطهم... هذا الاجتماع هو علامة وحدة الإنسان وتكامله جسديًا وروحيًا ونفسانيًا في الرب.

أما القدِّيس كيرلس الكبير فيُعلِّق على هذا التشبيه بقوله: [الخميرة صغيرة في حجمها لكنها تؤثر على العجين كله، وبسرعة تهبه سماتها، هكذا كلمة الله تعمل فينا عندما تحلّ فينا، فتجعلنا قدِّيسين وبلا لوم، وتخترق ذهننا وقلبنا وتجعلنا روحيين، وكما يقول بولس: "لتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربَّنا يسوع المسيح" (1 تس 5: 23). هذا ويظهر إله الكل أن الكلمة الإلهيَّة تنسكب في أعماق فهمنا. إذ يقول خلال أحد أنبيائه القدِّيسين: "ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب، بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب، أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم" (إر 31: 31-33). هكذا نتقبل في ذهننا وفي فهمنا الخميرة العاقلة الإلهيَّة، لكي بهذه الخميرة الثمينة المقدَّسة والنقيَّة نوجد فطيرًا روحيًا، لا نحمل في داخلنا شر (خمير) العالم. تدخل قوَّة الكرازة بالإنجيل الواهبة الحياة إلى ذهننا، فتغّير النفس والجسد والروح، لنحمل سمات الإنجيل، فنصير طاهرين وقدِّيسين وشركاء المسيح.]


6. التوبة والباب الضيق

إذ قدَّم لنا الإنجيلي لوقا "التوبة" كطريق للتمتع بالخلاص من الهلاك [1-5]، ثم عاد ليكشف طول أناة الله علينا إذ يقف كمن يشفع فينا، معطيًا إيَّانا فرصًا جديدة للتوبة، كبستاني صالح يترفق بشجرة التين غير المثمرة [6-9] مهتمًا بنفسه أن ينقب حولها ويضع زبلاً لكي تثمر، أعلن أنه هو بالحق وحده سرّ شفائنا وخلاصنا. يأمر النفس المنحنية تحت ثقل شهوات الجسد لتستقيم [10-17]، مقدَّمًا إنجيله في قلوبنا كحبة خردل صغيرة تصير شجرة كبيرة تأوي طيور السماء في أغصانها. وكخميرة في أذهاننا تقدس الجسد مع النفس والروح. الآن لئلاَّ نظن أن دورنا في الخلاص سلبي يؤكد التزامنا بالجهاد لندخل بنعمته من الباب الضيق، إذ يقول الإنجيلي:

"واجتاز في مدن وقرى يعلّم ويسافر نحو أورشليم. فقال له واحد: يا سيد، أقليل هم الذين يخلصون؟ فقال لهم: اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق، فإني أقول لكم أن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون" [22-24].

باب الملكوت ضيق وطريقه كرب وقليلون هم الذين يجدونه. إذ هو طريق الصليب، لا يستطيع أن يجده بحق ويدخله إلا من اختفى في المصلوب. وقد سبق لنا الحديث عن هذا الطريق في تعليقنا على إنجيل معلمنا متى 7: 13-14، مقتطفًا بعض أقوال للقدِّيسين يوحنا الذهبي الفم وكبريانوس وجيروم.

يلاحظ هنا أن الإنجيلي لوقا يعرض حديث رب المجد يسوع عن "الباب الضيق" بعد أن أعلن عنه أنه كان "يجتاز في مدن وقرى يعلم ويسافر نحو أورشليم" [22]. وكأن غاية كرازته للكل، لسكان المدن المهتمين بالمراكز الأولى والغنى وحب الظهور، ولسكان القرى البسطاء، أن يحمل الجميع فيه ومعه إلى صليبه لينعموا بملكوته خلال الباب الضيق، منطلقًا بهم لا إلى أورشليم الأرضية بل السماويَّة، ليعاينوا سلامه الحقيقي ويمارسونه.

"اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق" [24]... الطريق المستقيم ضيق، أي انحراف عنه مملوء بالمخاطر، سواء على اليمين أو اليسار. أنه كجسرٍ، من يزل عنه من أي جانب منه يسقط في النهر.

القدِّيس باسيليوس الكبير

إذ أراد الحديث عن الدخول من الباب الضيق بدأ بقوله "اجتهدوا"، لأنه ما لم يجاهد الذهن برجولة لا تنهزم أمواج العالم، هذه التي تسحب النفس إلي الأعماق.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أظن أنه يليق بي أن أشير إلي الباب الضيق الذي من خلاله يدخل الإنسان إلي الحياة.

من يريد أن يدخله يلزمه بالضرورة أن يكون له أولًا الإيمان المستقيم غير الفاسد، وثانيا أن يكون سلوكه غير دنس وبلا لوم حسب قياس البّر البشرى. هكذا كان النبي داود يقول أحيانًا في توسله لله وبدقة: "اقضِ لي يا رب حسب برّى، وكنقاوتي كافئني" (راجع مز 7: 8). لأن نقاوة الملائكة القدِّيسين وبرّهم أمر بعيد للغاية عن نقاوة وبّر سكان الأرض، فما يخص الأخيرين هو من نوع أقل وأدنى من كل ناحيَّة كما أن طبيعتهم أدنى من طبيعة الملائكة. ومع هذا فإن من يرغب في العيش بقداسة لا يستطيع ذلك بدون جهاد. لأن الطريق المؤدي للفضيلة هو وعّر علي الدوام ومنحدر، يصعب علي غالبية البشر أن يسلكوه.

كثير من المتاعب تظهر أمامنا فنحتاج إلي جلد وصبر وسلوك نبيل. نعم، بل ونحتاج إلي ذهن لا يُغلب، لا يشترك في الملذّات الدنيئة ولا تحركه شهوات جسديَّة وعواطف بهيمية. من له هذا الذهن والجلد الروحي يدخل الباب الضيق بسهولة، بل ويجرى في الطريق الضيق، فقد قيل: "بالتعب يتعب الإنسان لنفسه، فتغتصب الغلبة علي هلاكه" (راجع أم 16: 26). ها أنت تسمع النبي يتكلَّم بوضوح أن الإنسان يقتنى الغلبة علي هلاكه بالاغتصاب. أيضًا يقول الرب: "ملكوت السماوات يُغتصب والغاصبون يختطفونه" (مت 11: 12).

القدِّيس كيرلس الكبير

ماذا إذن يعني قول ربَّنا في موضع آخر: "نيري هين وحملي خفيف" (مت 11: 30)؟

بالحقيقة لا يوجد تناقض بين النصين، واحد يتحدَّث عن طبيعة التجارب (كباب ضيق)، والآخر يتحدَّث عن مشاعر الذين يغلبونها. فما يسبب متاعب لطبيعتنا يمكن أن يُحسب سهلاً أن قبلناه بطيب خاطر. بجانب هذا فإن طريق الخلاص ضيق في مدخله، ولكن إذ تدخله تجد مكانًا متسعًا (راحة)، علي عكس الطريق المؤدى للهلاك.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

يكمل السيِّد المسيح حديثه عن "الباب الضيق" قائلاً: من بعد ما يكون رب البيت قد قام وأغلق الباب وابتدأتم تقفون خارجًا وتقرعون الباب، قائلين: يا رب، يا رب افتح لنا، يجيب ويقول لكم:

لا أعرفكم من أين أنتم. حينئذ تبتدئون تقولون: أكلنا قدامك وشربنا وعلمت في شوارعنا. فيقول لكم: لا أعرفكم من أين أنتم، تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظلم
" [25-27].

إن كان المتهاونون لا يقدرون أن يجدوا الطريق الضيق، لا بمعنى جهلهم له فكريًا، إنما جهلهم له خلال الخبرة الحيَّة... يقرأون عنه أو يسمعون لكنهم لا يمارسونه ولا يختبرونه، لذا يطلبونه بفمهم دون قلبهم، وبلسانهم دون حياتهم. هؤلاء يُحرمون من معرفة "الباب الضيق" أو "طريق الملكوت". فتكون مكافأتهم من ذات نوع عملهم... هم لا يعرفون طريق الرب في حياتهم لذا لا يعرفهم الرب في مجيئه الأخير، لا بمعنى أنه يجهل أشخاصهم، وإنما يحسبهم كمن هم غير مستحقين أن يكونوا في معرفته، هم خارج نور بهائه ومجده. رفضوا الدخول من بابه وهم بعد في العالم، لذا يغلق الباب عند مجيئه ولا يستحقون الدخول، حتى أن كانوا قد مارسوا شكلية العبادة أو حملوا اسمه دون حياته فيهم.

يعرف الرب من له، بمعنى أنه يتقبلهم في شركة قويَّة بسبب أعمالهم الصالحة.

القدِّيس باسيليوس الكبير

لا يعرف الرب الخاطىء بل البار.

القدِّيس جيروم

يقول للذين يفتخرون بعمل القوات دون الحياة الفاضلة: "لا أعرفكم" (مت 7: 23)، إذ لا يعرف الله طريق الأشرار.

البابا أثناسيوس الرسولي

"تباعدوا عنى يا جميع فاعلي الظلم" (لو 13: 27). لأنه لا شركة بين النور والظلمة؛ ولا يمكن لمن أمسك بفساد الخطيَّة ولم يغتسل من دنسه أن يقترب من الله الكلي النقاوة.

يليق بنا أيضًا أن نسأل: ماذا يُفهم بالذين يقولون للمسيح: "أكلنا قدامك وشربنا وعلمت في شوارعنا" [26]؟ هؤلاء بالتأكيد هم الإسرائيليون، الذين قال لهم المسيح: "متى رأيتم إبراهيم وإسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله وأنتم مطرحون خارجًا" [28]. كيف كانوا يأكلون ويشربون قدام الله؟ أجيب بتنفيذهم الخدمة حسب الشريعة، فعندما كانوا يقدَّمون ذبائح لله بسفك الدم كانوا يأكلون ويبتهجون. أيضًا سمعوا كتابات موسى في مجامعهم وتفاسير لرسائل الله، إذ دائمًا كانوا يقدَّمون كلماته بالقول: "هكذا قال الرب"... لكن التعبد لله بسفك دم (الحيوانات) لا يكفي للتبرير، ولا يُغسل دنس الإنسان بمجرد سماعه الشرائع الإلهيَّة أن لم يمارس ما قد أُمر به. أيضًا نقول، إذ رفضوا قبول الإيمان الذي يبرر الفجار، ولم يتبعوا الوصايا الإنجيلية التي بها يمارسون الحياة السامية المختارة، كيف يمكنهم أن يدخلوا ملكوت الله؟

مرة أخرى من هم هؤلاء الذين يقولون: "أكلنا قدامك..."؟ كثيرون آمنوا بالمسيح، وكرموا الأعياد المقدَّسة لمجده، ويترددون كثيرًا علي الكنائس ليسمعوا تعاليم الإنجيل، لكنهم لا يحفظون شيئًا قط من حقائق الكتاب المقدَّس في ذهنهم، فتكون ممارسة الفضيلة بالنسبة لهم صعبة، بينما تخلو قلوبهم من الثمر الروحي تمامًا. هؤلاء أيضًا سيبكون بمرارة ويكون لهم صرير الأسنان لأن الرب يرفضهم.

القدِّيس كيرلس الكبير

السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك