إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

نحن لا نحطم الطاقة الغضبية إنما نحسن توجيهها ، لأن الطاقة الغضبية يمكن أن تنتج الحماس والغيرة المقدسة والنخوة وإن تحطمت صار الإنسان خاملاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 11 جـ6 PDF Print Email

يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [دُعي الشيطان قويًا، ليس لأنه بالطبيعة هو هكذا، إنما بالإشارة إلى سلطانه القديم الذي صار له بسبب ضعفنا.] ويقول القدِّيس كيرلس الكبير: [هذا هو مصير عدوُّنا العام، الشيطان الخبيث، ذي الرؤوس المتعدِّدة، مبتدع الشرّ. فإنه قبل مجيء المخلِّص، كان في قوَّة عظيمة، يسوق القطعان التي ليست له إلى حظيرته، ويغلق عليها، هذه التي هي قطعان الله، فكان كلصٍ مفترسٍ ومتصلِّف للغاية. لكن إذ هاجمه كلمة الله الذي هو فوق الكل، واهب كل قوَّة، رب القوات، بكونه قد صار إنسانًا، فنهب منه أمتعته ووزَّع غنائمه. فإن أولئك الذين كانوا قبلاً قد أُسروا بواسطته في الخطأ والجحود دعاهم الرسل القدِّيسون إلى معرفة الحق والاقتراب إلى الله الآب خلال الإيمان بالابن.]

سابعًا: بعد أن قدَّم السيِّد المسيح هذا المثل، قال هذا المبدأ: "من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يُفرِّق" [23]. هنا يبرز السيِّد المسيح خطورة الحياة السلبيَّة التي خلالها يظن الإنسان أنه يقف في منتصف الطريق. فإن السيِّد المسيح يقدِّم طريقين لا ثالث لهما: النور أو الظلمة، مملكة الله أو إبليس. من كان يعمل بروح بعلزبول لا يطرد الشيَّاطين لحساب مملكة الله، إنما ينحني لمملكة الظلمة، وهكذا من يحمل روح الله لا يقبل إلا أن يعمل لحساب مملكة الله. وكأنه يطالبهم بمراجعة أنفسهم ليعرفوا بالحق أين هو مركزهم؟ هل هم معه يعملون على الجمع لحسابه، أو ضدُّه يعملون على تشتيت النفوس؟

كأنه يقول لهم قد جئت لأجمع أبناء الله فيّ، هؤلاء الذين شتَّتهم العدو إبليس، فالشيطان لا يعمل معي، بل يود تشتيت من أجمعهم، فهل تطلبونني لتعملوا للجمع أم تطلبونه فتقومون بالتشتيت؟ وكما يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [إنه يقول: جئت لأخلِّص كل إنسان من يدّ الشيطان، لأنقذهم من خبثه الذي اِصطادهم به، لأحرِّر المأسورين، وأُشرق نورًا على الذين في الظلمة، أُقيم الساقطين وأشفي منكسري القلوب، وأجمع أبناء الله المشتَّتين. وأما الشيطان فهو ليس معي، بل عليّ. بالعكس هو ضدِّي، إذ يتجاسر ليشتِّت الذين أجمعهم وأخلِّصهم. كيف إذن يمكن لذاك الذي يقاومني ويبُث شروره ضد غاياتي أن يعطيني سلطانًا ضدُّه؟ أليس من الغباوة إن تتخيَّلوا هذا؟]

يُعلِّق القدِّيس يوحنا الذهبي الفم على كلمات السيِّد، قائلاً على لسانه: [إن كان الذي لا يعمل معي يكون خصمًا لي، فكم بالأكثر من يقاومني؟ على أي الأحوال يبدو لي أنه قد أشار بهذا المثل إلى اليهود الذين ثاروا ضدَّه بواسطة الشيطان، إذ كانوا يعملون ضدَّه ويُشتِّتون من يجمعهم.]

ثامنًا: بعد أن عرض المثَل الأول الخاص بالأقوى الذي يطرد القوي ويوزِّع غنائمه معطيًا إيَّانا رجاء أن نختفي فيه لكي به نحارب العدو ونطرده من أعماقنا، يقدِّم لنا مثلاً آخر لتحذيرنا:

"متى خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة، وإذ لا يجد يقول: أرجع إلى بيتي الذي خرجتُ منه. فيأتي ويجده مكنوسًا مزيَّنًا. ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح أُخر أشرّ منه، فتدخل وتسكن هناك، فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرّ من أوائله" [24- 26].

بالمثلين وضَّح السيِّد المسيح الفارق بين عمل السيِّد المسيح وعمل الفرِّيسيِّين، ففي المثل الأول أظهر السيِّد المسيح بكونه الأقوى الذي يحرِّرنا ممن اِستقْوَى علينا وأسَرْنا بخُبثه، وفي المثَل الثاني أظهر عمل الفرِّيسيِّين وقادة اليهود الذين يجولون البَرّ والبحر لاصطياد إنسانٍ، وبعد قبوله الإيمان يجعلونه أشرّ منهم، إذ يتعثَّر فيهم. هكذا ينحرف للشرّ أكثر مما كان عليه قبل قبوله الإيمان. وكما قال الرب: "ويلٍ لكم أيها الكتبة والفرِّيسيُّون المراؤون، لأنكم تطوفون البحر والبَرْ، لتكسبوا دخيلاً واحدًا، ومتى حصل تصنعونه ابنًا لجُهنَّم أكثر منكم مضاعفًا" (مت 23: 15).

بهذا المثَل يحذِّرنا لئلاَّ نبدأ الطريق ولا نكمِّله، فإننا إذ نبدأ نطرد الشيَّاطين من قلوبنا كما من مسكنه، لكنه لا يجد راحته إلا في العودة من حيث طُرد، وهكذا يبقى متربِّصًا لعلَّه في تهاوننا يرجع بصورة أشرّ وأقوى لكي يسكن من جديد. هذا هو حال كثير من المسيحيِّين بدأوا بالروح وللأسف كمَّلوا بالجسد (غل 3: 3)، فعاد إبليس ليجد قلوبهم مسكنًا له مكنوسًا ومزيَّنًا لاستقباله.

هذا هو حال اليهود الذين سبقوا الأمم في معرفة الله، وكأنهم قد تمتَّعوا بطرد إبليس من قلوبهم، لكنهم إذ جحدوا الرب صاروا أشرّ ممَّا كان عليه قبل الإيمان، بل وأشرّ من الأمم. هذا ما يقوله القدِّيس أمبروسيوس: [بإنسان واحد يُرمز لكل الشعب اليهودي، فالروح النجس خرج بالناموس، ولما لم يجد راحة في الأمم، إذ قبلوا الإيمان المسيحي الذي يحرق الروح النجس، وقد ارتوت قلوب الأمم الجافة بندى الروح القدس وانطفأت سهام العدو الملتهبة نارًا (أف 6: 16)، رجع الروح النجس إلى الشعب اليهودي ومعه أرواح أشرّ منه. هنا رقم 7 يشير إلى كمال العدد.] بنفس المعنى يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [إذ كانوا تحت العبوديَّة بمصر، يعيشون حسب عادات المصريِّين ونواميسهم المملوءة دنسًا سلكوا حياة دنسة وسكن الروح النجس فيهم، إذ يسكن في القلوب الشرِّيرة. ولكن إذ خلصوا بواسطة موسى خلال رحمة الله وتقبَّلوا الشريعة كمعلِّم في مدرسة، ودُعوا إلى نور معرفة الله الحقيقيَّة، طُرد منهم الروح النجس الفاسد. ولكنهم إذ لم يؤمنوا بالمسيح بل جحدوا المخلِّص، هاجمهم الروح النجس من جديد، فوجد قلبهم فارغًا، خاليًا من مخافة الله، كما لو كان مكنوسًا فسكن فيهم. فكما أن الروح القدس إذ يجد قلبًا متحرِّرا من كل دنس، طاهرًا، يأتي ويسكن فيه ويستريح هناك، هكذا الروح الشرِّير اعتاد على السُكنى في قلوب الأشرار، لأنهم ـ كما قلت ـ خالون من كل فضيلة وليس فيهم خوف الرب. بهذا صار أواخر الإسرائيليِّين أشر من أوائلهم.]

4. الصداقة وكلمة الله

"وفيما هو يتكلَّم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع. وقالت له:"طوبى للبطن الذي حَملك، والثدْيين اللذيْن رضعتهما.أما هو فقال: بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه" [27-28].

إذ سمعت المرأة حديث السيِّد طوّبت من حملته وأرضعته. وبلا شك فإن القدِّيسة مريم تستحق الطوبى، غير إن السيِّد لم ينزع عنها التطويب، إنما حثنا لننال نحن أيضًا الطوبى بقوله: "طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه". وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أن القدِّيسة مريم قد تزكَّت بالأكثر بهذه الكلمات إذ حملته في نفسها كما حملته في جسدها. ويقول القدِّيس أغسطينوس: [اقترابها كأُم لا يفيد مريم لو لم تكن قد حملته في قلبها بطريقة طوباويَّة، أكثر من حملها إيّاه في جسدها.]

لقد فتح لنا الرب باب اللقاء معه والتمتُع بصداقته، فإن كان قد طالبنا في بداية الأصحاح بالصلاة بلجاجة ثم حثَّنا على وحدانيَّة الروح بلا انشقاق والتمتُع بعمل الروح القدس فينا، فإنه الآن يحثُنا على الالتصاق بكلمة الله وحفظها قلبيًا وسلوكيًا. إن كنَّا لم ننعم بحمل السيِّد المسيح جسديًا أو اللقاء معه كمن كانوا معه في أيامه، لكن إنجيله بين أيدينا، إن سمعناه وحفظناه رأيناه متجلِّيًا في الداخل.

يرى القدِّيس أغسطينوس أن هذا الحديث الإلهي يمس حياة الكنيسة كلها التي تختبر حياة الوحدة كجسد واحد للرب، إذ يقول: [ليته لا يفرح أحد من أجل نسله المؤقت، بل بالحري بالروح الذي يربطهم بالله.]



5. الصداقة وآية يونان النبي

"وفيما كان الجموع مزدحمين اِبتدأ يقول: هذا الجيل شرِّير، يطلب آية، ولا تُعطى له إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن الإنسان أيضًا لهذا الجيل.ملِكة التيْمَنْ ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم،لأنها أتَتْ من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان،وهوذا أعظم من سليمان ههنا.رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه،لأنهم تابوا بمناداة يونان" [29-33].

لقد طلب قوم منه آية من السماء أما هو فيُقدِّم نفسه لهم آية، معلنًا يونان النبي كرمزٍ لشخصه الذي انطلق من الجوف كما من القبر قائمًا من الأموات (مت 12: 40) وبكرازته أنقذ أهل نينوى الشعب الأممي، وأيضًا سليمان الحكيم الذي اجتذب الأمميَّة ملكة التيْمَنْ من أقاصي الأرض تمثِّل كنيسة الأمم القادمة، لا لتسمع حكمة بل تمارسها. تلتقي مع حكمة الله نفسه. في الرمزين ظهرت كنيسة الأمم واضحة تلتصق برأسها يونان الحقيقي، القائم كما من الجوف، وسليمان الحكيم واهب السلام والحكمة.

يوضِّح القدِّيس كيرلس الكبير في تعليقه على إنجيل لوقا إن الآية ليست عملاً استعراضيًا كما ظن اليهود، فحينما قدَّم لهم موسى قديمًا بعض الآيات كانت هادفة، خاصة للكشف عن خطاياهم من أجل التوبة فعندما طرح العصا على الأرض فصارت حيَّة ثم أمسك بذنَبها عادت عصا، إنما أشار بالعصا إلى اليهود الذين طُرحوا بين المصريِّين، فصاروا كالحيَّة لتمثلهم بعاداتهم ورجاساتهم وبُعدهم عن الله، وكأنهم قد سقطوا من يديه كما طُرحت العصا من يديّ موسى، لكن إذ أمسك الله بهم كما أمسك موسى بذَنَب الحيَّة عادوا إلى حالهم الأول، إذ صارت الحيَّة عصا، مغروسة في الفردوس، إذ دعوا لمعرفة الله الحقيقية، واغتنوا بالشريعة كطريق للحياة الفاضلة.

هكذا تكرَّر الأمر عندما أدخل يده في عِبِّه ثم أخرجها، وإذ هي برصاء مثل الثلج. ثم عاد فردَّها إلى عِبِّه لينزع عنها البرص، فإن هذه الآية لم تُصنع بلا هدف، إنما تشير إلى إسرائيل الذي كان تحت رعاية الله وحمايته حين كان متمسِّكًا بعادات آبائه سالكًا بروح الحياة الفاضلة اللائقة به، والتي له في إبراهيم وإسحق ويعقوب. فكان كمن في حضن (عِبّْ) الله، لكن إذ خرج عن ذلك كيَدّْ موسى، أي خرج عن حياة آبائه الإيمانيَّة الفاضلة أُصيب بالبرص، أي النجاسة. وإذ عاد فقبل العودة إلى حضن الله وتحت رعايته الإلهيَّة نُزع عنه دنس المصريِّين.


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك