إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 9 جـ5 PDF Print Email

ثانيًا: رفضته قرية للسامريِّين، والسامريُّون كما نعلم هم غرباء نازحون من بابل ليقطُنوا عِوض المسبيِّين من إسرائيل سنة 721 ق.م، فجاءت عبادتهم خليطًا بين اليهوديَّة والوثنيَّة، لا يقبلون من العهد القديم سوى أسفار موسى؛ وكان اليهود لا يطيقون السامريِّين، وأيضًا السامريُّون لا يطيقون اليهود.

رفضت القرية أن تقبل المخلِّص، فاستأذن يعقوب ويوحنا السيِّد المسيح أن يطلبا كإيليَّا نارًا من السماء (2 مل 1: 10-11) فتفنيهم. ولعلَّه بسبب هذا الروح المتَّقد دعاهما السيِّد "بُوَانرْجس" أي اِبنيْ الرَعد

(مر 3: 17). لكن الرب رفض موبِّخًا إيَّاهما، فإنه ما جاء ليَدين بل ليُخلِّص. إنه طويل الأناة، ينتظر توبة الجميع، وبالفعل قَبلت السامرَّة الإيمان فيما بعد (أع 8: 5-25).

لم يأت السيِّد المسيح ليصطاد النفوس للإيمان قهرًا، إنما بالحب وطول الأناة، لأن من يقبل الإيمان عن خوف سرعان ما يتركه، أما من يقبله خلال الحب فيثبت فيه. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بنا أن نستخدم اللطف في اِستئصال المرض، فإن من يُصلح حاله خلال الخوف من آخر، يعود بسرعة فيسقط في الشرّ.]

لقد طلب التلميذان أن تنزل نارًا من السماء للإفناء، لكن الرب يقدِّم نفسه صديقًا سماويًا كندى يطفئ لهيب الشهوات، وإن أرسل نارًا فهو يقدِّم روحه القدُّوس الناري يلهِب القلب حبًا لا اِنتقامًا!

12. شروط التلمذة للسيِّد

إن كان صديقنا السماوي يفتح ذراعيه بالحب مشتاقًا أن يضُم الكل إليه لينعموا بشركة أمجاده، فإنه لا يرسل نارًا تُفني رافضيه. وفي نفس الوقت لا يَصلح الكل للتلمذة له، بل من يتجاوب معه ليحمل فِكرِه وسِماته. وقد قدَّم لنا الإنجيلي لوقا ثلاثة أمثلة لأُناس اِلتقوا معه بقصد التلمذة له. في دراستنا لإنجيل متَّى (8: 19) أوردت تعليقات بعض الآباء في أمر الشخصين الأوَّلين: الكاتب الذي طلب أن يتبع المسيح لكن بنِيَّة غير صادقة، فأجابه السيد: "للثعالب أوجِرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه"، وكأن ابن الإنسان لم يجد له موضعًا فيه، أما الثاني فهو إنسان حسن النِيَّة مشتاق للتلمذة، لكن عاقه واجب عائلي ضرورى في نظر الناس، ألا وهو الاهتمام بوالده حتى يدفنه. على أي الأحوال أضاف الإنجيلي لوقا شخصًا ثالثًا اِشتاق أن يتتلمذ للرب ويتبعه، لكن ليس في جِدِّيَّة كاملة أو نضوج صادق، فأراد أولاً أن يودِّع الذين في بيته. فكانت إجابة السيِّد له: "ليس أحد يضع يدَه علي المِحراث وينظر إلي الوراء يصلح لملكوت الله" [62].

ويلاحظ في هذه الأمثلة الثلاثة الآتي:

أولاً: صديقنا السماوي يعرف القلب الداخلي، فالأول والثالث طلبا التلمذة، ففضح قلبيهما الأول غير نقي في أعماقه وأهدافه، والثالث متواكل غير جاد، أما الثاني فلم يطلب بشفتيْه لكن الرب سمع طلبه ودعاه للتلمذة وإذ حدَّثه في صراحة أنه يوَدْ أن يَدفن والده أولاً، رفعه فوق الواجبات الزمنيَّة من أجل العمل الكرازي الخالد. الأول والثالث حُسبا أنهما غيوران ويصلُحان للعمل، والثاني في تواضع لم يطلب لكن الرب دعاه. بمعنى آخر ليتنا نطلب التلمذة لله لا بشفاهنا بل بنقاوة قلبنا ولهيبِهِ الداخلي، فيدعونا الرب نفسه ويضمِّد جراحات ضعفنا مهيِّئًا حياتنا للشهادة له.

ثانيًا: يُعلِّق القدِّيس أغسطينوس على الرجل الأول، قائلاً: [إذ أراد هذا الإنسان أن يتبع المسيح تأكَّد السيِّد أنه كان يطلب ما لنفسه لا ما هو ليسوع المسيح (في 2: 21)، إذ يقول: "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات" (مت 7: 21). هكذا كان هذا الإنسان لا يعرف نفسه كما كان الطبيب يعرفه. فلو أنه رأى نفسه وأدرك أنه مملوء رياءً ومكرًا لعرف مع من كان يتكلَّم. لذلك قال له: "للثعالب أوْجِِرَة، ولطيور السماء أوْكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" [58]، بمعنى أنه ليس له موضع في إيمانك. ففى قلبك تجد الثعالب لها أوْجِرة. إذ أنت مملوء مكرًا. وفي قلبك تجد طيور السماء أوكارًا لأنها مرتفعة ومتشامخة. أنت مملوء مكرًا وكبرياء فلا تتبعني، إذ كيف يمكن للماكر أن يتبع البساطة؟]

يمكننا أيضًا أن نقول بأن هذا الإنسان كان مرتبطًا بمحبَّة العالم، وقد طلب التلمذة للسيِّد، لا لأجل السيِّد نفسه، لكن بِغْية كرامة أرضيَّة أو نفع مؤقَّت، لهذا أعلن له السيِّد عن طبيعة المُعلِّم، فإن الثعالب التي تعيش في البرِّيَّة لها أوْجِرة ترتبط بها، وفيها تستريح، والطيور التي تهيم في الجو لها أوْكار تعود إليها من حين إلي آخر، أما ابن الإنسان فسماوي ليس له في الزمنيَّات راحة، ولا في الأرض موضع استقرار. لذلك فأنت لا تصلح بعد للتلمذة له إلا إن تحرَّر قلبك عن الأرض تمامًا، وانطلقت نفسك مرتفعة نحو السماويَّات. صديقنا سماوي يوََد في تلاميذه أن يحملوا سِِمة الفكر السماوي والحياة العُلويَّة الفائقة.

ثالثًا: يقدِّم لنا القدِّيس أمبروسيوس تفسيرًا مقاربًا لتفسير القدِّيس أغسطينوس بخصوص الإنسان الأول، إذ يقول:

[بالرغم من طاعته وخدمته المستمرَّة، لكنه لم ينل رِضى الرب، فإن الرب لا تهمُّه الخدمة الظاهرة بل نقاوة القلب، لذا سبق فقال: "من يقبل هذا الولد باِسمي"، معلِّمًا إيَّانا ألا تكون البساطة مغرضة، ولا المحبَّة حاسدة، وأن يكون البذل بلا غضبٍ، مشيرًا للبالغين أن يكون لهم قلب الأطفال... يليق بك أن تنعم بالبساطة الحقيقيَّة، أي تقتني هذه الطبيعة بالجهاد. لهذا قال الرب: "من قبِلَ هذا الولد باسمي فقد قبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني". حقًا إن من يقبل من يتمثِّل بالمسيح يقبل المسيح، ومن يقبل صورة الله يقبل الله، لكننا إذ لم نستطع أن نرى صورة الله حلّ الكلمة بيننا بالتجسُّد ليقرِّب اللاهوت إلينا مع أنه أعلى منَّا...

"للثعالب أوْجِرة"؛ فالشيطان كالثعلب مخادع، ينصب الفخاخ ويحيا بالمكر... يبحث عن فريسة داخل مسكن الإنسان نفسه.

ويقارن الرب الهراطقة أيضًا بالثعالب، لذا يعزلهم عن حصاده: "خذوا لنا الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم" (نش 2: 15)، الذين يستطيعون إفساد الكرم الصغير لا الكبير...

كثيرًا ما تشير طيور السماء للأرواح الشرِّيرة التي تبني أوْكارها في القلوب الشرِّيرة، فلا يجد ابن الله وسط هذه القلوب كلها أين يسند رأسه.

المكر لا يترك مكانًا للبساطة، ولا موضعًا للإلهيَّات في هذه القلوب... أما إذا رأى الرب طهارة قلب فيسند فيه عمل عظمته، أي الهبة العظيمة الفائقة التي تنسكب في قلوب الصالحين.]

رابعًا: يُعلِّق القدِّيس أغسطينوس عن الشخص الثاني الذي لم يطلب التلمذة بشفتيه كالأول، إنما تحدَّث بنقاوة قلبه، فكان مستعدًا للتلمذة، لكنه خلال اِلتزام عائلي تجاه والده طلب التأجيل، إذ يقول: [إيمان قلبه أعلن عن نفسه أمام الرب، لكن عاطفته واِلتزامه (الأُسَري) جعله يؤجِّل، غير أن المسيح الرب إذ كان يهيئ البشر للإنجيل لم يرد أن يُوجد عذر بسبب عاطفة جسديَّة مؤقَّتة. حقًا إن الشريعة الإلهيَّة قد قرَّرت هذه الالتزامات، والرب نفسه وبَّخ اليهود لأنهم حطَّموا هذه الوصيَّة الإلهيَّة (مت 15: 4-5). ويقول الرسول بولس في رسالته: "التي هي أول وصيَّة بوعد"... ما هي؟ "اِكرم أباك وأُمّك" (أف 6: 2). إذن هذا الشاب اِشتاق أن يطيع الله ويدفن أباه... حقًا يجب إكرام الأب، لكن يجب أن يطاع الله أولاً. يلزم محبَّة من ولدنا، لكنه لا يُفضل عمَّن خلقنا. كأنه يقول له: دعوتك لإنجيلي؛ أنا محتاج إليك للقيام بعملٍ آخر أعظم من العمل الذي توَد أنت أن تقوم به... دع الموتى يدفنون موتاهم.]

إن كان عيب الأول أنه في حماس بشري قال "اَتبعك أينما تمضي" بينما كان قلبه مرتبطًا بالعالم، فالثاني عيبه قوله "أمضي أولاً وأدفن أبي". فجعل دفن أبيه "أولاً"، بينما يلزم أن يكون الله أولاً. وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [جاء في سفر نشيد الأناشيد درس لنا، إذ تقول الكنيسة: "دبَّر الحب لي" (الترجمة السبعينيَّة)، أي ليكن الحب في تدبيره المناسب، يُقدِّم للكل كما يليق به، فلا تضع الحب الذي يجب تقديمه أولاً في المؤخِّرة... حب والديك لكن لتُفضِّل الله عنهما. لاحظ والدة المكابيِّين، وهي تقول: "يا أولادي أنا لا أعرف كيف ظهرتم في رحمي" (2 مك 7: 22). هكذا أوصتهم، فتبعوا وصيَّتها.]


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 9 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك