إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الاتضاع هو ان تعد جميع البشر افضل منك متاكدا من كل قلبك انك اكثر منهم خطيه
الأنبا انطونيوس

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 9 جـ3 PDF Print Email

يكشف لنا عن ذاته كي لا نتعثَّر في صليبه، ويجتذبنا إلى صليبه لكي ننحني معه نشاركه آلامه كل يومٍ بفرحٍ، فنُحسب أهلاً لشركة أمجاده. هذه هي شهوة قلب كل رسول بل وكل مؤمن: "لأعرفه وقوَّة قيامته وشركة آلامه متشبِّهًا بموته" (في 3: 10).

يقول القدِّيس جيروم: [صليبه هو عمود البشريَّة. عندما أقول "الصليب" لا أفكِّر في الخشبة، بل في الآلام. هذا الصليب يوجد في بريطانيا والهند وكل المسكونة... وأنت إن لم تكن نفسك مستعدَّة لحمل الصليب، كما هو الأمر بالنسبة لي (للمسيح) لا يمكنك ان تكون لي تلميذًا. طوبى للإنسان الذي يحمل في قلبه الصليب والقيامة، فيكون موضع ميلاد المسيح وقيامته! طوبى لمن له بيت لحم في قلبه، فيولد المسيح فيه كل يوم!... يُصلب المسيح فينا كل يوم، ونحن نصلب عن العالم... طوبى لمن يقوم فيه المسيح كل يوم! فإنه يقوم إن كان الخاطئ يتوب عن خطاياه حتى الهفوات منها!]

الصليب لا يحطِّم حياتنا مادمنا نحمله مع السيد المسيح غالب الموت، أو بمعنى آخر مادام يحمله المسيح الساكن فينا. خارج المسيح الصليب محطِّم للنفس، أما في المسيح، فهو طريق الخلاص والقيامة. لهذا يقول السيِّد المسيح نفسه: "فإن من أراد أن يُخلِّص نفسه يُهلكها، ومن يُهلك نفسه من أجلي فهذا يُخلِّصها" [24]، بمعنى أن من أراد أن يُخلِّص نفسه أي يمجِّدها بقيامتها الأبديَّة يلزمه أن يُهلكها بحملها الصليب مع مخلِّصها. فإن الصليب وإن حمل صورة الهلاك من الخارج، لكنه واهب الخلاص.

سحبت هذه العبارة الإلهيَّة فكر كثير من رجال التربية الحديثة، في أبحاثهم عن تربية الأطفال، إذ كشفت لهم عن مفهوم الحب الوالدي الحق، فإنه لا يستطيع أحد أن يُخلِّص أولاده ما لم يُهلك ذاته أو "الأنا ego". فإن كثيرين يُحبُّون أنفسهم أو ذواتهم في أولادهم، يريدون أن يشكِّلوا أبناءهم حسب أهوائهم وميولهم واشتياقاتهم، لا حسب فكر الأبناء ومواهبهم وإمكانيَّاتهم. إنهم في الحقيقة يأسرون أولادهم في سجن "الذات" الذي يصعب على الوالدين أن يحرِّروا أبناءهم منه! ونحن نستطيع أن نقول بأننا إذ نُصلب مع المسيح ننكر ذواتنا ونكفر بها، لنعيش أعضاء أحياء في جسد المسيح، هنا لا نأسر أولادنا في "الأنا"، إنما نشعر بهم كأشخاصٍ وأعضاءٍ معنا في الجسد الواحد، لهم شخصيَّاتهم المستقلَّة ومواهبهم وطاقاتهم وإمكانيَّاتهم التي يضمرها روح الله القدُّوس نفسه، أما نحن فنخدمهم ونوجِّههم بالحب الحق بلا أنانيَّة.

إذن الصليب هو سرْ حياة كل عضو في حياته الخاصة، وفي علاقاته الأُسريَّة، وفي علاقاته الكنسيَّة والاجتماعيَّة... إذ يعيش باذلاً في الرب لا يطلب لنفسه شيئًا فينال كل شيء. بقدر ما يجحد ذاته تنمو نفسه بالحب ويتجلَّى الله فيه، ويكون موضع حب السماء والأرض أيضًا، لهذا يؤكِّد القدِّيس أغسطينوس إنه يلزمنا أن نُهلك ذواتنا لنربح أنفسنا.

مرَّة أخرى يحدِّثنا عن الصليب بأسلوب آخر، قائلاً: "لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها؟" [25]. هنا لا يقصد بالعالم سكَّانه، إنما أمور هذا العالم الماديَّة والمعنويَّة. كما يقول القدِّيس أغسطينوس إن الإنسان إذ يعيش بروح الأنانيَّة "يحب ذاته"، فيما هو يتقوقع حول ذاته ينطلق إلى أمور العالم ليقتنصها لحساب ذاته. يريد أن يكون العالم كله خاضعًا لملذَّاته، عاملاً لحساب غناه أو كرامته أو ملذَّات جسده، فيفقد حبُّه لنفسه، إذ يُهلكها. أما من يقبل الصلب مع المسيح فإنه إذ يجحد ذاته وينطلق خارج الأنا ليموت بالحب عن الآخرين، ويتَّسع قلبه لاحتمال وخدمة الجميع، فيربح الكل لنفسه! لنمُت، فنحيا! لنُدفن مع البذار، فنُثمر ثلاثين وستِّين ومائة! فالصليب ربح لا خسارة، مادام يمثِّل شركة مع المصلوب.

هكذا يحدِّثنا السيِّد المسيح عن صلبنا معه، الأمر الذي يصعب على الإنسان الطبيعي أن يقبله، لذا يقول: "لأن من اِستحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الآب والملائكة القدِّيسين" [26]. وكما يقول العلامة ترتليان: [سأكون في أمان إن كنت لا اَستحي من ربِّي... لقد صُلب ابن الله، إني لا اَستحي وإن كان الناس يخجلون منه. لقد مات ابن الله، وأنا بكل طريقة أؤمن بهذا.] والخجل من السيِّد المسيح وصليبه قد يكون بالكلام كما بالعمل. فمن لا يحمل سمات السيِّد المسيح ويسلك بروحه ويقبل آلامه يكون قد اِستحى به وبصليبه.

هكذا يحثُّنا علي قبول السيِّد المسيح المصلوب في حياتنا اليوميَّة لكي نستطيع أن نختبر أمجاده، ونُحسب معه ورثة الله، نُكرم أمام السمائيِّين. هذه الخبرة، خبرة الأمجاد التي نبلغها خلال الصليب، ليست خبرة أُخرويَّة أو اِنقضائيَّة نتذوَّقها في العالم المقبل فحسب، وإنما هي خبرة حيَّة ننعم بعربونها الآن. لهذا يختم السيِّد حديثه عن الآلام واهبة الأمجاد بقوله: "حقًا أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله" [27].

لعلَّه قصد بهؤلاء القوم الثلاثة تلاميذ الذين حملهم معه علي جبل تابور لمعاينة مجده في لحظات التجلِّي، إذ جاء الحديث عن التجلَّي بعد هذا القول مباشرة، ولعلَّه قصد بالقوم التلاميذ الذين رأوا ملكوت الله يُعلن بين شعوب الأمم. غير أن القدِّيس أمبروسيوس يرى أن هؤلاء القوم هم المؤمنون الذين منهم من عاينوا السماء كمعلِّمنا بولس الرسول. ويمكننا أيضًا القول بأن هذا الوعد الإلهي يمس حياة كل واحد منَّا حين يتجلَّى ملكوت الله داخل النفس ينزع عنها موتها وفسادها ويهبها بهاءً سماويًا في الرب.

ويرى بعض المسيحيِّين الذين من أصل يهودي أن هذا القول يُشير إلى اليهود الذين يبقون تائهين في هذا العالم حتى يُعلن ملكوت الله لهم في أواخر الدهور برجوعهم عن رفضهم للمسيح.

(راجع أيضًا تفسير مت 16: 28؛ مر 9: 1).

6. التلاميذ ومجد التجلِّي

يمكننا في غير مبالغة أن نقول بأن غاية الإنجيل هو تمتُّعنا بتجلِّي السيِّد المسيح في كنيسته، في كل عضو من أعضائها، أي في أعماق نفوسنا، حتى ننطلق إلي إعلان مجده الكامل في يوم الرب العظيم. فإن كان الصليب والقيامة والصعود يمثِّلون عملاً واحدًا متكاملاً يحتل مركز إيماننا، فإن السيِّد المسيح في صلبه وقيامته وصعوده إنما يود أن يهبنا البصيرة الروحيَّة لنعاينه متجلِّيًا فينا، فنختبره وسط آلامنا مصلوبًا عنَّا، يقدِّم لنا بهجة قيامته وأمجاد سماواته في أعماقنا الداخليَّة. بمعنى آخر إن كنا نجاهد إنما لكي بالإيمان يُعلن السيِّد المسيح متجلِّيًا فينا، حتى نراه وجهًا لوجه متجلِّيًا في كمال بهائه في يوم الرب العظيم.

وقد سبق لنا الحديث عن التجلَّي (تفسير مت 17، مر 9) في كثير من الإفاضة، مع تعليقات للآباء... لذا اَكتفي هنا بتعليق للقدِّيس أمبروسيوس، إذ يقول: [رأى بطرس واللذين معه هذه النعمة مع أنهم كانوا مثقَّلين بالنوم، لأن بهاء اللاهوت غير المُحوى يسحقنا. إن كان ضوء الشمس لا يمكن للعين البشريَّة أن تثبِّت نظرها فيه فكيف يحتمل الجسد البشري مجد الله؟ لهذا في القيامة يلبس الجسد شكلاً أكثر نقاوة ورقَّة، متحرِّرا من نقائصه! لهذا أراد (بطرس) أن يتمتَّع بصورة القيامة بعد تلك الراحة (النوم الثقيل)، لهذا عند اِستيقاظهم رأوا مجده؛ ونحن أيضًا يليق بنا أن نستيقظ، فنشاهد عظمة المسيح. لقد تهلَّل بطرس لأن جاذبيَّة هذا الدهر لم تستطع أن تسبيه عن سحر القيامة. لذا قال: "جيِّد يارب أن نكون ههنا" علي مثال الدهر الآتي، "لي اِشتهاء أن اَنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (فى 1: 23).]

ويلاحظ في التجلِّي الآتي:

أولاً: لأهميَّة التجلِّي أفاض الإنجيليُّون الثلاثة متَّى ومرقس ولوقا الحديث عنه، أما الإنجيلي يوحنا فتحدَّث عنه في اِختصار شديد ولكن بقوَّة ويقين، إذ يقول: "ورأينا مجده" (يو 1: 14). ولعلَّ التجلِّي لم يفارق قلب القدِّيس بطرس وفكره كل أيام كرازته، حاسبًا في التجلِّي علامة صدق الرسالة المسيحانيَّة، رابطًا بين التجلِّي وقوَّة بهاء المسيح ومجيئه، إذ يقول: "لأننا لم نتبع خرافات مُصنَّعة، إذ عرَّفْناكم بقوَّة ربَّنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنَّا مُعاينين عظمته، لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسْنَى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سُرِرت به، ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنَّا معه في الجبل المقدَّس" (2 بط 1: 16-18).

ثانيًا: إن كان التجلِّي قد تحقَّق في اليوم الثامن من حديث الرب مع تلاميذه عن الصليب، فإنه حتى في لحظات التجلِّي كان موسى وإيليَّا يتكلَّمان معه عن "خروجه الذي كان عتيدًا أن يكمِّله في أورشليم" [31]. وكأن تجلِّي الرب فينا، أو تمتُّعنا بشركة بهائه ومجده فينا، هو ثمرَّة قبولنا صليبه في حياتنا، ويبقى هذا الصليب موضوع شُغلنا حتى وسط أمجاد التجلِّي. بمعنى آخر لن ننعم بتجلِّي الرب فينا في هذا العالم، ولا بظهور مجده لنا في اليوم الأخير، ما لم نقبل وصيَّة الصلب معه، وعندما ننعم بتجلِّيه هنا وهناك يبقى الصليب موضوع فرحنا وتسبيحنا الأبدي. هكذا يلتحم الصليب بالمجد، ويُعلن المجد قوَّة الصليب وسِرِّه الإلهي.

ثالثًا: تهتم الكنيسة بالتجلِّي، فتحتفل به كعيدٍ سيِّديٍ، بكونه شهادة حق للاهوته المُختفي في حجاب الجسد، أعلنه السيِّد لبعض من تلاميذه قدر ما يحتملوا ليُدركوا ما تنعم به الكنيسة في الأبديَّة بطريقة فائقة لا يُنطق بها.

في هذا التجلِّي نرى ما يهبه لنا ربَّنا كعطيَّة حين يغير طبيعة جسدنا التُرابي إلى جسد روحاني، ويقيمنا من فسادنا إلي عدم الفساد، خلال اِتِّحادنا به وتمتُّعنا بشركة ميراثه الأبدي، وكما يقول الرسول: "الذي سيُغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجده..." لكن تجلِّي الرب هو إعلان حقيقته المحتَجَبة عنَّا بسبب ضعفنا، مقدِّما إيَّاها قدر ما نحتمل، أما مجدنا نحن فهو عطيَّة مجانيَّة يهبها لنا.

رابعًا: يقول الإنجيلي: "وفيما هو يصلِّي صارت هيئة وجهُه متغيِّرة" [29]. وكما قلنا إن إنجيل لوقا هو إنجيل "الصلاة"، لكن صلاة ربَّنا يسوع هي حديث الشركة مع الآب الواحد معه في اللاهوت، وليس حديث من تبنَّاه الله كعطيَّة. علي أي الأحوال حملنا ربَّنا يسوع معه علي الجبل، وكنائبٍ عنَّا أيضًا صلّى، حتى إن أردنا أن نتغيَّر عن شكلنا، وننعم بتجلِّي الرب في أعماقنا، يلزمنا أن نرتفع علي الجبل معه لنصلِّي، فلا طريق للتجليِّ بدون الصلاة!

7. التلاميذ وإخراج الأرواح الشرِّيرة

إن كان السيِّد المسيح قد اصطحب معه ثلاثة من تلاميذه إلى الجبل المقدَّس ليعلن لهم عن طبيعته كصديق سماوي، يشهد له الآب نفسه أنه الابن الوحيد موضع سروره، فيه تكمل النبوَّات ويتحقَّق الناموس، لذلك جاء موسى وإيليَّا متهلِّلان بمجيئه يتحدَّثان عن صلبه أو خروجه. به يفرح المجاهدون فيطلبون البقاء معه علي الجبل أبديًا ويُسر الراحلون (مثل موسى). أنه موضوع سلام السماء والأرض، ومصالحتهما معًا بدمه، فإنه نزل إلى السهل ليتجلَّى بطريقة أخرى، خلال عمله الإلهي بإخراج الأرواح الشرِّيرة التي حطَّمت حياة الإنسان. لقد جاء ليحمل البشريَّة إلى تجليِّه والتمتُّع بأمجاده، لكن هذا لن يتحقَّق إلا بتحريرها من عبوديَّة إبليس وجنوده. لهذا نزل السيِّد إلى السهل ليجد شخصًا قد اِستحوز عليه الشيطان فمزَّقه وصرعه [42]، وصار عِلَّة مرارة لأبيه وأقربائه وكل من هم حوله، فتقدَّم ليُنقذه هو وكل من هم حوله.

يمكننا القول بأن صديقنا السماوي الابن الوحيد بارتفاعه على الجبل وتجلِّيه يعلن بصورة أو أخرى البشريَّة وقد اِلتحمَت به لتنعم بشركة أمجاده، فتُفرِّح الآب وتُسِر السمائيِّين. وفيها تكمل كلمة الله وتتحقَّق النبوَّات، أما الابن الذي في السهل، وقد أسره الشيطان، فيمثِّل حال البشريَّة التي أحزنت قلب الآب وخَسرت شركتها مع السمائيِّين بسبب العصيان.


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 9 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك