إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئاً لذلك فهو يشكر اللَّـه على كل شيء مهما كان قليلاً، ويفرح به، شاعراً فى عمق أعماقه أنه لا يستحقه … أما المتكبر، فإنه على عكس ذلك، يظن فى نفسه أنه يستحق أشياء كثيرة أكثر مما عنده فيتذمر على ما هو فيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 11 جـ8 PDF Print Email

يقول القدِّيس كيرلس الكبير:

[كانوا يغتسلون قبل الطعام كمن يتطهَّرون من كل دنس. لكن هذا العمل كان فيه غباوة شديدة. فإن الاغتسال بالماء مفيد للغاية لمن هم غير أنقياء في الجسد، لكن كيف يمكنه أن يطهِّر البشر من دنس الفكر والقلب؟...

اَخبِرنا أيها الفرِّيسي الغبي أين قدَّم موسى هذه الوصيَّة؟ أيَّة وصيَّة يمكنك أن تشير إليها بأن الرب شرَّعها لتطالب الناس بالاغتسال قبل الأكل، حقًا إن ماء الرش كان قد أُعطيَ بوصيَّة موسى لأجل التطهير الجسدي، بكونه رمزًا للمعموديَّة التي هي بالحق مقدسة ومطهرة في المسيح. الذين دعُوا للكهنوت اغتسلوا في الماء، إذ هكذا فعل موسى بهرون وباللاويِّين معه. بهذا أعلن الناموس عن المعموديَّة خلال الرمز والظل، مظهرًا أن كهنوته لا يحمل ما يكفي للتقديس، وإنما على العكس كان في حاجة إلى المعموديَّة الإلهيَّة المقدَّسة لأجل التطهير الحقيقي. لقد أظهر لنا الناموس وبطريقة جميلة أن مخلِّص الكل قادر على التقديس والتطهير من كل الدنس خلال المعموديَّة المقدَّسة الثمينة، بالنسبة لنا نحن الجيل الذي تقدَّس لله وصار مختارًا له...

ماذا قال المخلِّص؟

كثيرًا ما انتهز الفرصة ليوبِّخهم، قائلاً: "أنتم الآن أيها الفرِّيسيُّون تنقُّون خارج الكأس والقصْعة، وأما باطنكم فمملوء اِختطافًا وخبثًا" [39]... فإنه إذ كان وقت الأكل والجلوس حول المائدة، قدَّم مقارنة بالكأس والقصْعة (طبق) مظهرًا أنه يليق بالذين يخدمون الله بإخلاص أن يكونوا أنقياء وأطهارًا ليس من الدنس الجسدي، وإنما أيضًا من الدنس الخفي في الذهن، وذلك كالذين يخدمون في المطبخ ويعدُّون المائدة إذ يلزمهم إن يغسلوا الأدناس التي في الخارج كما يغسلون حسنًا ما هو في الداخل. أما قوله: "أليس الذي صنع الخارج صنع الداخل أيضًا؟" [40]، فيعني أن الذي خلق الجسد خلق النفس أيضًا...

لكن الكتبة والفرِّيسيِّين لم يفعلوا هذا... إذ قال المخلِّص: "تُشبهون قبورًا مْبيضَّة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة" (مت 23: 27). لا يريدنا المسيح أن نكون كهؤلاء بل بالحري نكون عُبَّادًا روحيِّين، مقدَّسين، بلا لوم في النفس والجسد. ويقول واحد من الذين في شركتنا: "نقُّوا أيديكم أيها الخطاة، وطهِّروا قلوبكم يا ذوي الرأيين" (يع 4: 8). ويتغنَّى النبي داود قائلاً: "قلبًا نقيًا اِخلقه فيّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدِّده في أحشائي" (مز 51: 10). مرَّة أخرى يتحدَّث إشعياء النبي على لسان الله: "اغتسلوا، تنقُّوا، اعزلوا شرَّ أفعالكم (نفوسكم) من أمام عيني، كفُّوا عن فعل الشرّ" (إش 1: 16). لاحظوا دقَّة التعبير: "اعزلوا شرّ نفوسكم من أمام عينيَ". إذ يهرب الشرّ أحيانًا من عيني البشر، لكنه لن يقدر أن يهرب من أمام عينيّ الله. فمادام الله ينظر الخفيَّات، لهذا فمن واجبنا أن ننزع الشرّ من أمام عينيه.]

يقول القدِّيس أغسطينوس: [لقد أظهر أن المعموديَّة التي أُعطيت تُطهِّر بالإيمان، لأن الإيمان أمر داخلي لا خارجي. لقد احتقر الفرِّيسيُّون الإيمان، واستخدموا الغسلات التي هي من الخارج بينما بقيَ الداخل فيهم مملوء دنسًا.]

ثالثًا: لئلاَّ نظن الحياة الروحيَّة الداخليَّة تحمل تجاهلاً للتصرُّفات الظاهرة خاصة الترفُّق بإخوتنا المحتاجين، قال: "بل اِعطوا ما عندكم صدقة فهوذا كل شيء يكون لكم نقيًا" [41]. العبادة الروحيَّة الحقَّة تقوم على الانطلاق خارج "الأنا" والتي تترجم عمليًا خلال الصدقة المملوءة حبًا، وقد تحدَّث كثير من الآباء عن الصدقة وفاعليَّتها في بنياننا الروحي:

الصدقة أعظم من ذبيحة... إنها تفتح السماوات! فقد قيل: "صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام الله" (أع 10: 4). إنها أكثر أهميَّة من البتوليَّة، فقد طَردت عذارى خارج حجال العرس (بعدم الصدقة) بينما دخلت عذارى أخريات داخلاً.

الصدقة ليست علاجًا هيِّنًا، فهي توضع على كل جرح... إنها أفضل من الصوم أو النوم على الأرض، إذ إن هذه الأمور مؤلمة وشاقة، أما الصدقة فأكثر نفعًا.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

اصنع صدقة حقيقيَّة. ما هي الصدقة ! إنها الرحمة! اسمع الكتاب يقول: "اِرحم نفسك فتُرضي الله" (ابن سيراخ 30: 23). نفسك هي شحَّاذ أمامك. ارجع إلى ضميرك مهما كنت تعيش في الشرّ أو الجحود، فتجد نفسك تشحذ، إذ هي في عوز وفقيرة، إنها في حزن... أعطها خبزًا... لو سأل الفرِّيسي: أي خبز أقدِّمه لها؟ يجيب الرب: أعطها صدقة... (بمعنى آخر حب نفسك كما يليق بأن تحب الآخرين، وتصدَّق على نفسك بأن تعطي الغير.

القدِّيس أغسطينوس

انظروا هذه المجموعة العظيمة من الأدوية! فرحمة الله تنقِّينا، وكلمته تطهرنا، كما هو مكتوب: "أنتم أنقياء بسبب الكلام الذي كلَّمتكم به" (يو 15: 3)، كما تجد اللحن الشجي: "الصدقة تنجِّي من الموت" (طو 12: 9)، "خبِّئ الصدقة في قلب المسكين يشفع عنك في الأيام "الشرِّيرة" (سيراخ 29: 12).

القدِّيس أمبروسيوس

إننا نؤكِّد أنه توجد طرق متعدِّدة للسلوك الفاضل مثل الوداعة والتواضع وغير ذلك من الفضائل اللطيفة، فلماذا حذف السيِّد هذه وأمرهم بالترفُّق؟ أيَّة إجابة نقدِّمها؟ لقد كان الفرِّيسيُّون طمَّاعين، عبيدًا للربح القبيح يجمعون الغنى بطريقة شرهة ويخزِّنوه. تحدَّث عنهم إله الكل قائلاً: "كيف صارت القرية (المدينة) الأمينة (صهيون) زانية؟ ملآنة حقًا، كان العدل يبيت فيها، وأما الآن فقاتلون. صارت فضَّتِك زغْلاً، وخمرك مغشوشة بماء، رؤساؤك متمرِّدون ولغفاء اللصوص، كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا، لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم" (إش 1: 21-23).

لقد تطلَّع عن عمد إلى مرضهم الذي سيطر عليهم ونزع طعمهم من جذوره ليخلُصوا من شرِّه وينالوا نقاوة الذهن والقلب فيصيروا عابدين حقيقيِّين.

هكذا عمل المخلِّص في كل هذا بما يناسب خطَّة الخلاص، وإذ دُعي إلى وليمة قدَّم هو طعامًا روحيًا لا لمستضيفه وحده بل لكل الذين معه في الوليمة.

القدِّيس كيرلس الكبير

أمرنا الرحوم أن نُظهر رحمة، وإذ يطلب أن ينقذ الذين خلَّصهم بثمنٍ عظيمٍ، أمَر الذين تدنَّسوا بعد نوالهم نعمة المعموديَّة أن يتطهَّروا جيِّدًا من جديد.

القدِّيس كبريانوس

رابعًا: لئلاَّ تُمارس الصدقة بغير نقاوة، أي بضميرٍ معوجٍ، أوضح لهم أنه إذ يسألهم الصدقة يطلب فيهم الحق ومحبَّة الله، وليس الممارسة في شكليَّاتها الظاهرة، إذ يقول: "ولكن ويل لكم أيها الفرِّيسيُّون لأنكم تعشِّرون النعنع والسذاب وكل بقل، وتتجاوزون عن الحق ومحبَّة الله، كان ينبغي إن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك" [42]. إنهم يهتمون بالصغائر لأجل المجد البشري. فيقدِّمون العشور عن النعناع والبقول والسذاب المزروع في بيوتهم أو حدائقهم، ليظهروا للناس أنهم مدقِّقون في تنفيذ الناموس، بينما يتجاهلون الحق ومحبَّة الله، الأمور الإيمانيَّة الحيَّة. يتجاهلون الحق الإلهي ولا يحملون محبَّته في داخلهم، لكنهم يتسربلون بثوب التدقيق في تنفيذ الشريعة، مع أنه كان ينبغي عليهم أن يعملوا هذه ولا يتركوا تلك.

هذا والسذّاب هو شجرة من فصيلة "النجمة" تنمو في فلسطين، تُستخدم في أغراض طبيَّه.

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [يحفظون الأمور العديمة الفائدة، ويهملون الأمور التي تهب الرجاء.]

يرى القدِّيس كيرلس الكبير أن الفرِّيسيِّين كانوا يدقِّقون في الوصايا التي تمس الزمنيَّات، مثل دفع العشور لكي يكون لهم نصيب فيها، أما الأمور التي تخص القلب والأبديَّات فلا تشغلهم... فالاهتمام بوصايا "العشور" لا تقوم على غيرتهم على إتمام الشريعة بل بسبب طمعهم.

خامسًا: لعل أخطر عدو يفسد الحياة الروحيَّة هو حب الرئاسات والكرامة الزمنيَّة، لذا يحذِّرنا السيِّد بقوله للفرِّيسيِّين:

"ويل لكم أيها الفرِّيسيُّون، لأنكم تحبُّون المجلس الأول في المجامع والتحيَّات في الأسواق.ويل لكم أيها الكتبة والفرِّيسيُّون المراؤون، لأنكم مثل القبور المختفية، والذين يمشون عليها لا يعلمون" [43-44].

يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو بالحقيقة البؤس الدنيء، أننا بينما نُحسب أهلاً لأن نكون هياكل، إذ بنا نصير فجأة قبورًا مملوءة فسادًا.]


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك