إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان المتواضع لا يقول كلمة تقلل من شأن أحد ولا يتصرف تصرفاً يخدش شعور أحد أو يجرحه أو يحط من كرامته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 10 جـ4 PDF Print Email

"فأجاب يسوع وقال:إنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا،فوقع بين لصوص، فعرُّوه وجرحوه،ومضوا وتركوه بين حيّ وميِّت" [30].

أ. إنسان: يقول القدِّيس ساويرس: [لم يقل مخلِّصنا "أناس كانوا نازلين، بل قال "إنسان كان نازلاً". إن المسألة تخص البشريَّة جمعاء، فبالحقيقة بسبب تعدي آدم للوصيَّة سقطت من مسكن الفردوس العالي المرتفع الهادئ، الذي دُعي بحق "أورشليم"، ومعناها "سلام الله"، إلى أريحا التي هي مدينة في وادٍ منخفضٍ يخنقه الحر.] فقصَّة الساقط بين اللصوص هي قصَّة كل نفس بشريَّة انحدرت من الفردوس خلال آدم الأول، فقد سلام الله ورؤيته، إذ يقال أن "أورشليم" أيضًا تعني "رؤية السلام".

ب. كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا: يقول العلامة أوريجينوس: [حسب تفسير أحد السابقين: الإنسان النازل يمثِّل آدم، وأورشليم تمثِّل الفردوس، وأريحا هي العالم، واللصوص هو القوَّة العدوانيَّة، الكاهن هو الناموس، واللاوي هو الأنبياء، والسامري هو المسيح، الجراحات هي العصيان، والدابة هي جسد المسيح، والفندق المفتوح لكل من يريد الدخول فيه هو الكنيسة، والديناران يمثِّلان الآب والابن، وصاحب الفندق هو رئيس الكنيسة الذي يدبِّرها، ووعد السامري بالعودة هو تصوُّر لمجيء المسيح الثاني.]

هذه الرموز التي قدَّمها العلامة أوريجينوس في القرن الثاني معلنًا أنه قد استقاها عن أحد القدامى، ربَّما معلِّمه الروحي القدِّيس إكليمنضس السكندري أو سابقه القدِّيس بنتينوس، يكشف لنا عن إدراك الكنيسة الأولى للمثل بوجه عام وعن مفهوم أورشليم والتي نزلنا منها متَّجهين نحو أريحا.

تلقَّف القدِّيس أمبروسيوس هذا التفسير ليحدِّثنا في شيء من الإفاضة عن أريحا التي نزلت إليها البشريَّة منحدرة من أورشليم، أي من الفردوس، متَّجهة نحو "العالم"، فإن أريحا هي العالم، فهي مدينة كانت محاطة بأسوار وحواجز لم يَخلُّص منها إلا الذين احتضنتهم راحاب الزانيَّة التي قبلت الجاسوسين بالإيمان وخبَّأتهما على سطح منزلها بين عيدان الكتان.

ج. فوقع بين لصوص: هؤلاء اللصوص يمثِّلون إبليس بجيشه من ملائكة أشرار، أو بإغراءاته إذ يترقَّب النفس التي تخرج من أسوار أورشليم ولو بالفكر إلى لحظات، لكي يقتنصها لحسابه، مهاجمًا إيَّاها بملائكته الأشرار، وناصبًا لها كل أنواع الفخاخ المناسبة لتحطيمها.

الإنسان الذي ينزل من أورشليم إلى أريحا يقع في أيدي اللصوص، لأنه بإرادته قد نزل... يقول المخلِّص: "جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص" (يو 10: 8)...

ما هي هذه الجروح التي أصابت الإنسان؟ أنها رذائل الخطيَّة.

العلامة أوريجينوس

سبْي طبيعة الإنسان لم يكن بتغيير المكان، وإنما بتغيير السلوك، فما انحدر إلى خطايا العالم حتى قابله اللصوص، وإذ اِنحرف عن الوصايا السماويَّة تعرَّض للقاء معهم.

اللصوص هم ملائكة الليل والظلمة الذين يغيِّرون شكلهم أحيانًا إلى ملائكة نور (2 كو 11: 14)، ولكن لا يقدرون أن يبقوا هكذا ثابتين (كملائكة نور)، بل يبدأون في تجريدنا من ثياب النعمة الروحيَّة التي نلناها، وهكذا يصيبوننا بجراحات. لأننا إن حفظنا الثوب الذي نلناه بلا دنس لا يمكننا أن نشعر بضربات اللصوص.

اِحذر لئلا تُجرَّد من ثوب الإيمان، فإن هذا قد كان الضربة القاضية العنيفة التي كان يمكن أن تُهلك الجنس البشري كله لولا نزول "السامري" لشفاء الجراحات القاسية.

القدِّيس أمبروسيوس

يعلِّمنا أن حياة الأهواء في هذا العالم تفصل (البشرية) عن الله، وتسحبها إلى أسفل، وتسبب لها اختناقًا بحرارة الشهوات المُخزية، وتنتج قلقًا وتدني بها إلى الموت.

إذ سقطت البشريَّة هكذا، وانقلبت انجذبت إلى أسفل، انقادت رُويدًا رُويدًا إلى هِوَّة السقوط، هاجمها جمع من الشيَّاطين، فجرَّدها من ثياب الكمال على نحو ما تفعل عصابة من اللصوص، ولم يتركوا لها بقيَّة من قوَّة أو مسحة من الطهارة أو البر أو الحكمة أو أي شيء ممَّا يمثِّل الصورة الإلهيَّة، وهكذا وئدت بجراح الخطايا المختلفة المتكرِّرة، وبالجملة قاتل الشيَّاطين البشريَّة وتركوها بين حيَّة وميِّتة.

هذا بالحقيقة يبيِّن جيِّدًا ما اختصَّ به هذا المثَل من عُمق تدركه بالتأمَّل، لأن من عادة اللصوص والسُرَّاق أن يُحدِثوا أولاً الإصابات والجروح، حتى يجَرِّدوا الجريح بعد ذلك من ملابسه، ليس هناك في أغلب الأحيان ما يدعوهم إلى إحداث إصابة بعد ذلك. ولكن الشيَّاطين، وهم بمثابة اللصوص لا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً، ما لم يرفعوا عنه ثياب الفضائل أولاً، وبعد ذلك يجرحونه بدون شفقة حتى الموت، لأنهم لا يريدون منَّا ملابسنا، بل ما يريدونه بالحقيقة هو خسارتنا وموْتنا، لذلك قال ربَّنا بحكمة: "فعرُّوه وجرحوه".

القدِّيس ساويرس الأنطاكي


د. الكاهن واللاوي والسامري
: إن كان الكاهن يمثِّل الشريعة واللاوي يمثِّل النبوَّات، فإنه لم يكن ممكنًا للناموس أو الشريعة أو النبوَّات أن تضمد جراحاتنا الخفيَّة، وتردِّنا إلى طبيعتنا التي خلقنا الله عليها، لكن "السامري الصالح" الذي يمثِّل السيِّد المسيح وحده ينزل إلينا، ويحملنا في جسده، مباركًا طبيعتنا فيه، مقدِّما لنا كل شفاءٍ حقيقيٍ يمس تجديد حياتنا.

الكاهن كما أظن هو الناموس، واللاوي أيضًا يمثِّل الأنبياء، الاثنان ينظران إلى الجريح ويتركانه هناك. تركت العناية الإلهيَّة هذا الرجل بين حيّ وميِّت ليكون تحت اهتمام من هو أقوى من الناموس والأنبياء. إنه "السامري" الذي اِسمه يعني "الحارس"، فإن حارس إسرائيل لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4). لكي يساعد هذا الرجل الذي بين حي وميِّت نزل السامري إلى الطريق، لكنه لم ينزل من أورشليم إلى أريحا مثل الكاهن واللاوي، إنما نزل إليه يقصد خلاص هذا المنازع والسهر عليه. فاليهود قالوا له: "إنك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48)، وإذ أكَّد لهم أنه ليس به شيطان لم يرد يسوع أن ينكر أنه السامري إذ هو الحارس.

العلامة أوريجينوس

لم يكن السامري هو أول من جاء، فالذي احتقره الكاهن واللاوي لم يحتقره السامري بدوره. لا تحتقره من أجل جنسه. فإنك إن عرفت تفسير اِسمه تعجب به، فإن اِسمه يعني "حارسًا". هذا الحارس قيل عنه: "الرب يحفظ الصغار" (مز 116: 6)... تُرى من نزل من السماء إلا الذي صعد إلى السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء (يو 3: 13)؟ هذا الذي رأى الإنسان بين حيّ وميِّت، لم يستطع أحد أشقَّائه أن يشفيه... فاقترب منه بقبوله الآلام معنا واقترابه منَّا وسكب رحمته علينا، فصار قريبنا.

القدِّيس أمبروسيوس

عندما كانت البشريَّة ملقاة على الأرض، وما هي إلا لحظات لتفقد الوعي وتنتهي، رآها الناموسي المعُطَى بواسطة موسى. هذا في الواقع ما تشير إليه بعد ذلك بالكاهن واللآوي أيضًا، لأن الناموسي هو طبيب الكهنوت اللاوي. رآها لكن كان ينقصه النشاط والقوَّة، فلم يستطع أن يجلب لها الشفاء الكامل، ولم يقم البشريَّة التي كانت ملقاة على الأرض... يقول بولس الرسول: "الذي هو رمز للوقت الحاضر الذي فيه تقدَّم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم" (عب 9: 9). "وليس بدم تيوس وعجول، بل بدم نفسه دخل مرَّة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبديًا" (عب 9: 12). لذلك لم يقل ربَّنا: "إن الكاهن واللاوي بعدما رأيا الرجل بين حيّ وميِّت ملقى على الأرض، "جازا عنه"، لكنه قال "فعرض أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مقابله. وكذلك لاوي أيضًا، إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله" [31-32].

كل منهما لم يتخطَّ الرجل فيتركه جانبًا دون أن يراه؛ بل وقف أمامه ورآه وفكر في شفائه ولمسه، ولما وجد أنه غير قادر على شفائه وقد غلبته خطورة جراحاته أي الأهواء، حينئذ رجع إلى الوراء راكضًا. وهذا هو ما تظهره عبارة: "جاز مقابله".

وأخيرًا يقول: "ولكن سامريًا مسافرًا جاء إليه، ولما رآه تحنَّن. فتقدَّم وضمّد جراحاته، وصبّ عليها زيتًا وخمرًا وأركبه على دابَّته، وأتى به إلى فندق اعتنى به" [33-34].

هنا يدعو المسيح نفسه بحق سامريًا وهو يخاطب ناموسيًا يفتخر في ذاته كثيرًا بالناموس؛ اهتم بأن يبين بقوله أنه ليس بالكاهن ولا اللاوي وعلى وجَّه العموم ليس الذين كانوا يعتقدون أنهم يسلكون حسب وصايا موسى عندهم القدرة. بل هو ذاته الذي أتى لكي يكمل إرادة الناموس مبيِّنًا بالوقائع ذاتها من هو القريب بالحقيقة، وما تنطوي عليه العبارة "تحب قريبك كنفسك" وهو الذي كان اليهود يقولون له شاتمين: "ألسنا نقول حسنًا إنك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48)، وهو الذي كانوا يتَّهمونه كثيرًا بتعدِّي الناموس.

وبمعنى آخر لا يرى أحد في تسمية المسيح بالسامري ما هو غير جدير، ولو أنها تبدو بطريقة ما أنها تسمية غير مناسبة لجلاله القدُّوس.

القدِّيس ساويرس الأنطاكي

صلِ من أجلي لكي أرى أورشليم مرَّة أخرى تاركًا بابل... فقد نسيت تحذير الإنجيل لي أن من ينزل من أورشليم يسقط في الحال بين أيدي اللصوص، فيحطِّمونه ويجرحونه ويتركونه للموت. وبالرغم من أن الكاهن واللاوي قد يهملانني، لكن لا يزال يوجد السامري الصالح الذي لما قال له الناس: "إنك سامري وبك شيطان" (يو 8: 48) فنَّد قولهم الخاص بأن به شيطان لكنه لم يدافع عن القول بأنه سامري.

القدِّيس جيروم

"سامري" معناه "حارس". فإنه يعرف أنه حارسنا، إذ "حارس إسرائيل لا ينعس ولا ينام " (مز 121: 4)، "وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يتعب الحراس" (مز 127: 1). حارسنا هو نفسه خالقنا.

القدِّيس أغسطينوس

ليته لا يخف إنسان ما من الهلاك، مهما كان سقوطه، فإن السامري الصالح الذي هو حارس النفوس، أقول أنه لن يجتازه، بل يحنو عليه ويشفيه.

القدِّيس أمبروسيوس

هـ. "وضمد جراحاته وصب زيتًا وخمرًا" [34].

حينما ينهار إنسان تحت ثقل الخطيَّة وتُصاب نفسه بجراحات عميقة لا يحتاج إلى كلمات توبيخ جارحة بالرغم من مسئوليَّته عن هذه الجراحات، لكنه يحتاج من يضمِّد جراحاته أي يستر ضعفاته أمام الآخرين، ولا يكشفها للغير، كما يحتاج إلى الزيت لتلطيف حِدَّة الألم، لا إلى مواد تلهب الجراح، أما الخمر فربَّما يشير إلى التأديب، فيمتزج الزيت بالخمر، أي اللطف بالتأديب، والحنان بالحزم. وربَّما يشير الخمر إلى الفرح، فإن كانت النفس قد انكسرت بالخطيَّة، وفقدت سلامها وتحوَّلت حياة الإنسان إلى دموع، فإن طبيبنا يود أن يرد إلينا "بهجة خلاصنا" من جديد.

لم يترك السامري الصالح المُلقى بين حيّ وميِّت، لأنه رأى فيه نسمات حياة، فترجَّى شفاءه.

أما يبدو لك الإنسان الساقط في الخطيَّة بين حيّ وميِّت ؟ يستطيع الإيمان أن يجد فيه نسمة حياة!

إن كان الساقط بين حيّ وميِّت صبّ عليه زيتًا وخمرًا، لا تصب خمرًا بلا زيت حتى تكون له راحة مع آلام التطهير. اِتْكئه على صدرك، قدِّمه لصاحب الفندق، واِدفع الدينارين لأجل شفائه وكن له قريبًا!

لهذا الطبيب أدويته الكثيرة، فقد اعتاد أن يهب بها الشفاء... يضمِّد الجراحات بوصايا حازمة ويبعث الدفء عندما يغفر الخطايا. وينخس القلب كما تفعل الخمر، عندما يعلن دينونته. وأركبه على دابَّته؛ تأمَّل كيف يُصعدك (فيه) إذ حمل خطايانا وتألَّم لأجلنا (إش 53: 4). حمل الراعي أيضًا الخروف الضال على منكبيْه (لو 15: 5).

القدِّيس أمبروسيوس


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح10 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


11 هاتور 1735 ش
21 نوفمبر 2018 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك