إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

سهل على أي إنسان أن يفعل الخير في فترة ما ! إنما الإنسان الخيِّر بالحقيقة ، فهو الذي يثبت فـــي عمـــل الخـــير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 8 جـ2 PDF Print Email

ثانيًا: ما هو الخفي الذي يظهر والمكتوم الذي يُعلَم ويُعلَن، إلا حياة السيِّد المسيح نفسه التي يقدِّمها كبذار في داخلنا، إذ تنبت وتنمو شجرة حياة، تملأ القلب ثمرًا روحيًا سماويًا لا يُمكن إخفائه. يُعلن السيِّد المسيح فينا خلال حياتنا الداخليَّة من محبَّة وفرح وسلام وطول أناة ولطف وصلاح وإيمان ووداعة وتعفُّف (غلا 5: 13)، هذه التي تترْجم خلال سلوكنا الظاهر وتحرُّكاتنا! فما نتقبَّله خلال حياتنا السرِّيَّة وعبادتنا الشخصيَّة يُعلَن خلال تصرفاتنا.

ثالثًا: يقدِّم لنا السيِّد المسيح مبدأً أساسيًا في حياتنا الروحيَّة، هو: "من له سيُعطى، ومن ليس له فالذي يظنُّه له يُؤخذ منه" [18]. يمكننا أن ندعو هذا المبدأ "ديناميكيَّة الشركة مع الله في ابنه"، بمعنى أننا إن كنَّا أمناء نقبل "حياة المسيح فينا" بأمانة، فإن هذه الحياة لا تقف خاملة أو جامدة، إنما تنمو علي الدوام فينا. إذ لنا "الحياة في المسيح"، فإنه يُعطي لنا النمو الدائم لعلَّنا نبلغ قياس ملء قامة المسيح. يهبنا المسيح ما له ليصير في ملكيَّتنا "ما لنا"، كبذار حيَّة تُثمر فينا ويتزايد الثمر بلا توقُّف. أما من ليس له، أي الذي لا يقبل عمل الله فيه، فإن ما يظنه له من مواهب طبيعيَّة وبركات وراثيَّة حتى هذه الأمور تُنزع عنه! بمعنى آخر حياتنا في المسيح حركة لا تتوقَّف، والشر أيضًا حركة لا تتوقَّف، فمن يتجاوب مع السيِّد ينمو بلا انقطاع ومن يقبل الشرّ ينحدر فيه بلا حدود.

4. يطلب قرابة الكل له

إن كان السيِّد المسيح كصديقٍ حقيقيٍ يعمل فينا بلا انقطاع، فقد أراد الإنجيلي إبراز مستوى صداقته، أنها لا تنحاز لقرابةٍ جسديَّةٍ، إذ يريد الكل أقرباء له، أعضاء في العائلة السماويَّة. لهذا لما جاءت أُمُّه واخوته (أبناء خالته) يطلبونه ولم يقدروا أن يصِلوا إليه بسبب الجمع، أجاب وقال: "أُمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" [21].

لا يقصد السيِّد المسيح التحقير من الروابط العائلية، وإنما وهو يحب أُمُّه ويهتم بها حتى في لحظات صلبه، يريد أن يرفعنا إلى القرابة علي مستوى الاتحاد معه، لا خلال الاستماع للكلمة فحسب، وإنما بالعمل بها أيضًا (راجع تفسير مت 12: 46، مر 3: 31).

لم يقل هذا كمن يجحد أُمُّه، إنما ليُعلن كرامتها التي لا تقوم فقط علي حملها للمسيح، وإنما علي تمتُّعها بكل فضيلة.

الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا

ألا ترى أنه في كل مناسبة لم يُنكر القرابة حسب الطبيعة، لكنَّه أضاف إليها ما هو بواسطة الفضيلة؟

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

يليق به كمعلِّم أن يقدِّم الرب نفسه مثالاً للآخرين، فهو يأمر وينفِّذ ما يأمر به. فإنه إذ يوصي بأنه إن لم يترك الإنسان أباه وأُمُّه لا يستحق ابن الله (مت 10: 37، لو 14: 26) أراد أن يكون أول من يخضع لهذه الوصيَّة، لا ليقاوم إكرام الأم اللائق، إذ سبق فقال أن من لا يُكرم أباه وأُمُّه موتًا يموت (خر 20: 2، تث 27: 6) وإنما كان عالمًا أنه ينبغي أن يكون فيما لأبيه أكثر من عواطفه نحو أُمُّه، فرباطات الروح أقدس من رباطات الجسد.

ما كان يجب علي الذين يطلبون يسوع أن يقفوا خارجًا، لأن الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك (تث 30: 14، رو 11: 8). الكلمة تسمعها من الداخل، والنور أيضًا في الداخل، لذلك قيل: "اقتربوا إلىّ واستنيروا" (مز 33: 6)، فإنه إن كان لا يعرف أهله إن وقفوا خارجًا، فكيف يعرفنا نحن إن وقفنا نحن في الخارج؟...

لم يتعالَ المسيح علي أُمّه هنا، فقد عرفها وهو علي الصليب (يو 19: 26)، إنما أراد تمييز الوصايا الإلهيَّة عن الرباطات الجسديَّة.

يشير المسيح بأهله أنه سيُفضِّل الكنيسة التي آمنت به عن اليهود الذين جاء منهم المسيح حسب الجسد.

القدِّيس أمبروسيوس

5. تهدئة الأمواج

الآن إذ أبرز صداقته العاملة بلا انقطاع لكي يدخل الكل إلى القرابة معه خلال سماع الوصيَّة وممارستها، بدأ يظهر إمكانيَّاته للعمل فينا لتحقيق غايته فينا. ففي إعلان سلطانه علي الطبيعة يأمر الرياح والماء فتُطعيه يعلن إمكانيَّته للعمل فينا حتى وإن بدت الطبيعة مقاوِمة، أنه صاحب سلطان يدخل إلى قلبنا كما إلى السفينة ليأمر الرياح الداخليَّة أن تهدأ والأمواج أن تتوقَّف، مقيمًا سلامه الفائق للعقل داخل قلوبنا! (راجع تفسير مت 8: 23، مر 4: 35).

"وفي أحد الأيام دخل سفينة هو وتلاميذ،وقال لهم: لنعبر إلى عبر البحيرة، فأقلعوا" [22].

إذ وقف أقرباؤه خارجًا ترك الموقع وانطلق مع تلاميذه في سفينة، متَّجِهًا إلى البر الآخر للبُحيرة. إنها صورة رمزيَّة لعمله الإلهي عندما وقف اليهود خاصته خارج الإيمان، فانطلق بتلاميذه خلال كنيسته أو صليبه (السفينة) إلي الأمم، الَبر الآخر من بحيرة هذا العالم. وإلي الآن السيِّد المسيح منطلق علي الدوام يعمل خلال خُدَّامه في كنيسته بلا توقُّف مشتاقًا إلي تجديد حياة الكل.

"وفيما هم سائرون نام،فنزل نوء ريح في البحيرة" [23].

هذه هي المرَّة الوحيدة التي قيل فيها عن السيِّد أنه نام، ربَّما ليؤكِّد الإنجيلي حقيقة تجسَّده أنه أكل وشرب ونام وتألم الخ. ولعلَّ تعبير "نام" يشير هنا إلي الراحة، فالسيِّد إذ يدخل بتلاميذه إلى سفينته منطلقًا بهم إلي الخدمة يستريح فيهم، لا نوم الخمول، إنما نوم الراحة من جهتهم. ولعلَّ كلمة "نام" هنا ترمز لما يبدو لنا حين تهب الزوابع علينا حتى تكاد سفينة حياتنا تمتلئ، بينما يبدو الرب نائمًا لا يبالي أننا نهلك، مع أنه ضابط الكل، وكل ما يحدِّث بسماحٍ من عنده. فنومه يعني تأجيل ظهوره لكتم الضيقات، مع تركنا للجهاد بنعمته حتى نصرخ إليه وبه نغلب ونتكلل.

يرى القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيِّد نام لكي يعطي للتلاميذ فرصة لاكتشاف خوفهم وظهوره فيعالجه فيهم. أما القدِّيس أغسطينوس فيرى في نوم السيِّد رمزًا لنوم إيماننا به في داخلنا، إذ بالإيمان يحل السيِّد المسيح في قلوبنا (أف 3: 17)، فإن نام هذا الإيمان وفتر تهيج الأمواج ضدَّنا وتصير الحاجة مُلحَّة أن نوقظه بصراخنا إليه، أي بتذكُّر كلماته التي فاعليتها في حياتنا. أما القدِّيس أمبروسيوس فيُعلِّق علي نوم السيِّد أثناء اجتياز البحيرة، قائلاً:

]لا يستطيع أحد أن يجتاز هذا العالم بدون المسيح.

إن كان الذين معهم المسيح غالبًا ما يجدون مصاعب في مواجهة تجارب الحياة، وإن كان المسيح قد تصرف هكذا مع تلاميذه إنما ليسحب أنظارك، فتدرك أنه لا يستطيع أحد أن ينطلق من هذا العالم دون أن تعيقه التجارب فيتزكَّى فيه عمل الإيمان.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


3 هاتور 1735 ش
13 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس كرياكوس الكبير من أهل كورنثوس عضو مجمع القسطنطينية
استشهاد القديس أثناسيوس وأخته إيرينى من القرن الثانى الميلادى
استشهاد القديس أغاثون

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك