إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أقوال الأنبا باخوميوس اب الشركة

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 9 جـ2 PDF Print Email



2. اضطراب هيرودس

إن كان السيِّد قد وهب تلاميذه إمكانيَّات سماويَّة للعمل لحساب صديقهم السماوي، فقد أراد أن يكشف لهم خطوة بخطوة عن سلطانه وإمكانيَّاته، وها هو الإنجيلي لوقا يروي لنا كيف اضطرب هيرودس عند سماعه عن أخبار السيِّد المسيح وأعماله. لم يقف الأمر عند اضطرابه، وإنما أيضًا تغيَّرت أفكاره، فمع كونه صدُّوقيًا لا يعترف بالقيامة من الأموات إلا أنه أمام الأحداث قال: "يوحنا أنا قطعت رأسه، فمن هو هذا الذي أسمع عنه مثل هذا؟" [9]. لقد تشكَّك في الأمر وبدأ يفكِّر فيما يقوله الناس ألعلَّه يوحنا أو إيليَّا أو واحدًا من الأنبياء القُدامى قد قام؟ وقد بدأ ضميره يثور في داخله، فلم ينسب قتل يوحنا لخداع هيروديَّا أو ابنتها، ولا للسياف بل لنفسه، قائلاً: "أنا قطعت رأسه"، وكان يطلب أن يرى يسوع. هذا كله قد تحقَّق خلال سماع هيرودس لأعمال السيِّد المسيح، دون أن يتحدَّث معه أحد بكلمة توبيخ أو يكرز له ببشارة مفرحة.

يمكننا أيضًا أن نقول إن كان صوت يوحنا المعمدان السابق للرب، الذي يهيئ الطريق قدَّامه لم يُخْمِد حتى بعد قتله، بل بقي عاملاً يُرعب قلب هيرودس، فكم بالأكثر كلمة المسيح نفسها والكرازة بها حين ينطق هو بها خلال تلاميذه؟ إنها كلمة - كما يقول الرسول بولس - لا تفيد!

3. التلاميذ وإشباع الجموع

نال التلاميذ الدعوة وتمتَّعوا بقوَّة وسلطان، ورأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم عن هيرودس الذي ينهار مضطربًا. والآن يُعلن لهم الرب أنه هو مُشبع الجموع الجائعة زمانًا طويلاً. وقد سبق لنا الحديث عن إشباع الجموع (مت 14: 14-21، مر 6: 35-44)، لذا نكتفي هنا بإبراز النقاط التالية:

أولاً: أراد السيِّد أن يختلي بتلاميذه منفردًا في مدينة بيت صيْدا، لكن الجموع إذ علموا تبعوه، فقبِلهم، وفي الأصل تعني الكلمة "قبِلهم" رحَّب بهم واستقبلهم. كان التلاميذ في حاجة أن ينفرد بهم السيِّد، لكن حتى هذا اللقاء المنفرد هو من أجل الشعب، فإن جاء يقابلهم الرب ببشاشة وترحاب. راحته وراحة تلاميذه في إراحة المتعبين، وإشباع النفوس الجائعة.

ثانيًا: جاءت هذه المعجزة بعد اِختيار التلاميذ وإرساليَّتهم ليُعلن غاية الإرساليَّة هي "إشباع البشريَّة الجائعة".

يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على موقع هذه المعجزة بين الأحداث التي حولها، قائلاً:

[ما هو السبب الذي جعل البشير يذكر موت يوحنا المعمدان، إذ يشير هيرودس إلى موته [9]؟ ربَّما لأن الإنجيل الذي يُشبع الشعوب الجائعة بدأ بانتهاء الناموس.

لقد قدَّم الغذاء بعد شفاء نازفة الدم رمز الكنيسة، وبعد إرساليَّة الرسل المُرسلين للكرازة بملكوت الله.

تأمَّل من هم الذين تمتَّعوا بالوليمة؟ لم يتمتَّع بها الكسالى ولا الساكنون في المدينة كمن هم في المجمع ولا طالبو كرامات العالم، إنما يتمتَّع بها الباحثون عن المسيح في البرِّيَّة... هؤلاء يقبلهم المسيح، ويحدِّثهم لا عن العالم بل عن ملكوت السماوات. وإن كان من بينهم من غطَّت القروح جسده، يعطيهم الرب يسوع دواءه.

لقد دبَّر الله أن يُنقذ الذين شفاهم من جراحاتهم المؤلمة من الجوع، ويهبهم الغذاء الروحي، إذ لا يستطيع أحد أن يتمتَّع بالوليمة السماويَّة إن لم يُشفَ أولاً. المدعوُّون للوليمة تمتَّعوا بالشفاء أولاً. فمن كان أعرج نال القوَّة للمشي ليأتِ عند الرب، ومن كان قد حُرم من نور عينيه لم يدخل بيت الرب إلا بعد عودة البصر إليه. هكذا يسير الرب بتدبير حسن مقدَّس في كل حين، إذ يعطي أولاً غفران الخطايا ودواء للجراحات ثم يهيئ الوليمة السماويَّة...

القلوب الجائعة للإيمان الراسخ لا تُشبَع إلا بجسد المسيح ودمه.]

ثالثًا: يقول الإنجيلي "والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم" [11]، إذ لم ينعم بالشفاء كل المرضى، إنما الذين يشعرون بالحاجة إلى الشفاء فيطلبون الطبيب. فطبيبنا سخي وقادر على الإبراء، لكنه لا يهب عطاياه إلا لسائليه، الذين يشعرون بالحاجة إليه، حتى لا يستخفُّوا بالعطيَّة ويحتقرونها.

ربَّما تتساءل: أنا لا أشعر بمرضي، فماذا أفعل؟ اِفعل ما صنعتهُ الجموع، إذ سارت وراءه تريد أن تسمعه، فتجوع إليه وتشعر بالحاجة إلى الشبع، عندئذ حتى إن لم تسأله شيئًا، التلاميذ يسألونه، والرب نفسه يتكفَّل بإشباع اِحتياجاتهم. نحن نحتاج أن نجلس معه، ونسمع صوته خلال إنجيله، فنشعر بالحاجة إلى الشفاء وإلى الشبع. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [عندما يبدأ الإنسان في الاستماع يشعر بالجوع، ويرى الرسل جوعَهُ، فإنهم وإن كانوا لا يُشبِعون اِحتياجه، لكن المسيح يشبعه.]

رابعًا: من باب العاطفة البشريَّة سأل التلاميذ السيِّد: "اِصرف الجمع ليذهبوا إلى القرى والضياع حوالينا، فيبيتوا ويجدوا طعامًا، لأننا ههنا في موضع خلاء" [12]. كانت عاطفة التلاميذ بشريَّة مجرَّدة وحساباتهم أيضًا بشريَّة، إذ ظنُّوا أن الأمر يحتاج إلى مالٍ كثيرٍ لشراء طعامٍ لهذا الشعب. وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لم يكونوا بعد قد فهموا أن غذاء المؤمنين لا يُباع، أما المسيح فيعرف أنه ينبغي أن يتمِّم لنا الفداء، وأن وليمته مجانيَّة.]

خامسًا: يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على الغذاء الذي يقدِّمه لنا السيِّد المسيح حتى لا نخور في الطريق فلا نبلغ إلى الآب، معلنًا أن طعام الرب قوي يسند في الطريق، فإن خُرْنا، فالسبب هو فينا، أننا بإهمالنا نبدِّد القوَّة التي يهبنا إيَّاها. لقد اِستطاع إيليَّا أن يسير أربعين يومًا تسنده وجبة غذاء قدَّمها له الملاك ولم يَخُر كما سبق فخار في الطريق، أما وجبة المسيح فتسندنا كل أيَّام حياتنا.

أخيرًا فقد سبق لنا دراسة المفاهيم الرمزيَّة لعدد الرجال الذين شبعوا (5000 رجل) وللخمس خبزات والسمكتين الخ. إنما ما نود توضيحه هنا أن التلاميذ إذ تقبَّلوا البركة من يديّ المخلِّص ليس فقط أشبعوا الجميع، إنما بقيَ إثنتا عشر قُفَّة مملوءة كِسَرًا، لكل منهم قُفَّة، شهادة عمليَّة لعمل الله معهم. حينما يقدِّم المؤمن للغير يشبع الآخرون، وتمتلئ يداه ببركات الرب، بمعنى أن العطاء يُزيد بركة الرب في حياتنا.

4. التلاميذ والتعرُّف على شخصه

"وفيما هو يصلِّي على اِنفراد كان التلاميذ معه،فسألهم قائلاً: من تقول الجموع إنِّي أنا؟" [18]

إذ اِلتقَت به الجموع تحدَّث معها، وشفى جراحاتها، وقدَّم لها طعامًا يشبعها، أما تلاميذه فدخل بهم معه إلى خُلْوة اِنفراديَّة لعلَّهم إذ يروه يصلِّي يستطيعون إدراك علاقته الفريدة مع أبيه. لقد صلَّى وكانوا معه، ليعلِّمهم الصلاة كطريقٍ للتمتُّع بأسرار الآب والابن، لذا جاء السؤال: من تقول الجموع إني أنا؟ لكي يعود فيسألهم: وأنتم من تقولون إنِّي أنا؟

إن كنَّا مع الجموع ننعم بأعماله العجيبة ونشبع ونرتوي، فإنه يريدنا أن نلتقي معه على اِنفراد نتمتَّع بأسراره الإلهيَّة، إذ يريد أن يقدِّم لنا نفسه شخصيًا، لنقول له مع بطرس الرسول: "مسيح الله!" وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [يشمل هذا الاسم كل شيء، ويعبِّر عن طبيعته، ويحوي كل الفضائل.]

وقد سبق لنا الحديث عن هذا الحديث في شيء من التفصيل (تفسير مت 16: 13-20؛ مر 8: 27-30)، مع عرض تعليقات الآباء عليه.

5. التلاميذ والصليب

إذ أعلن بطرس الرسول إيمانه بالسيِّد المسيح، اِنتهرهم وأوصاهم ألا يقولوا ذلك لأحد [21]، "قائلاً أنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألَّم كثيرًا، ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم" [22].

لقد وضَّح أن غاية وصيَّته هذه لتلاميذه تأجيل الإعلان عن شخصه حتى تتحقَّق أحداث الصلب والقيامة، لأنهم "لو عرِفوا لَمَا صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 8)، فلا يريد إعاقة هذه الأحداث. ففي الوقت الذي فيه أراد أن يُعلن عن ذاته لتلاميذه حتى لا يتعثَّروا بصلبه، أرادهم أن يصمِتوا ولا يُعلنوا عن شخصِه حتى يتم الصليب.

الحقيقة أن الكشف عن ذاته قد اِلتحم بالصليب، فلا قيمة لذبيحة الصليب ما لم يُعلن شخص المصلوب كابن الله الوحيد ومسيحه القدُّوس، ولا يمكننا أن نتمتَّع بشخص المسيَّا كابن الله وننعم به خارج الصليب. إن كان السيِّد المسيح هو الصديق السماوي، فقد جاء ليحملنا بحبه إلى صليبه، هناك بالحري نتعرف عليه ونقبله ونثبت فيه كأعضاء جسده، وندخل به إلى حضن أبيه.

هذا ولا يمكننا أن نتعرَّف على صليبه إلا بِحِملنا إيّاه معه كاختبارٍ يوميٍ تقويٍ، لذا اِلتحم حديثه عن صلبه بحديثه عن صلْبنا نحن معه يوميًا، أو حملنا صليبه وتمتَّعنا بشركة آلامه، إذ يكمل الإنجيلي حديثه هكذا: "وقال للجميع: إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم، ويتبعني" [23].


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 9 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


12 هاتور 1735 ش
22 نوفمبر 2018 م

تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل
نياحة القديس يوحنا السريانى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك