إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التكريس هو نمو فى الحب حتى يصبح القلب كله لله فى مناجاته أو خدمته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 10 جـ3 PDF Print Email



"كل شيء قد دُفع إلىّ من أبي،وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب،ولا من هو الآب إلا الابن، ومن أراد أن يُعلِن له" [22].

يتحدَّث هنا عن نوع معين من المعرفة (معرفة خلال وحدة الجوهر) لا يملكه آخر.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

لم يقل "يعلن" بخصوص الإعلان في المستقبل فقط، إنما بدأ الابن يعلن عن الآب عندما وُلد من مريم، وأُعلن عنه بطرق متنوِّعة عبر الزمن. الابن حاضر... يعلن عن الآب للكل، لمن يريد، وحينما يريد الآب.

القدِّيس إيريناؤس

لم يتعلَّم بولس الإيمان بالكلمات فحسب (معرفة كلاميَّة) وإنما تمتَّع بغنى الروح، حتى ينير الإعلان كل نفسه ويتكلَّم المسيح فيه.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

صارت الأذهان الجديدة حكيمة بحكمة جديدة، جاءت هذه الأذهان إلى الوجود خلال العهد الجديد حيث نزعت الغباوة القديمة.

القدِّيس إكليمنضس السكندري

من هذا نُدرك أن الحكمة الجديدة التي من أجلها تهلَّل يسوع توهب لنا في المسيح يسوع بخلع إنساننا القديم، وتمتُّعنا بالإنسان الجديد الذي على صورة خالقنا، صورة المسيح. خلال هذا الإنسان الجديد، أي اتحادنا مع الله في المسيح يسوع، نصير أولاد الله أو أطفاله نتعرَّف على أسراره الإلهيَّة. لهذا السبب يُعلِّق القدِّيس إكليمنضس السكندري على تمتَّع الأطفال بالحكمة بقوله: [بالحق هل نحن أطفال الله، تركنا الإنسان القديم، وخلعنا ثوب الشر، ولبسنا خلود المسيح، فنصير شعبًا جديدًا مقدَّسًا خلال الميلاد الجديد، ونحفظ إنساننا غير دنس، وكأطفال لله نغتسل من الزنا؟]

إذن لنكن أطفالاً حقيقيِّين، بخلع لباس الشرّ والسلوك كأبناء الله، فيكشف لنا الرب أسراره، ويتهلَّل من أجل الحكمة التي يهبنا إياها.

3. مثَل السامري الصالح

إن كان الله في حبِّه يشتاق إلى كل نفسٍ، فقد رأينا ربَّنا يسوع المسيح يتهلَّل بالروح من أجل تمتَّع البسطاء بنعمة المعرفة الروحيَّة، ولئلا يظن اليهود أن هذه النعمة حِكْر على بني جنسهم، قدَّم لنا السيِّد مثل "السامري الصالح" ليُعلن مفهوم الأُخوَّة العامة أو الجامعة بالنسبة للإنسان طيب القلب، فكم بالحري يليق بالله أن يحب كل البشريَّة التي هي من صنع يديه، دون تمييز بين جنس أو لغة.

"وإذا ناموسي قام يجُرِّبه، قائلاً: يا معلِّم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديَّة؟فقال له: ما هو مكتوب في الناموس، كيف تقرأ؟ فأجاب وقال:تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك،ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك،وقريبك مثل نفسك.فقال له: بالصواب أجبت، افعل هذا فتحيا.وأما هو فإذا أراد أن يبرِّر نفسه،قال ليسوع: ومن هو قريبي؟" [25-29]

بلا شك مثل السامري الصالح هو أحد المعالم الهامة في إنجيل معلِّمنا لوقا البشير، لِما حواه من مفاهيم روحيَّة ولاهوتيَّة عميقة، لكن معلِّمنا لوقا لم يرد أن يورده إلا من خلال الظروف التي أحاطت بالنطق به، إذ تزيد الظروف من المثل بهاءً، وتكسبه جمالاً أعظم، فإننا لا نقدر أن ندرك قيمة النور ما لم نتحسَّس الظلام، ولا يعرف قيمة الصحَّة إلاَّ الذي ذاق المرض. يمكننا أن نُلخص ملابسات هذا المثَل في النقاط التالية:

أولاً: يقول الإنجيلي "وإذا ناموسي قام يجُرِّبه"؛ لعل الناموسي قد حسد السيِّد لِما رآه فيه كصاحب سلطان في أعماله وفي كلماته، الأمر الذي بهر الشعب، فالتفوا حوله، مع أنه لم يتخرج في مدرسة المدارش التقليديَّة، وقد اقتحم صفوف المعلمين دون استئذان وفاقهم، بل وصار يمثِّل خطرًا عليهم بتعاليمه الروحيَّة ومفاهيمه الفائقة. والعجيب أن هذا الناموسي، وهو معلِّم في الشريعة أو الناموس اليهودي في أدب اجتماعي "قام" يسأل السيِّد، أما في قلبه فقد أراد أن "يجُرِّبه"، وقد ورد هذا التعبير عن إبليس (لو 4: 22)... حمل الناموسي صورة التقوَّى وقلب إبليس في داخله! لكن السيِّد يخرج من الآكل أُكلاً ومن الجافي حلاوة.

ثانيًا: جاء سؤال الناموسي: "يا معلِّم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديَّة؟" [25] يكشف في أعماقه ما أصاب الأُمَّة اليهوديَّة، فمع ما لديهم من الكتب المقدَّسة التي تضم الناموس والنبوَّات لكن المعلِّمين أنفسهم يشعرون بالعجز العملي عن بلوغ الراحة الداخليَّة، أو التمتُّع بالحياة، لهذا لم يقل: "ماذا أتعلَّم؟" أو بماذا أُعلِّم الآخرين؟ إنما قال: "ماذا أعمل؟" يمارس اليهود الكثير من الطقوس والعبادات بما فيها من ذبائح وتقدِّمات وصلوات، لكن بسبب العطش بقيَ السؤال: "ماذا أعمل؟" هكذا لن يتمتَّع أحد بالشبع ما لم يقبل السيِّد المسيح نفسه بكونه "الحياة الأبديَّة". هو سرّ الشبع!

لعل الناموسي بسؤاله أراد أن يُسقط السيِّد في فخْ، إذ حسبه أنه سيقدِّم وصايا جديدة مستهينًا بالشريعة الموسويَّة والوصايا العشر، فيتَّهمه بالاستهانة بالشريعة، أو بكسر الناموس.

ثالثًا: لم يعطِ السيِّد المسيح للناموسي فرصة ليتَّهمه ككاسر الناموس، إذ سأله عمَّا جاء في الناموس، مشدِّدًا على الوصايا، معطيًا إيَّاها مفهومًا جديدًا عميقًا. يعرف السيِّد المسيح أن الناموسي قد جاء ليجُرِّبه، ومع هذا لم يصدُّه، بل في رقَّة يمتدحه قائلاً: "بالصواب أجبت". فإنه لا يرُد الشرّ بالشرّ بل يغلبه بالخير، مستخدمًا اللطف لكي يكسبه.

رابعًا: قدَّم لنا آباء الكنيسة الكثير من التفاسير لهذا المثَل "السامري الصالح"، فمن الجانب السلوكي أراد الرب إبراز التزامنا باتِّساع القلب، لنقبل البشريَّة بكل أجناسها كأقرباء، وكما يقول القدِّيس جيروم: [نحن أقرباء، كل البشر أقرباء لبعضهم البعض، إذ لنا أب واحد.] ويرى العلامة أوريجينوس أن القرابة لا تقف عند حدود الدم ولا عند العمل، وإنما تقوم على تنفيذ وصيَّة الحب والرحمة، إذ يقول: [يعلَم يسوع أن هذا الرجل الذي نزل من أورشليم لم يكن قريبًا إلا للذي يريد أن يحفظ الوصايا، والمستعد أن يقدِّم المساعدة. لخَّص هذا بقوله: "فأي هؤلاء الثلاثة تُرى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟" [36] فلا الكاهن ولا اللاوي كان قريبًا له، وإنما بحسب إجابة الناموسي نفسه: "الذي صنع معه الرحمة" هو قريبه. "فقال له يسوع: "اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا" [37].] ويقول القدِّيس ساويرس الأنطاكي: [كثيرًا ما تظن عن جهلٍ أن الذي يشترك معك في ديانتك أو جنسيَّتك هو قريبك، أما أنا فأقول إن الذي يشترك في نفس الطبيعة البشريَّة هو قريبك، وكما رأيت الذي كان يرفع رأسه معتزًا بالملابس الكهنوتيَّة والذي كان يفتخر بتسميته لاويًا... لم يفكِّر أن ذاك الذي من بني جنسهما وهو عريان وقد تغطَّى بجراحات لا شفاء لها ومُلقى على الأرض، وقد أوشك أن يموت في لحظة، كان إنسانًا! لكنهما احتقروه كحجرٍ أو قطعةٍ من الخشب المرذول. أما السامري الذي لم يكن يعرف وصايا الناموس، والذي اشتهر بينهم (اليهود) بالغباء والجهل، إذ يقول الحكيم: "الجالسون في جبال السامرة والفلسطينيُّون والشعب الجاهل الساكن في سخيم" (حكمة يشوع 50: 28). هذا السامري عرف الطبيعة البشريَّة وفهم من هو القريب. من كان في نظركم أيها القضاة بعيدًا جدًا قد صار قريبًا جدًا لذاك الذي احتاج إلى علاج. فلا تُقصِر تعريف القريب عند الفكر اليهودي الضعيف الذي يقف عند مقاييس ضيِّقة خاصة بالجنس... إنما كل شخص نبسط عليه روح المحبَّة هو القريب.]

وفي حديث القدِّيس أمبروسيوس عن "التوبة" يرد على أتباع نوفاتيوس الذين رفضوا قبول الراجعين بعد إنكارهم الإيمان، يقول: [السامري الصالح لم يعبُر تاركًا الإنسان الذي ألقاه اللصوص بين حيّ وميِّت، بل ضمَّد جراحاته بزيت وخمر. صبَّ عليه أولاً زيتًا لتلطيف آلامه، وأتكأه على صدره، أي اِحتمل كل خطاياه، هكذا لم يحتقر يسوع الراعي خروفه الضال... لقد جعلت من نفسك إنسانًا غريبًا عنه بكبريائك، إذ اِنتفخت عليه باطلاً من قِبل ذهنك الجسدي وعدم تمسكك بالمسيح الرأس (كو 2: 18-19). لأنك لو كنت قد تمسَّكت بالرأس لما كنتَ تترك ذاك الذي مات المسيح عنه. لو كنت قد تمسَّكت بالرأس لاِهتممت بالجسد كله، واهتممت بالارتباط بين الأعضاء بدون انقسام، ناميًا بالله (كو 2: 19) برباط المحبَّة وخلاص الخطاة. إنك عندما ترفض قبول التوبة، إنما بذلك تقول: لن يدخل في فندقنا جريح، ولا يُشفى أحد في كنيستنا. أننا لا نهتم بالمرضى، فنحن كلنا أصحَّاء، ولسنا في حاجة إلى طبيب، لأنه هو نفسه قال: لا يحتاج الأصحَّاء إلى طبيب بل المرضى.]

هذا عن التفسير السلوكي، أما بالنسبة للتفسير الروحي والرمزي فقد أفاض فيه الآباء، لذلك رأيت تقديمه مختصرًا ما استطعت




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 10 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك