إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التوبة الحقيقية هى التوبة الصادرة من القلب وهى التى تستمر

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحا ح 7 جـ5 PDF Print Email

ما الذي يحملكم أيها الفرِّيسيُّون الجهلاء إلى الإيمان بالمسيح، وما الوسيلة لجذبكم إلى السيِّد، وأنتم تنظرون إلى كل الأمور بمِنظار أسود، فليس عندكم شيء جدير بالمديح والثناء، "توبوا (كما قال المعمدان) لأنه قد أقترب ملكوت السماوات" (مت 3: 2). وما أصدق حُكمه عليكم، لأنه كان بشهادتكم مثال النُبل والشهامة، قوي الحُجة سامي الشمائل. ألم يسكن الصحراء فاِفترش النراب واِلتَحَف بالسماء، يقتات بالجراد والعسل، ويتدثَّر بلِباس خشن الملمس قليل الثمن؟...

كيف تقولون أن به شيطانًا وهو الذي بزهده ونسكه قتل ناموس الخطيّة القابع في أحشائنا اللحميّة، وحارب ميول العقل، فكان بطلاً صنديدًا ومقاتلاً مِغوارًا؟ هل هناك أعظم من عيشة النسك والزُهد؟ وهي التي بها نخمد لذات الإثم ونلجم بها الشرّ والرذيلة؟ كان المعمدان مخلِصًا كل الإخلاص للمسيح، ليس فيه ميل لشهوات الجسد، فقدَ تعفف عن ملذات العالم وهجر الدنيا وزُخرِفها ليصل إلى الغرض الذي اتَّخذه هدفًا له وهو تمهيد الطريق للسيِّد الفادي.

اخبروني أيها الناس، هل تظنُّون أن مثل هذا الإنسان به شيطان؟ وهو الذي لم يحْنِ ظهره للشرّ والإثم.

لا ننكر أن المعمدان لم يصل إلى هذه الدرجة العالية إلا عن طريق المسيح، لأن السيِّد هو الذي حطّ من مكانة إبليس، وحطََّم أسنانه حتى يعلو مركز القدِّيسين.

ألا تخجلون إذن أيها القوم وأنتم تسيئون إلى المعمدان بألسنة حدَّاد وهو الرسول الذي اِمتاز بالصبر والشجاعة وتتوَّج بأكاليل الغار؟ فلِمَ ترفعون عليه ألسنة الحسد والشر وتنسبون إليه كل كريهة مُنكر، فتنكرون عليه صحَّة العقل وصفاء الذهن وتدعون عليه زورًا وبُهتانًا أنه مجنون معتوه لا يعي ولا يُفكِّر؟

والآن فلندرس شخصيّة أخرى رآها اليهود علي نقيض شخصيّة المعمدان. لم يكن المسيح نزيل الصحراء، بل سكن المدينة في صُحبة رُسله المقدَّسين، ولم يأكل جرادًا وعسلاً ولم يلبس وبَر إبل ولم يشدْ حول وسطه مِنطَقة من جلد...

عاش المسيح كما ترون عيشة سكان المُدن، فلم يتجلَّ فيها شظَف العيش كما عاهدناه في يوحنا، فهل تلومون أيها الفرِّيسيُّون المسيح لسلوكه هذا؟ وهل تطرون سهولة مصاحبته الآخرين وعظيم أُلفته للناس، وعدم عنايته بهذا الطعام أو ذاك؟ كلاَّ لم يكن بالكليّة شيء من هذا، بل طعنتم السيِّد بالكلام القارص، فقلتم "هوذا إنسان أكُول وشَرِّيب خمر، محب للعشَّارين والخطاة". قلتم هذا لأنكم رأيتم أحيانًا المسيح يأكل في غير ما تقتير وشُحْ، فاتهمتموه باطلاً بالنَهَم وشُرب الخمر. وكيف تثبتون ادعائكم. ألم تدع مريم ومرثا مرَّة المسيح في بيت عنيا، ولما رأي السيِّد إحداهن تغالي في خدمته نهاها عن ذلك، وأمرها بالقيام بالقدر الضئيل الضروري، إذ خاطب الفادي مرثا قائلاً: "مرثا، مرثا، أنتِ تهتمِّين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد" (لو 10: 41)...

هل تتهمون المسيح بالنهم والجشع لأنه عاشر العشارين والخطاة؟ وهل هذا هو كل عذركم في اتهامه؟ ولكن قولوا لي: أي ضرر أصاب المسيح من مخالطة الخطاة والأثمة؟ ألم يكن المسيح فوق مستوى البشريّة فما الذي يصيبه من شرورها ومساوئها؟ فقد قال السيِّد وقوله صادق: "رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء" (يو 14: 30)، فلا يمكن والحالة هذه أن يعلّق شيء من مساوئ الخطاة بالسيِّد يسوع المسيح.

ولكن قد يسأل أحد ويقول: "إن شريعة موسى أمرتنا بألا تقطع عهدًا مع الخطاة ولا نعامل الآثمة" (خر 23: 32). فلندرس إذن غرض الناموس اليهودي فنتبين القصد الذي من أجله منع الناموس الإسرائيليِّين من مخاطبة الأشرار ومخاطبة الدساسين والمخادعين. لم يكن الغرض التشامخ على الخطاة، والتفاني في الكبرياء والخيلاء على الأشرار، بل كان الغرض أن عقلك ضعيف ومن السهل أن يقع في الشر والخطيّة. وذلك فخوفًا من أن تنجذب وراء الملذات الفاسدة مُنعت من مخالطة الأشرار حتى تكون في نجوى من مكمن الإثم والشر. "فإن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة" (1 كو 15: 33). وُضع القانون إذن ليحفظك من الزلل نظرًا لضعفك وعجزك، ولكنك إن كنت متسربلاً بعالي الفضائل، وثابتًا في خوف الرب، فلن يقف الناموس حائلاً بينك وبين الخطاة الضعفاء، فإنَّ في قربك منهم صلاحًا لهم، ودافعًا يبعثهم على التشبه بك، فيسيرون بخطوات واسعة نحو الكمال المنشود والحق المطلوب، فلا تفتخرن إذن علي الضعيف البائس معتمدًا علي شريعة موسى السالفة الذكر ولا يلوم أحد المسيح لأنه عاشر الخطاة والعشارين.

القدِّيس كيرلس الكبير


5. قصة المرأة الخاطئة

قلنا أن السيِّد المسيح كصديقٍ سماويٍ يفتح قلبه للغرباء (يهتم بقائد المائة)، وللأرامل (إقامة أبن أرملة نايين)، ويجذب تلاميذ يوحنا المعمدان كممثِّلي أبناء العهد القديم ليتلامسوا مع أعمال محبَّته الفائقة، الآن تقتحم امرأة خاطئة - تستحق في عيني اليهود الرجم - هذه الصداقة فتلتقي مع ربَّنا يسوع المسيح كعريسٍ سماويٍ لها، بالتقائها معه في بيت سمعان الفرِّيسي دون دعوة ظاهرة توجَّه إليها.

لقاء هذه الخاطئة جذب نفوسًا كثيرة للتوبة، إذ أعلن صداقة الله الحقيقية للخطاة ومحبَّته لكل نفسٍ واشتياقه لخلاص الكل. وقد سجَّل لنا كثير من الآباء تعليقاتهم علي هذا اللقاء، منهم القدِّيس مار أفرام السرياني الذي عرض هذا اللقاء في أسلوب قصصي رائع سبق لي ترجمته ونشرته تحت عنوان "حب ودموع" في سلسلة "القصة المسيحيّة".

يمكننا بروح الآباء أن نقدَّم الملاحظات التالية في قصَّة المرأة الخاطئة:

أولاً: يقول القدِّيس أغسطينوس: [انطلقت المرأة الخاطئة إلي الوليمة بدون دعوة، إذ كان الطبيب على المائدة، وبجرأة مقدَّسة سألته الصحَّة... لقد عرفت جيِّدًا قسوة ما تعانيه من المرض، كما أدركت أن الذي تأتي إليه قادر أن يهبها الصحَّة، لذا انطلقت في الطريق بقوّة... اقتربت لا إلى رأس الرب بل إلى قدَّميه، هذه التي سلكت في الشر زمانًا تطلب (قدميه) خطوات البرّ.[ كأن هذه المرأة وهي تمثِّل النفس المحطَّمة بالرجاسات وجدت قدميّ مخلِّصها سِرْ إمكانيّة السلوك في طريق البِرّ، والانطلاق به وفيه إلى حضن الآب تنعم بالصداقة الإلهيّة أبديًا.

ثانيًا: سأل أحد الفريِّسيِّين السيِّد المسيح أن يأكل معه، فدخل السيِّد بيته لكنه لم يدخل قلبه، فقد أعدَّ الوليمة، وربَّما كلَّفته الكثير وحسده كثيرون، أن المعلِّم في داخل البيت... لكن المرأة دخلت مقتحمة بدالة الحب البيت والتقت مع السيِّد كعريسٍ لنفسها. يمثِّل الفريسي النفس التي تتخفَّى وراء المظاهر الخارجيّة دون الأعماق، تستضيف الرب في البيت لا القلب، أما المرأة فتُمثِّل النفس الجادة في خلاصها تهتم باللقاء الخفي مع العريس السماوي.

يقارن القدِّيس أمبروسيوس في إحدى رسائله بين الفريسي والمرأة الخاطئة فيقول:

أ. لم يقدِّم الفريسي ماء لغسل قدَّمي السيِّد أما المرأة فقدَّمت دموعًا لغسلهما. الأول يمثِّل اليهود أو غير المؤمنين الذين ليس لهم ماء لغسل قدَّميّ السيِّد، الذي يود أن يسير في ضميرهم. [كيف يقدر أن يغسل ضميره من لا يتقبَّل ماء المسيح؟ أما الكنيسة فلها هذا الماء (المعموديّة) ولها هذه الدموع (التوبة).]

ويعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على هذا الغسل في موضع آخر، قائلاً: [غسلت خطاياها بغسلها قدَّميّ المخلِّص بدموعها. أيها الرب يسوع، فلتسمح لي أن أغسل قدميْك ممَّا اِنطبع عليهما بسيرك في داخلي (مع أنهما لم يتنجَّسا)... لكن من أين لي أن آتي إليك بماء الحياة الذي أغسل به قدميْك؟ فإذ ليس لي ماء أقدِّم دموعًا. وإذ أغسل قدميك إنما أثق أنني أنا نفسي أغتسل، حيث تقول لي: "خطاياك الكثيرة مغفورة لك، لأنك أحببت كثيرًا".]

في موضع آخر يقول: [اِعترف بخطاياك بدموعك ليقول عنك العدل الإلهي: غسلتْ قدميْ بدموعها ومسحَتها بشعر رأسها... فدموع محبَّتنا لا تستطيع فقط أن تغسل خطايانا، وإنما تغسل أيضًا خطوات الكلمة الإلهيّة لتُثمر خطواته فينا! إنها دموع نافعة ليس فقط تكفِّل قيام الخطاة، وإنما هي غذاء للصدِّيقين. بارٌ هو الإنسان القائل: "صارت لي دموعي خبزًا" (مز 41: 4). إن كنت لا تستطيع الاقتراب من رأس المسيح اِلمس قدميه برأسك.]

ب. لم يكن للفرِّيسي شعر يمسح به القدمين، إذ لم يكن نذيرًا للرب، أما الكنيسة فلها شعر، وهي تطلب النذير. ويرى القدِّيس أمبروسيوس هذا الشعر الذي مسحت به المرأة قدميْ المخلِّص يشير إلى الغِنى الذي لا قيمة له ما لم يقدَّم منه للفقراء - قدميْ المخلِّص- يغسل جراحاتهم وآلامهم.

في موضع آخر يقول: [حِلْ شعرك واَخْضِع له كل مواهب جسدك".] فطاقاتنا الجسديّة ومواهبنا وإمكانيَّاتنا وعواطفنا تبقى كالشعر لا قيمة له ما لم يتقدَّس باستخدامه في مسح قدميْ المخلِّص، أي في خدمة إخوته الأصاغر!

ج. بالنسبة لقبلات هذه المرأة الخاطئة التي لم يمارسها الفريسي، يقول القدِّيس أمبروسيوس: [القبلة هي علامة الحب. لهذا لم يستطع اليهودي (غير المؤمن) أن يمارس قُبلة؛ لأنه لا يعرف سلام المسيح ولا يقبله، هذا الذي قيل عنه: "سلامًا أعطيكم، سلامي أتركه لكم" (يو 14: 7). هكذا ليس للمجمع اليهودي قبلات، وإنما للكنيسة التي ترقَّبت المسيح وأحبَّته، قائلة: "ليُقبِّلني بقبلات فمه" (نش 1: 2). أرادت أن تطفئ لهيب شوقها الطويل مترقبَّة مجيء الرب بقبلاته وأن تروي عطشها بهذه العطيّة.] يكمل القدِّيس حديثه في ذات الرسالة فيقول: [الكنيسة وحدها لها قبلات العروس، بكون القبلة عربونًا للزواج وامتيازًا خاصًا بالعرس.]

قبلات الكنيسة صادقة وأمينة، إذ هي قبلات العروس الملتهبة حبًا نحو عريسها، هذه التي لم يختبرها يهوذا حين قدَّم قبلته الغاشة عند تسليمه سيِّده، لذا يخاطبه القدِّيس أمبروسيوس، قائلاً: [لقد قدَّمت قبلة يا من لا تعرف سِر القُبلة... فالمطلوب هو قُبلة القلب والنفس لا قُبلة الشفتين... فإنَّه حيث لا يوجد حب ولا إيمان ولا عاطفة أيّة عذوبة تكون للقُبلات؟]


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


5 هاتور 1735 ش
15 نوفمبر 2018 م

ظهور رأس لونجينوس الجندى الذى طعن جنب مخلصنا الصالح
نقل جسد القديس الامير تادرس الي بلدة شطب
عيد جلوس قداسة البابا شنودة الثالث
بدأ تلقيب بطريرك الاسكندرية ببابا الاسكندرية من سنة 232م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك