إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا كان القلب غير كامل فى محبته لله فإن إرادته تكون متزعزعة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 12 جـ5 PDF Print Email

لم يقل "لا تهتموا" فقط وإنما "لحياتكم" أي لا تركزوا حرصكم علي هذه الأمور، بل ليكن شغفكم منصبًا علي أمور أعظم. فإن الحياة حقًا هي أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس. فإن كان يوجد خطر علي حياتنا وأجسادنا فيسقط السالكون الحياة شرِّيرة تحت الألم والعقاب لذا يلزم تجنب الاهتمام بالملبس والطعام.

بجانب هذا؛ يا له من أمر دنيء لمحبي الفضيلة ولتابعي الفضائل الجادة بغيرة لكي يُحسبوا ممتازين ومزكين أمام الله أن يرتبكوا بلباس جميل كأطفال صغار، أو يجروا وراء ولائم مكلّفة. فإنه يتبع هذه الأمور جمهور آخر من الشهوات العنيفة وتكون النتيجة ارتداد عن الله، إذ قيل: "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم" (ا يو 2: 15)، وأيضًا: "أما تعلمون أن محبَّة العالم عداوة لله؟" (يع 4: 4). فمن واجبنا إذن أن نحفظ أقدامنا بعيدًا عن الشهوات العالمية، بل بالحري أن نبتهج بالأمور التي تسرّ الله.

ربما تسأل: فمن إذن يعطينا ضروريات الحياة؟ فنجيب هكذا: ليكن الرب موضع ثقة، فقد وعدك بوضوح بهذه الأمور مقدَّما لك بأمور صغيرة (اهتمامه بالغربان وزنابق الحقل) تأكيدًا أنه صادق في الأوامر الكبرى.

القدِّيس كيرلس الكبير

يرى القدِّيس أمبروسيوس أن الله خلق النفس والجسد معًا في وحدة، فالجسد هو لباس النفس، والنفس هي حياة الجسد، وكأنه يريدنا ألا نهتم بالطعام والملبس بل بالنفس والجسد معًا لأجل بلوغنا الحياة الأبديَّة الدائمة.

يريد لنا أن نرتفع حتى فوق الضروريات لا لنهملها، وإنما لكي لا تمتص تفكيرنا وتحطم سلامنا الداخلي، وإنما نمارسها بفكر مقدَّس، فنرى مع الرسول أننا إن أكلنا أو شربنا نفعل ذلك لمجد الله، حتى تعزيتنا ففي المسيح يسوع ربنا. بهذا يحيا الإنسان في العالم بلا هّم فينجح هنا وينال مئة ضعف خلال سلامه الداخلي ويُحسب هذا له رصيدًا علي مستوى أبدي! الحياة التي بلا هم هي سّر نجاح المؤمن وسلامه وفرحه في هذا العالم ومجده في العالم الأبدي.

7. القطيع الجديد والسماويَّات

الله لا يريد أن يحرم قطيعه العاقل من شيء، إذ خلق كل شيء من أجل الإنسان، لكنه إذ رأى الإنسان قد تعلق بالعالم فأفسد قلبه بالطمع ونفسه بالهم وحياته بانشغاله عن خالقه، أوصاه أن يترك الزمنيات لكي ينعم بالسماويات. أراده أن يترك العطيَّة من قلبه ليلتصق بالعاطي، فيكون له فيض من العطايا. لهذا أكمل السيِّد المسيح حديثه معنا مؤكدًا لنا ثلاثة أمور:

أولاً: أن الله ليس جامدًا من جهتنا، بل هو محب للبشر، إن كان من أجلنا يهتم بخليقته غير العاقلة، فيقوت الغربان ويلبس زنابقِ الحقل جمالاً فائقًا، أفلا يهتم بالأولى بالإنسان الذي من أجله خلق الغربان والزنابق [24]؟

ثانيًا: أن الاهتمام لا يُصلح من أمرنا، فلا نستطيع أن نزيد علي قامتنا ذراعًا واحدة، فلماذا نعيش مهمومين نفقد سلامنا الداخلي وعلاقتنا بالله دون نفعٍ زمنيٍ أيضًا [25]؟

ثالثًا: أنه لا يود الحرمان لأجل الحرمان، بل يود أن يهب ما هو أعظم: "اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم" [31]. بمعنى آخر ليكن قلبنا متفرغًا من الزمنيات، فيدخل الرب ويقيم مملكته دون أن يحرمنا حتى مما تركنا".

إن عدنا إلي النص الإنجيلي نجده هكذا:

"تأمَّلوا الغربان إنها لا تزرع ولا تحصد، وليس لها مخدع ولا مخزن، والله يقيتها، كم أنتم بالحري أفضل من الطيور؟ ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد علي قامته ذراعًا واحدة. فان كنتم لا تقدرون ولا على الأصغر، فلماذا تهتمون بالبواقي؟ تأمَّلوا الزنابق كيف تنمو، لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم أنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان العشب الذي يوجد اليوم في الحقل ويطرح غدًا في التنور يلبسه الله هكذا فكم بالحري يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟ فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا. فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم، وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلي هذه. بل أطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم" [24-31].

سبق لنا عرض مقتطفات من تعليقات لبعض آباء الكنيسة علي هذه العبارات الإنجيلية، أضيف عليها المقتطفات التالية:

إن كانت طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد محاصيل وفيرة والعناية الإلهيَّة تعولها علي الدوام، يليق بنا نحن بالحري أن نرى في طمعنا علامة من علامات فقرنا.

مصادر قوت الطيور كثيرة ووفيرة ليست من صنعها، لأنها لا تعرف ملكيَّة خاصة بها، والثمار التي تُعطى لها مشتركة للجميع، أما نحن ففقدنا الخيرات المشتركة مطالبين بالملكيات الخاصة...

ليتك لا تتطلع إلي الخيرات كملكٍ خاصٍ بك، فقد أراد الرب أن يكون الطعام مشتركًا بينك وبين الطيور والحيوانات.

طيور السماء لا تطلب ملكًا خاصًا بها، لذلك فهي لا تعرف العوز للطعام، كما لا تحسد الآخرين.

"تأمَّلوا الزنابق كيف تنمو..."، بهذه الكلمات يدعونا الرب للثقة فيه. إنه يهبنا رحمته. المعنى الحرفي لهذه العبارات يعني أننا لا نستطيع أن نضيف شيئًا لقامة أجسادنا، وأما المعنى الروحي فهو أننا لا نستطيع أن نتخطى حدود مستوانا دون معونة الله...

وضع الرب الزنبقة كما في مرتبة أعلى من الإنسان ذاته وجعلها أكثر مجدّا من الناس الذين يمثلهم سليمان الذي تمتع بامتياز بنائه هيكل الرب في الظاهر الممثل لكنيسة المسيح رمزيًا.

ألوان الزنبقة الزاهية تشير لمجد ملائكة السماء الذين هم زهور هذا العالم، إذ أضاءوا العالم بنورهم رائحة المسيح الذكيَّة. وإذ تسندنا طلباتهم ومعونتهم يمكننا أن نقول: "لأننا رائحة المسيح الذكيَّة لله في الذين يخلصون" (2 كو 2: 15)، فلا تعوقنا أية عاطفة ولا نضطرب لضرورة عملٍ، بل نحتفظ في أنفسنا ببركات الحريَّة الإلهيَّة ومواهب الطبيعة الإلهيَّة.

حقًا أنه من المناسب جدّا أن يشير الرب إلي سليمان وقد لبس المجد... إذ كان يغطي طبيعته الجسديَّة بقوَّة الروح، ويلبسها بهاء أعمال الروح.

هذا حق، فإن الزنابق وغيرها من الزهور التي تنبت في الحقول تحمل جمالاً عجيبًا في رونق ألوانها سواء بتنوعها وتنسيقها وبهائها في ثوب طبيعي... هذا كله يقلده الإنسان بفنه سواء بالرسم بمهارة أو بالتطريز، لكنه لا يبلغ الحقيقة، مهما بلغ العمل الفني من نجاح، فلن يصل إلي الحقيقة نفسها... إذن باطل هو تعبنا مهما حمل من مظهر جميل!

القدِّيس كيرلس الكبير

ليتنا لا نطلب مثل هذا الطعام الذي هو ليس بضروري بل نافلة، إنما نطلب الطعام الذي يمس خلاص النفس. لا نطلب الثياب الثمينة بل نطلب كيف ننقذ جسدنا من النار والدينونة. لنفعل هذا، طالبين ملكوته وكل ما يعيننا لنكون شركاء ملكوت المسيح.

القدِّيس كيرلس الكبير

الارتباك بالأمور المنظورة هو من نصيب الذين بلا رجاء في الحياة العتيدة، والذين بلا مخافة من جهة الدينونة المقبلة.

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

هكذا يريد السيِّد المسيح أن يرفعنا نحن قطيعه الجديد لنحيا كطيور السماء المرتفعة نحو السماويات، لا نهتم بملكيَّة خاصة، وبلا مخازن ترابية، إنما نحلق كما في الأبديَّة في جو حبّي كامل؛ وأن نعيش كزنابق الحقل نحمل المجد الملائكي البهي الذي ليس هو من صنع أيدينا، بل من عمل نعمته الفائق. نرى في الله أبانا [31] المهتم بشركتنا في ملكوته، مقدَّما لنا الأمور الزمنيَّة كأمر ثانوي وزهيد بالنسبة لعطاياه الأبويَّة الخالدة.

8. القطيع الجديد ومسرة الآب

"لا تخف أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سّر أن يعطيكم الملكوت" [32].

يا لها من عبارة معزية فإنه يدعو الله "أبانا"، فنطمئن من جهة رعايته واهتمامه وتدابيره لحسابنا. حقًا تبقى الكنيسة على الدوام "القطيع الصغير" لأن كثيرين يُدعون وقليلين ينتخبون. تختفي هذه القلة في العالم، لكنها محصاة في عيني الله، إذ يقول الرب لإيليا الذي ظن أن القطيع قد فني تمامًا: "قد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجثُ للبعل، وكل فم لم يقبله" (ا مل 19: 18).

إنه قطيع ليس فقط من جهة العدد، ولكن من جهة الإمكانيات البشريَّة، لا حول له ولا قوَّة زمنيَّة، لكنه موضع سرور الآب، ووارث الملكوت الأبدي! إنه القطيع الصغير في عيني العالم لكنه علي صدر الله يتمتع بنعمته الإِلهيَّة، ويغتصب بالحب ملكوت السماوات!

هذه بالحقيقة هي تعزية روحيَّة، والطريق الذي يقودنا إلي الإيمان الأكيد... بقوله: "لا تخف" يقصد أنه يجب أن يؤمنوا بهذا الأمر المؤكد الذي لا يحمل شكًا وهو أن أباهم السماوي يهب طريق الحياة للذين يحبُّونه. أنه لن يتجاهل خاصته، بل يفتح يده التي تشبع المسكونة بالصلاح...

الذي يهب هذه الأمور العظيمة والثمينة، ويمنح ملكوت السماوات هل يمتنع من جانبه عن أن يترفق بنا؟ أو هل لا يمدنا بالطعام والملبس؟ أي خير أرضي يعادل ملكوت السماوات؟ ماذا يمكن أن يُقارن بما سيمنحه الله من أمور لا يمكن إدراكها ولا أن ينطق بها؟ "ما لم تر عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر علي بال إنسان ما أعده الله للذين يحبُّونه" (1 كو 2: 9). عندما تمتدح الغنى الأرضي وتعجب بالسلطان الزمني فإن هذه لا تقارن بالنسبة لما قد أُعد، إذ قيل: "لأن كل جسد كعشب وكل مجد إنسان كزهر عشب" (1 بط 1: 24). فإن كنت تتحدَّث عن الغنى والترف والولائم، فقد قيل: "العالم يمضي وشهوته" (1 يو 2: 17). الأمور الإلهيَّة لا تقارن بما للعالم. فإن كان الله يهب ملكوته لمحبيه أفلا يريد أن يقدَّم لهم طعامًا وثيابًا؟

لقد دعاهم "قطيعًا صغيرًا"، لأننا أقل من جموع الملائكة غير المحصيَّة، التي تفوق في القدرة أمورنا المائتة بما لا يقاس. هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص بنفسه في المثل المذكور في الأناجيل، إذ يقول: "أي إنسان منكم له مئه خروف وأضاع واحدًا منها ألا يترك التسعة والتسعين في البريَّة (علي الجبال) ويذهب من أجل الضال حتى يجده؟ وإذا وجده فالحق أقول لكم يفرح به أكثر من التسعة والتسعين الذين لم يضلوا (لو 15: 4 الخ). لاحظوا إن كان عدد الكائنات العاقلة يمتد إلي عشرة مضروبة في عشرة، فإن القطيع الذي علي الأرض ليس إلا واحدًا من مئة.

مع أنه صغير من جهة الطبيعة والعدد والكرامة أن قورن بطغمات الأرواح العلويَّة التي بلا عدد لكنه بصلاح الآب الذي يفوق كل وصف ويُعطى له نصيب مع الأرواح الفائقة، أقصد ملكوت السماوات.

القدِّيس كيرلس الكبير

السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك