إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تيأس مهما كانت حروب الشيطان قوية ، قل لنفسك كل هذه مجرد حروب وأنا سأثبت فى الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 7 جـ3 PDF Print Email

أما موقف السيِّد المسيح تجاه هذه الإرساليّة فقد اِنصبَّ على الكشف عن أعمال محبَّته الفائقة، تاركًا أعماله تجيب كل تساؤل. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ يعرف المسيح غاية يوحنا، لم يقل: "أنا هو"... وإنما تركهم يتعلَّمون خلال أعماله... فإنَّهم بالطبع يحسبون شهادة أعماله أكثر تأكيدًا فوق كل شك عن شهادة الكلمات.] ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [يؤمن الإنسان كل الإيمان بشهادة الأعمال أكثر من دعوة الكلمات.]

يوحنا كمُمثِّل الناموس والنبوَّات أرسل التلميذين، أما السيِّد المسيح فدخل بهما إلى العمل الإلهي عينه، ليقولا مع الرسول يوحنا: "الذي رأيناه بعيُّوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1 يو 1: 1).

قدَّم لهما الأعمال التي طالما تنبَّأ عنها الأنبياء، إذ قال لهما: "إن العمي يُبصرون، والعرج يَمشون، والبرص يُطهَّرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يُبشَّرون، وطوبى لمن لا يعثُر فيّ" (لو 7: 22-23). وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [هذه هي الشهادة الكاملة التي بها يمكن معرفة الرب من أجل النبوَّة التي خُصِّصت لشخصه وليس لآخر: "المعطي خبزًا للجياع، الرب يطلق الأسرى، الرب يفتِّح أعين العميان، الرب يقوِّم المنحنين" (مز 146: 7-8)، "الذي يفعل هذا يملك إلى الأبد". إذن فعلامات السلطان الإلهي لا البشارة (بالعمل لا بالكلام) فهي تجعل ظلمة الليل الذي لا ينتهي تنقشع عن أعين العميان، فينالوا شفاءً عندما يُسكب النور على جراحات أعينهم الفارغة، ويجعل الصم يسمعون، وتقوم الأيدي المسترخية والرُكَب المخلَّعَة، وينجذب الأموات إلى النور، وتنبعث منهم قوّة الحياة.]

حذرهما السيِّد بقوله: "طُوبى لمن لاَ يعثُر فيّ"، لأن الصليب قادم، هذا الذي فيه يتعثَّر كثيرون، كقول الرسول بولس: "فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، أما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوّة الله" (1 كو 1: 18). فإنَّ كان السيِّد قد جاء ليفتح الأعين على معاينة أسراره والآذان لسماع صوته الإلهي، ويطلق النفوس من أسر الخطيّة، ويطهِّرها من النجاسة الداخليّة، ويُقيم النفوس من الموت، فإنَّ ثمن هذا كله "الصليب" الذي هو "لليهود عثرة ولليونانيِّين جهالة" (1 كو 1: 23).

4. شهادته عن يوحنا

إذ فرح يوحنا أنه ينقص بينما السيِّد المسيح يزداد (يو 3: 30)، بعث بإرساليته بهدف سحب كل تلاميذه إلى التلمذة على يديّ المخلِّص نفسه. لم يقلِّل هذا العمل من شأن يوحنا المعمدان، بل بالأكثر وقف السيِّد المسيح نفسه يمجِّده متحدّثًا مع الجموع عنه، هكذا:

"ماذا خرجتم إلى البريّة لتنظروا،أََقَصَبة تُحرِّكها الريح؟بل ماذا خرجتم لتنظروا أإنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة؟هوذا الذين في اللِباس الفاخر والتنعُّم في قصور الملوك.بل ماذا خرجتم لتنظروا؟أنبيًا! نعم أقول لكم وأفضل من نبي..." [24-26].

في دراستنا لإنجيل معلمنا متَّى (لو 11: 7-14) قدَّمنا الكثير من تعليقات الآباء في هذا المديح الربَّاني، لذا أكتفي بعرض بعض التعليقات الأخرى: مكملاً ما سبق عرضه:

أولاً: رأينا أن السيِّد المسيح لم يمدح القدِّيس يوحنا في حضرة تلميذيه، بل بعد رحيلهما حتى لا يبدو متملِّقًا. ليتنا نحن أيضًا لا نهتم بمديح الآخرين في وجوههم، بقدر ما نمدحهم من ورائهم، فنظهر بالحق محبِّين لهم بلا رياء ولا بهدف زمني لنوال مكافأة أدبيّة أو ماديّة.

ثانيًا: يقدِّم لنا القدِّيس كيرلس الكبير تفسيرًا لمدح السيِّد المسيح القدِّيس يوحنا المعمدان يختتمه بإعلان أن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه؛ بأن السيِّد المسيح انتقى هذا القدِّيس بكونه أعظم من نال برّ الناموس، فهو أفضل مَنْ ولَدَتْه امرأة من بين اليهود، نبي فاق غيره من الأنبياء، شهد عنه ملاخي النبي (3: 1) أنه ملاك الرب. ومع هذا فإنَّ قورنت هذه العظمة التي في الناموس ببشارة الإنجيل حُسبت كلا شيء، فخلال الناموس مهما جاهد الإنسان يبقى "من مواليد النساء"، أما عطيّة العهد الجديد فترفعنا فوق اللحم والدم لننال البنوَّة لله.

فيما يلي مقتطفات من كلمات القدِّيس كيرلس السكندري في هذا الشأن:

[كان غرض المسيح مخلِّص العالم من كلامه إذن بيان ما في الناموس من فضل وميزة، ولكن رغمًا من مزاياه وخصائصه... ليس له في ميدان البنيان الروحي شأن يقربه له. أما نعمة الإيمان بالمسيح ففيها ضمان البركات والخيرات، فيها من القوّة ما يتوج الهامات بأكاليل لا نهاية لجمالها وحسنها...

هذا ما نتعلَّمه من دراسة أقوال بولس المغبوط، فقد أعلن أنه قد تحرَّر من جهة البِرّ الذي في الناموس فكان بلا لوم، ومع كل ذلك يصرخ قائلاً: "لكن ما كان لي ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربِّي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح" (في 3: 7-8). وقد اِعتبر بولس الإسرائيليِّين جديرين باللوم والتقريع بقوله: "لأنهم إذ كانوا يجهلون بِرّ الله، ويطلبون أن يُثبتوا بِِرّ أنفسهم لم يخضعوا لبِِرّ الله، لأن غاية الناموس هي المسيح للبِرّ لكل من يؤمن به" (رو 10: 3-4). ويقول في موضع آخر: "نحن بالطبيعة يهود، ولسنا من الأمم الخطاة، إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرَّر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح، آمنا نحن أيضًا بيسوع المسيح لنتبرَّر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس" (غل 2: 15).

وعليه فكل من يؤمن بالمسيح يحظى بأمجاد تفوق أمجاد البِرّ الذي يمنحه الناموس، ولهذا اِعتبر المعمدان في موضع من بِرّ الناموس لا يدانيه فيه أحد غيره، ولكن اُعتبر من جهة أخرى أصغر بكثير من أصغر إنسان في ملكوت السماوات، والمراد بملكوت السماوات كما ذكرنا آنفًا نعمة الإيمان بالمسيح، فبها نصبح جديرين بكل بَركة روحيّة تأتي من فوق من الله أبينا، لأنها هي التي تحرِّرنا من كل لوم وتمنحنا حق البنوَّة لله، وتجعلنا شركاء في موهبة الروح القدس ووارثين للكنز السماوي...

يصف السيِّد يوحنا أنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه. وكيف كان ذلك؟ إليك الجواب: فإنَّ يوحنا كان مثْل الآخرين الذين سبقوه، تُنسب ولادته إلى امرأة، أما أولئك الذين قبلوا الإيمان بالمسيح فليسوا أبناء نساء بل أبناء الله على حد قول الإنجيلي الحكيم: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه، الذين ولدوا ليس من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله" (يو 1: 12-13). لقد أصبحنا أبناء الله العليّ، "مولودين ثانية لا من زرع يفنَى، بل ممَّا لا يفنَى بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد" (1 بط 1: 23). إذن كل من وُلد لا من زرعٍ فانٍ، بل من كلمة الله الباقية يفوق المولود من امرأة.

وهناك سبب آخر يجعل المولودين من كلمة الله أرقى من المولودين من النساء، وذلك لأن هؤلاء لهم آباء أرضيِّين، أما أولئك فلهم أب سماوي، لأن المسيح أخ لهم، فأصبحوا بنعمة الأخوة أبناء الله، إذ قال المسيح جهارًا: "ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السماوات" (مت 23: 9). ويقول بولس الحكيم بحق مؤكِّدًا النظرية السابقة: "ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح اِبنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبَا الآب" (غل 4: 2). لأنه حالما قام المسيح وحطَّم جهنَّم، مَنح نعمة البنوَّة لكل من آمن باسمه، وكان في رأس القائمة تلاميذه المقدََّسون، لأنه "نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم عليه خطاياه أُمسكت" (يو 20: 22-23). وبما أن هؤلاء التلاميذ أصبحوا شركاء في الطبيعة الإلهيّة إذ مُنحوا نعمة الروح العظيم السلطان، الكبير الشأن، لزم أن تكون لهم قوّة إلهيّة، وذلك بغفران خطايا بعض الناس وإمساك خطايا قوم آخرين.]

ثالثًا: إذ نركِّز على كلمات السيِّد المسح في مدحه للقدِّيس يوحنا نجده يبدأ هكذا: "ماذا خرجتم إلى البريّة لتنظروا؟ أقَصَبة تحرِّكها الريح؟ بل ماذا خرجتم لتنظروا أإنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة؟..." [24-25].

يتطلَّع الرب إلى العالم، وكأنه قد صار بريّة خربة بلا أشجار مثمرة، إذ أفسدت الخطيّة الخليقة من جنَّة مبهجة ومُشبعة إلى برِّيّة قفراء ومرعبة. هذه البرِّيّة امتلأت بقصب تلعب به الرياح، تميل به يمينًا ويسارًا، أما القدِّيس يوحنا المعمدان فإنَّه وإن كان قد نشأ في برِّيّة العالم كقَصَبةٍ، لكن خلال إيمانه بالمسيَّا المخلِّص ليس بالقَصَبة التي تحرِّكها رياح الهرطقات وتحطَّمها زوابع الشهوات الأرضيّة. إنه بحق تلك القَصَبة التي أمسك بها السيِّد المسيح ليجعل منها قلمًا ماهرًا، كعادة النُسَاخ قديمًا، إذ كانوا يستخدمون القَصَبة في الكتابة بعد تهيئتها لهذا العمل. هكذا كان يوحنا في يديّ المخلِّص القلم الذي يكتب به ليدعو الكل للتمتَّع بخلاصه.

في هذا يقول القدِّيس أمبروسيوس:

]يشبِّه الرب هذه الحياة بالبرِّيّة غير المزروعة ولا منتجة، ليس بها ثمر بعد. يحذّرنا الرب من التشبُه بالذين ينتفخون، وترتبط أفكارهم بالأرضيِات، هؤلاء الذين ليس لهم فضيلة خفيّة، بل يتباهون بمجد هذا العالم الزائل. هؤلاء إذ يتعرَّضون لرياح هذه الحياة وتقلُّباتها يضطربون. لهذا يُشَبَّهون بالقََصََبة، لأنهم بلا ثمر بِر حقيقي، لكن لهم الزينة العالميّة...

لكن إن اقتلعت القصبة من الأرض وشذبتها من كل شائبة، أي خلعت الإنسان القديم وأعماله (كو 3: 9) وسلمتها لتمسك بها يّد كاتب ماهر ليكتب بها بسرعة، إن فعلت هذا ينتعش هذا القلم وصايا الرب في أعماق قلبك، على ألواح قلب لحميّة (2 كو 3: 3)، فقد قيل عن هذا القلم: "لساني قلم كاتب ماهر" (مز 45: 1). [


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك