إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

عامل الناس بإتضاع ووداعة ، برقة ولطف

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 12 جـ4 PDF Print Email



5. القطيع الجديد والطمع

كان حديثه السابق كله يحثُّنا علي الشهادة للرب والاعتراف به بالقلب كما باللسان، حتى في أحلك الظروف وعند شدة الضيق. الآن يسألنا الشهادة له خلال الحياة العملية الفاضلة، محذرًا من أخطر عدو يمكن أن يصيب المؤمن ألا وهو الطمع ومحبَّة العالم، إذ يمكن أن يربك حتى خدام الكلمة في الأمور الزمنيَّة ليسحب قلوبهم عن حمل سمات عريسهم السماوي.

إذ تشاجر أخان علي الميراث جاء أحدهما يطلب من السيِّد أن يقضي له، فأجابه: "يا إنسان من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسمًا؟ وقال لهم: "أنظروا وتحفظوا من كل طمع" [14-15]. ولعل إجابة السيِّد المسيح هذه هدف بها إلي الآتي:

أولاً: أن يرفع عمل الكرازة بالكلمة فوق المشاكل الماديَّة، لكي يتفرغ خدام الكلمة للاهتمام بالدخول بكل نفسٍ إلي العمل الخلاصي والاهتمام بالأبديات.

ثانيًا: ألا نستغل الإيمان لحساب الاهتمام بالحقوق الزمنيَّة، وإنما تركيز الاهتمام بالفرح الأبدي.

ثالثًا: يحذِّر قطيعه الجديد من الطمع المفسد للحياة الجماعيَّة كما للقلب.

أعطيت لنا العبارة السابقة كلها لتعدنا لاحتمال الألم من أجل الشهادة للرب، وللاستخفاف بالموت أو بترجي المكافأة أو عدم السقوط تحت العقوبة التي تنتظر من لا ينال الغفران. ولما كان الطمع بوجه عام مفسد للفضيلة لذلك أضيفت وصيَّة خاصة به مع مثال... "يا إنسان من أقامني عليكما قاضيا أو مقسمًا؟"

حسنًا، لقد تجنب الأمور الأرضية ذاك الذي نزل لأجل الأمور الإلهية، فلم يقبل أن يكون قاضيًا للنزاعات يفصل في القوانين الخاصة بغنى هذا العالم وهو ديّان الأحياء والأموات الذي يجازى الكل علي أعمالهم. فعندما تطلب منه تأمَّل في العاطى لا في العطيَّة، ولا تظن أن الفكر الذي يهتم بالأمور العالية يمكن أن يضطرب للأمور الدنيا. لهذا صرف الرب هذا الأخ الذي اهتم بتحصيل الخيرات الفانية دون السمائية.

رأي أنه ينبغي ألا يتدخل بين الإخوة كقاضٍ، وإنما يلزم أن يكون الحب (لا القضاء) هو وسيطهم في التفاهم، وتقسيم الميراث الأبدي لا ميراث الفضة، إذ باطل هو تكريس الأموال أن كان الإنسان لا يعرف كيف يستخدمها.

القدِّيس أمبروسيوس

حقا لقد ظهر الابن في شكلنا، وأقامه الآب رأسًا وملكًا علي صهيون جبل قدسه ككلمات المرتل (مز 2: 6)، وقد أظهر طبيعة عمله بوضوح، إذ يقول: "جئت لأكرز بوصيَّة الرب". ما هذا؟ يريد لنا سيدنا محب الفضيلة أن نترك الأمور الأرضية الزمنيَّة، وأن نهرب من محبَّة الجسد، ومن القلق الباطل علي العمل، ومن الشهوات الدنيئة، ولا نبالي بالمخازن، بل نحتقر الغنى ومحبَّة الربح (القبيح)، إنما نكون صالحين محبين لبعضنا البعض، وألا نجمع كنوزًا علي الأرض بل نرتفع فوق الصراعات والحسد، فلا نتنازع مع الإخوة، بل بالحري نرحب بهم حتى وإن أرادوا استغلالنا، إذ يقول: "من أخذ الذي لك فلا تطالبه" (لو 6: 30)، بل بالحري نصارع ونجاهد من أجل الأمور النافعة والضروريَّة لخلاص النفس...

لم يتركنا بدون تعليم، إذ وجد الفرصة سانحة ليقدَّم حديثًا نافعًا ومخلِّصا... معلنًا: "انظروا وتحفظوا من كل طمع". لقد أظهر أن الطمع هو الوجرة (الحفرة الخاصة بصيد الوحوش) التي يقيمها الشيطان، وهو أمر مكروه من الله، وقد دعاه الحكيم بولس عبادة أوثان (كو 3: 5)، ربَّما لأنه يناسب فقط الذين لا يعرفون الله، أو لأنه مساوِ للرجاسات التي يفعلها من يعبد الأصنام والحجارة.

الطمع هو فخ الأرواح الشرِّيرة، به يسبحون نفس الإنسان إلي شباك الهاويَّة. لهذا بعدل حقيقي لكي يجعلهم في آمان يقول: "انظروا وتحفظوا من كل طمع"، أي من الطمع الكثير أو القليل، ومن خداع الإنسان للآخر أيا كان هذا الإنسان. فكما قلت أن الطمع مكروه من الله والناس...

هذا نتعلمه من الله نفسه الذي يقول علي فم أنبيائه القدِّيسين: "لذلك من أجل أنكم تدوسون (رأس) المسكين وتأخذون منه هديَّة مختارة، بنيتم بيوتًا من حجارة منحوته ولا تسكنون فيها، وغرستم كرومًا شهية ولا تشربون خمرها، لأني علمت أن ذنوبكم كثيرة وخطاياكم وافرة" (عا 5: 11-12). وأيضًا: "ويل للذين يصلون بيتًا ببيت، ويقربون حقلاً بحقل حتى لم يبقَ موضع. هل تسكنون وحدكم في وسط الأرض؟ فقد بلغت هذه في أذني قال رب الجنود. فمع أن بيوتكم كثيرة تصير خرابًا، بيوت كبيرة وحسنة بلا ساكن. لأن عشرة فدادين كرم تصنع بثًا واحدًا، وحومر بذار يصنع إيفة" (إش 5: 8-10). فمع أنهم بظلم الآخرين يقتنون بيوتًا وحقولاً، لكنها تكون باطلة بلا ساكن، لا تنفع شيئا لصانعي الشر لأن غضب الله يحّل عليهم بعدل. لذلك فلا منفعة للطمع بأي طريق كان.

من وجهة نظر أخرى فإن الطمع لا ينفع شيئًا لأن حياة الإنسان كما يقول الرب لا تقوم علي ممتلكاته [15]، بتمتعه بالفيض. هذه حقيقة واضحة فإن حياة الإنسان لا تمتد مدتها حسب غناه، ولا مجموع حياته يتناسب مع ربحه القبيح.

القدِّيس كيرلس الكبير

" فإنه متى كان لأحد كثير، فليست حياته من أمواله" [15]. يقول ربَّنا هذا ليوبخ دوافع الطامعين الذين يجمعون الغنى كمن يعيشون زمانًا طويلاً. لكن هل الغنى يجعلك تعيش لمدة أطول؟ فلماذا إذن تظهر" شرورًا من أجل راحة غير مضمونه؟

الأب ثيؤفلاكتيوس

إذ أعلن السيِّد المسيح أن حياة الإنسان لا ترتبط بغناه، أراد تأكيد ذلك بمثل، إذ قال الإنجيلي:

"ضرب لهم مثلاً، قائلاً: إنسان غني أخصبت كورته. ففكر في نفسه، قائلاً: ماذا أعمل لأن ليس لي موضع أجمع فيه أثماري. وقال: أعمل هذا. أهدم مخازني، وابني أعظم، وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي. وأقول لنفسي: يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، استريحي وكلي واشربي، وافرحي. فقال له الله: يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك، فهذه التي أعددتها لمن تكون؟ هكذا الذي يكنز لنفسه، وليس هو غنيًا لله" [16-21].

يلاحظ في هذا المثل الآتي:

أولاً: يرى القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أن هذا الغني قد أخطأ إذ دعا غناه "خيرات"، فإن الغنى ليس خيرًا في ذاته ولا يُحسب شرًا. الخير هو الفضيلة مثل العفة والتواضع وما إلى ذلك، أن اختاره الإنسان يصير صالحًا، والشر هو الرذيلة ومن يختاره يُحسب شرِّيرا، أما الأمور الأخرى فهي طبيعيَّة ليست صالحة ولا شرِّيرة، إنما يمكن توجيهها للخير كما للشر، فالغنى أن استخدمناه في العطاء صار خيرًا، وإن حمل طمعًا صار شرًا. وقد وأضح القدِّيس هذا المفهوم في أكثر من موضع، خاصة في مقالة: "لا يقدر أحد أن يؤذى إنسانًا ما لم يؤذِِ الإنسان نفسه" موضحًا أن الغنى كما الفقر لا يؤذيان الإنسان، لكن ما يؤذيه هو شر قلبه الداخلي وإساءة استخدام الغنى أو الفقر.

وكما أن الغنى في ذاته ليس خيرًا يؤكد القدِّيس إكليمنضس السكندري في كتابه: "من هو الغني الذي يخلص؟" أن الغنى ليس شرًا، بل هو نافع أن أُحسن استخدامه، وأن أغنياء كثيرين أيضًا يتمتعون بالملكوت خلال محبَّتهم للعطاء.

ثانيًا: انصرف قلب هذا الغني الذي ذكره السيِّد المسيح إلي الغنى الأرضي فأُتخم قلبه جدّا بمحبَّة الزمنيات وتفجرت مخازن نفسه الشرِّيرة بالطمع، وظن أنه قادر أن يقيم لنفسه مخازن جديدة فإذا بنفسه تُطلب منه وقد تحطمت مخازنها تمامًا.

يقول القدِّيس باسيليوس الكبير: ]إنه لم يذكر إخوته في الخليقة، ولا حسب أنه يجب أن يعطي من فائضه للمحتاجين. كانت مخازنه تتفجر من فيض المخزون، أما جشع ذهنه فلم يشبع بأية وسيلة... يقول: أعمل هذا، أهدم مخازني... حسنًا تفعل، فإن مخازنك الشرِّيرة تستحق الهدم. تهدم مخازنك التي لا تقدَّم راحة لأحد.[

ثالثًا: لم يدرك هذا الغني أن الله هو سّر حياة النفس البشريَّة، من يقتنيه في داخله يقتنى الحياة علي مستوى أبدي، فلا يغلبه الموت، بل ينطلق مرتفعًا بالحق فوق حدود الزمن. لقد أخطأ إذ حسب أن حياته تقّيم حسب غناه، فلما صار له فيض من الغنى حسب أن لنفسه خيرات لسنوات طويلة، ولم يدرك أنها تُطلب منه في ذات الليلة يقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: ]لا تقوم حياة الإنسان على فيض ما يملكه من الأشياء.] ويقول القدِّيس كيرلس السكندري: ]حقًا أن حياة الإنسان لا تقوم علي ممتلكاته خلال مالديه من فيض، إنما يُحسب مطّوبًا وذا رجاء مجيد من كان غنيًا بالله.]

رابعًا: يرى القدِّيس يوحنا كاسيان أن سّر انحراف هذا الغني هو اهتماماته بالغد، إذ يقول: ]ليتنا لا نهتم بالغد فلا نسمح لأنفسنا قط بانحرافها عن قواعد التجرد والنسك. [ويرى القدِّيس أغسطينوس أن اهتمامه بنوال الكماليَّات هو سّر انحرافه، إذ يقول: ]ألا ترى أن الطمع - أن طلبنا ما هو أكثر من الضروريات - يجعلنا نخطىء؟ لنحذر كل طمع أن أردنا التمتع بالحكمة الأبديَّة. [

خامسًا: في مقدَّمة هذا السفر قلنا أنه "إنجيل الفرح"، فقد جاء صديقنا السماوي ليهبنا خلال صداقته فرحًا أبديًا لا يُنزع عنا، وقد رأينا أن هذا السفر أفتتح بالفرح والتسبيح وخُتم بالفرح. وإذ أراد أن يميز بين فرح الصديق وفرح العالم، قدَّم لنا هذا المثل، فيه يناجى الغني نفسه، قائلاً لها: "افرحي"، لكنه لم تمضِ ربَّما ساعات وقد فقدت نفسه ينبوع فرحها الزمني، بل وفقدت حياتها كلها لأنها جعلت من غنى هذا العالم علَّة لفرحها.

الإنسان الجسداني يفرح حين ينال زمنيات مهما كانت قيمتها لكنه سرعان ما يحزن حين يخسر ولو القليل مما ربح، يفقد فرحه وسلامه. لعل هذا ما أراد تأكيده القدِّيس جيروم حين قال: ]حينما نربح فلسًا نمتلئ فرحًا، وحينما نخسر نصف فلس نغرق في الحزن .[

سادسًا: يُعلِّق الأب غريغوريوس (الكبير) علي قول السيِّد "هذه الليلة تطلب نفسك منك"، قائلاً: [تُطلب النفس بالليل هذه التي سلكت في ظلمة قلبها، إذ لم ترد أن نسلك في نور التأمَّل[.

ويُعلِّق القدِّيس يوحنا الذهبي الفم علي قول السيِّد: فهذه التي أعددتها لمن تكون؟" قائلاً: ]إنك تترك كل الأشياء هنا، فلا تخرج صفر اليدين فحسب، وإنما تخرج مثقلاً بحمل خطايا علي كتفيك، وما جمعته هنا غالبًا ما يقع في أيدي الأعداء، وفي نفس الوقت تُطالب أنت به.[

6. القطيع الجديد والزمنيات

"وقال لتلاميذه: من أجل هذا أقول لكم، لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا للجسد بما تلبسون. الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس" [22-23].

إذا يريد ربَّنا يسوع المسيح صديقنا السماوي أن يرتفع بقطيعه الجديد ليحمل سمات لائقة به يرتفع به تدريجيًا، فبعد أن حثه علي الاعتراف بالإيمان حذره من الطمع كعدوٍ خطير يفقد الإنسان علاقته بالله والناس، ويحطم حياته الداخليَّة، ثم قدَّم له مثل الغني الغبي الذي وضع قلبه في مخازن ترابية، حاثًا إيَّانا ألا نهتم بالكماليَّات، والآن يرتفع بنا إلي مستوى أعلى، وهو ألا نرتبك حتى بالضروريات كالطعام والملبس. أنه يؤكد لنا أنه خالقنا وهبنا الحياة أفلا يهتم بإطعامنا وإن كان قد صنع لنا الجسد أما يهتم بملبسنا... أنه يود أن يكون قطيعه لا في حالة تواكل أو تراخٍ، وإنما في اتزان الفكر بلا همّ أو قلق، يتكئ علي صدر راعيه الصالحة بلا اضطراب.

الكلمات "لا تهتموا..." لا تعني "لا تعملوا"، إنما لا تكن أفكاركم مرتبطة بالأرضيات، إذ يمكن للإنسان أن يعمل دون أن يهتم.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك