إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

ليس الطموح خطية بل هو طاقة مقدسة به يتجه الإنسان إلى الكمال كصورة الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 11 جـ7 PDF Print Email

كان يليق باليهود كما يقول القدِّيس كيرلس الكبير أن يدركوا خطأهم، لكنهم اِنشغلوا بطلب آية من السماء بمكرٍ، إذ يقول:

[نبع طلبهم عن مكرٍ، فلم يُستجاب لهم، كقول الكتاب: "يطلبني الأشرار ولا يجدونني" (راجع هو 5: 6)... لقد قال لهم أنه لا تعطى لهم سوى آية يونان التي تعني آلام الصليب والقيامة من الأموات، إذ يقول: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام... لم يقدِّم آية لليهود لكنه قدم هذه الآلام الضروريَّة لخلاص العالم... في حديثه معهم قال: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمة" (يو 2: 19). فإن إبادته للموت وإصلاحه الفساد بالقيامة من الأموات هو علامة عظيمة على قوَّة الكلمة المتجسِّد وسلطانه الإلهي، وبرهانًا كافيًا كما أظن في حكم الناس الجادِّين. لكنهم رشوا عسكر بيلاطس بمبلغٍ كبيرٍ من المال ليقولوا أن "تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه" (مت 28: 13). لقد كانت (قيامته) علامة ليست بهيِّنة، بل كافية لإقناع سكان الأرض كلها إن المسيح هو الله، وأنه تألَّم بالجسد باختياره، وقام ثانية. أمر قيود الموت أن ترحل، والفساد أن يُطرح خارجًا، لكن اليهود لم يؤمنوا حتى بهذا، لذلك قيل عنهم بحق: "ملِكة التيْمَنْ ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه"... هذه المرأة مع أنها من المتبربرين، لكنها طلبت بشغفٍ أن تسمع سليمان، وقد تحمَّلت السفر لمسافة طويلة بهذا الهدف لكي تسمع حكمته بخصوص طبيعة الأمور المنظورة والحيوانات والنباتات. أما أنتم فحاضر بينكم "الحكمة" ذاته الذي جاء إليكم ليحدِّثكم عن الأمور السماويَّة غير المنظورة، مؤكِّدًا ما يقوله بالأعمال والعجائب وإذا بكم تتركون الكلمة وتجتازون بغير مبالاة طبيعة تعاليمه العجيبة.]

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [بعد إن حكم على شعب اليهود، ظهر بوضوح سرّ الكنيسة: شعب نينوى يتوب (يونان 3: 5)، وتسعى ملكة الجنوب لتتعلَّم الحكمة (1 مل 10: 1)، فتأتي من أقصى الأرض لتتعلَّم حكمة سليمان، صاحب السلام. إنها ملكة لمملكة غير منقسمة تتكوَّن من شعوب مختلفة متباعدة مثل جسدٍ واحدٍ، كالمسيح والكنيسة (أف 5: 32). لقد تحقَّق الآن ذلك ليس خلال رمز، بل بالحقيقة تم ذلك. قديمًا كان سليمان رمزًا، أما هنا فنجد المسيح قد جاء متجسِّدًا، وتظهر الكنيسة من جانبين: ترك الخطيَّة وهدمها خلال التوبة (كأهل نينوى)، وطلب الحكمة (كملكة سبأ).]

6. العين البسيطة

"ليس أحد يوقد سراجًا ويضعه في خفية، ولا تحت المكيال، بل على المنارة لكي ينظر الداخلون النور. سراج الجسد هو العين، فمتى كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيِّرًا، ومتى كانت شرِّيرة، فجسدك يكون مظلمًا. اُنظر اذًا لئلاَّ يكون النور الذي فيك ظلمة. فإن كان جسدك كله نيرًا ليس فيه جزء مظلم، يكون نيرًا كله، كما حينما يضيء لك السراج بلَمعانه" [33-36].

هذه العبارات الإلهيَّة كما أظن تكشف عن أساس "الصداقة الإلهيَّة"، فإن كان الله هو "نور"، يليق بنا أن نكون السراج الحامل للنور، الذي لا يختفي عنه عمل الله النوراني، بل يكون حاملاً له وشاهدًا لفاعليَّته. في صداقتنا نلتقي بالنور ليس تحت مكيال معين ولا بمقاييس بشريَّة، وإنما نُحمل على الحق الذي يرفعنا إلى فوق، فلا نخضع للزمن ولا للمكان، بل نحيا كملائكة الله السمائيِّين، نحلِّق في العلويَّات. صداقتنا هي "شركة في النور الإلهي"، أو "حياة علويَّة ملائكيَّة".

إن كنَّا نتساءل: كيف نصير سراجًا منيرًا، نحمل شهادة حق على منارة الحياة السماويَّة؟ يجيب الرب: "سراج الجسد هو العين". كأنه يُعلِّق التزامنا بالعين البسيطة لكي نقدر أن نعاين الرب البسيط. لتكن لنا البصيرة النقيَّة، التي لا تحمل تعقيدًا بل في بساطتها تحمل هدفًا واحدًا هو معاينة الرب. بهذا يرى القلب، الذي هو عين النفس وبصيرتها، الله متجلِّيًا في كل شيء، فتستنير النفس ويتقدَّس الجسد، ويصير الإنسان بكليَّته مقدِسًا للرب، وسراجًا يحمل النور الإلهي. وقد سبق لنا الحديث عن هذه العين البسيطة المقدَّسة بالله البسيط في دراستنا لإنجيل متى 6: 22-23.

يحدِّثنا القدِّيس أمبروسيوس عن السراج المنير بكونه إيماننا الإنجيلي أو إيماننا بكلمة الله التي هي النور الذي يكشف لنا الطريق، وبه نبحث عن الدرهم المفقود، إذ يقول:

[السراج هو الإيمان، كما هو مكتوب: "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" (مز 119: 105).

كلمة الله هو موضوع إيماننا، وهو النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسان آتيًا إلى العالم" (يو 1: 9)، هذا السراج لا يمكن أن ينير ما لم نستمد نوره من مصدر آخر (السيد المسيح).

السراج الذي نوقده هو قوَّة أرواحنا وعواطفنا، به نجد الدرهم المفقود (لو 15: 8).

لا يليق بالإنسان أن يضع هذا الإيمان (السراج) تحت مكيال الناموس، لأن الناموس محدود أما النعمة فبلا حدود، الناموس يقدِّم ظلاً أما النعمة فتنير. ليته لا يغلق أحد إيمانه في حدود مكيال الناموس، بل يأتي إلى الكنيسة فتزيِّنه نعمة الرب.

ليسلِّط رئيس الكهنة النور على عظائم اللاهوت الملوكي، فلا يخنقها ظل الناموس. قديمًا كان رئيس الكهنة يوقد الأسرجة حسب الطقوس اليهوديَّة بانتظام صباحًا ومساءً، لكنها قد انطفأت، لأنها وُضعت تحت مكيال الناموس، واختفت أورشليم الأرضيَّة التي قتلت الأنبياء (مت 23: 37)، أما أورشليم السماويَّة فقبلت إيماننا ووضعته على أعلى قمم الجبال أي على المسيح، لذلك أقول أنه لا يمكن للكنيسة أن تخفيها الظلمة ولا ظلال هذا العالم إنما تشع ببهاء الشمس الأبديَّة وتضيء علينا بأشعَّة نعمة الروح.]

7. التطهير الداخلي والعبادة بالروح

بعد أن قدَّم لنا الإنجيلي سرّ صداقتنا مع الله السماوي، أي العبادة بالروح والحق، خلال الصلاة بلجاجة، ووحدة الروح التي بلا انقسام، والالتصاق بكلمة الله وحِفظها عمليًا، والتوبة مع الإيمان بيونان الحق، واستنارة العين الداخليَّة، يختم حديثه بالإعلان عن الحاجة إلى "التطهير الداخلي" لتكون عبادتنا بالروح والحق لا ترتكز على شكليَّات خارجيَّة بلا أعماق.

جاء هذا الحديث خلال انتقاد أحد الفرِّيسيِّين للسيِّد المسيح لأنه لم يغتسل أولاً. وقد سبق لنا الحديث عن طقس الاغتسال عند اليهود وضرورته في أعينهم في دراستنا لإنجيل معلِّمنا مرقس 7: 1-23، كما سبق لنا دراسة أحاديث السيِّد المسيح ضد تصرُّفات الفرِّيسيِّين والناموسيِّين الشكليِّين والحِرَفيِّين في العبادة في دراستنا لإنجيل معلِّمنا متى الأصحاح 23). غير أننا نقدِّم هنا التعليقات التالية:

أولاً: كان هذا الفرِّيسي الذي دُعي السيِّد المسيح ليأكل عنده حاضرًا يسمع كلماته، وقد شاهد المرأة التي طُوِّبت من حملت به وأرضعته [27]، وربَّما كان هو أحد الفرِّيسيِّين الذين طلبوا منه آية من السماء. على أي الأحوال غالبًا ما كانت دعوته للسيِّد المسيح ليست نابعة عن حب خالص، وإنما لينصب له فخًا، ليراه هل يتبع التقاليد الفرِّيسيَّة في أكله وشربه أم لا. وقد قبِل السيِّد المسيح الدعوة، وعن عمد لم يغتسل ليس لأن في الاغتسال قبل الطعام خطأ، وإنما لأن مفاهيم الفرِّيسيِّين للاغتسال خاطئة، فأراد بتصرُّفه هذا أن يصحِّح مفاهيمهم، ويدخل بهم إلى العبادة اللائقة التي تُمارس بالروح والحق.

كان السيِّد يحدِّثهم عن العين البسيطة والسراج المنير، ولو إن عيني هذا الفرِّيسي بسيطة وسراجه الداخلي منير لانشغل قلبه بالمسيَّا وأدرك حقيقة شخصه أنه "مشتهى جميع الأمم"، فيه تتحقَّق النبوَّات، وبموته تهلَّل إبراهيم، لكنه خلال العين الشرِّيرة انشغل الفرِّيسي بالغسالات الخارجيَّة وانتقد المسيَّا مخلِّص العالم.

ثانيًا: إذ تعجب الفرِّيسي أن السيِّد المسيح لم يغتسل أولاً قبل الغذاء، قال له الرب:

"أنتم الآن أيها الفرِّيسيُّون تُنقُّون خارج الكاس والقصْعَة، وأمَّا باطنكم فمملوء اختطافًا وخبثًا. يا أغبياء، أليس الذي صنع الخارج صنع الداخل أيضًا؟" [39-40]

يرى القدِّيس أمبروسيوس أن الكأس التي يذكرها الرب إنما تشير إلى الجسد، فالكأس سريعة الانكسار، تسقط على الأرض فتتحطَّم. هكذا أيضًا الجسد يموت في لحظة ويفسد. أيضًا تشير الكأس إلى آلام الجسد، التي يحتملها الإنسان إن كانت اشتياقات قلبه الداخليَّة ملتهبة. إذن ليتنا لا نركِّز على الكأس في مظهره الخارجي، إنما نستطيع أن نشربه محتملين آلام الجسد إن كان القلب ملتهبًا بالحب. لذا يقول ربَّنا: "أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف" (مت 26: 42). وكأنه يليق بنا أن نبدأ بالروح الداخلي ليكون قويًا فنحتمل ضعفات الجسد.


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك