إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email

ثانيًا: إن كانت الكنيسة تركِّز على قيامة النفس أولاً بطريقة غير منظورة، فإنَّها لا تتجاهل أيضًا قيامة الجسد، الأمر الذي أنكره بعض الهراطقة خلال احتقارهم للجسد، فقد أقام الرب هؤلاء الثلاثة ليُعلن أنه واهب القيامة للنفس والجسد معًا. يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [أولئك الأموات الذين أحياهم المسيح أكبر شاهد على قيامة الأموات... وقد أشار الأنبياء المقدَّسون إلى هذه الحقيقة، إذ قيل: "تحيا أمواتك، تقوم الجثث، استيقظوا، ترنَّموا" (إش 26: 19). يراد بالاستيقاظ حياة المسيح التي يهبها بقوّة الروح القدس. وأشار أيضًا المرنِّم إلى ذلك بعبارات خاطب بها الله مخلِّص العالم: "تحجب وجهك فترتاع، تنزع أرواحها فتموت، وإلى ترابها تعود" (مز 104: 29). كانت معصية آدم سببًا في إقصاء وجوهنا عن رؤيّة الله والتصاقها بتراب الأرض، لأن الله حكم على الطبيعة البشريّة بالقول: "لأنكَ تراب وإلى تراب تعود" (تك 3: 19). ولكن عند نهاية العالم يتجدَّد سطح الأرض، لأن الله الآب يهب بابنه حياة لجميع ما في الكون. الموت جلب على الناس الشيخوخة والفساد... أما المسيح فهو المحيي والمجدِّد، لأنه هو الحياة.]

إذن إقامة المسيح لهؤلاء الأموات كانت إعلانًا عن عمله الحالي بإقامة نفوسنا خلال الاتِّحاد معه بكونه الحياة، وإقامة أجسادنا في يوم الرب العظيم على مستوى يليق بالحياة السماويّة الأبديّة.

ثالثًا: في دراستنا لإقامة ابنة يايرس (مت 9: 18-26) رأينا كيف حمل إقامة هؤلاء الثلاثة (لعازر، والشاب ابن الأرملة، والصبيّة ابنة يايرس) رمزًا لعمل السيِّد المسيح للنفوس، في مراحل ارتكابها للخطيّة المختلفة، أو كقول القدِّيس أغسطينوس: [هذه الأنواع الثلاثة من الموتى هم ثلاثة أنواع من الخطاة لا يزال يقيمهم المسيح إلى اليوم]، فالصبيّة ترمز لمن يخطئ داخليًا في القلب، والشاب لمن ارتكب الشرّ عمليًا بطريقة واضحة، ولعازر لمن تحوَّلت الخطيّة في حياته إلى عادة، وقد جاء ربَّنا يقيم الكل!

رابعًا: أبرز الإنجيلي جانبًا رئيسيًا لإقامة هذا الشاب، إذ يقول: "فلما رآها الرب تحنَّن عليها" [13]، وكأن السيِّد لم يُقِمْ الشاب استعراضًا لسلطانه على الموت وقدراته على وهْب الحياة، إنما تقدَّم ليهب "حنانه". يتعامل الله معنا على مستوى السلطة والسيادة، مع أنه الخالق وسيِّد الكل، لكنه يتعامل مع الإنسان على مستوى الحب والرحمة، بكونه الأب والعريس والصديق والحبيب لكل إنسان يقبله.

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [نؤمن أن الأحشاء الإلهيّة تحركها دموع أُم أرملة أضناها الألم لموت وحيدها وهي أرملة. مشاركة الجموع لها في آلامها لم يسد الفراغ الذي تركه موت ابنها وحرمانها من الأمومة... لكنها ببكائها نالت قيامة ابنها الشاب، الابن الوحيد.]

ليتنا نكون كهذه الأرملة، إذ نفقد رجلنا الذي اخترناه خلال العصيان، أي إبليس، هذا الذي دفع بابننا الوحيد أي نفسنا إلى الموت، فصارت محمولة في الجسد كما على نعش، خارج البيت الإلهي بلا حياة. نلتقي مع واهب الحياة إذ وحده يتحنَّن علينا، فينزع عنَّا ثقل هذا الموت، ويردّ لنا نفوسنا حيّة فيه، وأجسادنا مقدَّسة بروحه القدِّوس.

خامسًا: يعلّق أيضًا القدِّيس أمبروسيوس على القول الإنجيلي: "ثم تقدَّم ولمس النعش فوقف الحاملون" [14]، ناظرًا إلى النعش الخشبي بكونه الشجرة التي من خلالها حُملنا إلى القبر، فقد لمسها السيِّد بارتفاعه على خشبة الصليب لتصير لنا سِرْ حياة. وكأن الخشبة التي كانت لنا نعشًا تحملنا إلى الهاويّة، صارت بالمسيح يسوع ربَّنا "قوّة الله" (1 كو 1: 18).

سادسًا: يرى القدِّيس أمبروسيوس في هذا المنظر صورة حيّة للكنيسة التي لا تتوقَّف عن البكاء من أجلنا متضرِّعة إلى مسيحها ليردّ لها وحيدها ينطق بكلمة الحياة، إذ قيل "فجلس الميِّت، وابتدأ يتكلَّم، فدفعه إلى أُمّه" [15].

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [إن أخطأت خطيّة مُميتة لا تستطيع أن تغسلها بدموعك، فاجعل أُمَّك تبكي عليك، التي هي الكنيسة، فإنَّها تشفع في كل ابن لها كما كانت الأرملة تبكي من أجل ابنها الوحيد. إنها تشترك في الألم بالروح، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لها حينما ترى أولادها يدفعهم الموت في الرذائل المُهلكة، فإنَّنا نحن أحشاء رأفتها. حقًا توجد أحشاء روحيّة كتلك التي لبولس القائل: "نعم أيها الأخ ليكن لي فرح بك في الرب، أرحْ أحشائي في الرب" (فل 20). نحن أحشاء الكنيسة، لأننا أعضاء جسدها من لحمها وعظامها. لتبكِ إذن هذه الأم الحنون ولتشاركها الجموع لا الجمع وحده، حينئذ تقوم أنت من الموت وتخرج من القبر. يتوقَّف حاملو الموت الذي فيك وتنطق بكلمات الحياة، عندئذ يخاف الجميع ويرجع الكل وهم يباركون الله الذي قدَّم لنا مثل هذا الدواء الذي يخلصنا من وطأة الموت.]

سابعًا: يتساءل القدِّيس كيرلس الكبير عن سِرْ لمس السيِّد المسيح للنعش مع أنه كان قادرًا أن يقيمه بكلمة، ويجيب، قائلاً: [كان ذلك يا أحبائي لتعلموا أن لجسم المسيح تأثير في خلاص الإنسان، لأن جسد الكلمة، المسيح العظيم، هو جسم الحياة المتسربل بالقوّة والسلطان، وكما أن الحديد إذا ما لمس النار بدت فيه مظاهر النار وقام بوظائف النار، كذلك جسد الكلمة المسيح تجلَّت فيه الحياة، وكان له السلطان على محو الموت والفساد.]

هكذا أظهر السيِّد ما كان لجسده من قدرات على إعطاء الحياة، خلال الاتحاد الذي للاهوت مع الناسوت أبديًا... بهذا رفع من شأن الجسد الذي كان موضع عداوة الإنسان والازدراء به، مباركًا طبيعتنا فيه.

3. إرساليّة يوحنا للمسيح

القدِّيس يوحنا المعمدان الذي سبق فركض في أحشاء أمه متهلَّلاً بقدوم المخلِّص المتجسِّد في أحشاء البتول، والذي أعلن عن أزليَّته (يو 1: 30)، وعن رسالته كحمل الله الذي يرفع خطيّة العالم (يو 1: 29)، وقد رأي الروح القدس نازلاً عليه والآب يشهد له في لحظات العماد... الآن يبعث إرساليّة إلى السيِّد المسيح تقول: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" [20].

لم يكن يوحنا يشك في شخص السيِّد المسيح، لكنه أراد أن يعطي للسيِّد المسيح المجال ليقتنص تلاميذه له. فالقدِّيس يوحنا لا يريد لنفسه تلاميذ يعملون لحسابه، إنما يودْ في تلمذته للآخرين أن يبعث بهم إلى مخلِّصه، دافعًا إيَّاهم إلى "الصداقة الإلهيّة". وقد رأي ألا يدخل في حوارٍ مع تلاميذه في شأن المخلِّص، إنما يبعث بإرساليّة إليه ليقدِّم السيِّد نفسه باجتذابهما إليه، فيجتذبان معهما بقيّة التلاميذ.

أقول ما أنجح الراعي الذي يدفع بشعب الله إلى التلاقي مع السيِّد المسيح نفسه لكي يسحب قلوبهم إليه وينعمون بالصداقة الإلهيّة، بهذا يكون عمل الراعي هو مجرد تلاقي شعب الله بالمخلِّص نفسه. مثلَ هذا الراعي لا يعمل لحساب كرامته أو شعبيَّته، وإنما لحساب ملكوت الله.

يحدّثنا القدِّيس كيرلس الكبير عن سبب هذه الإرساليّة في شيء من الاسترسال، قائلاً:

[لا تظنُّوا إذن أن المعمدان المغبوط عجز عن معرفة كلمة الله، المسيح المتجسِّد - فقد كان واثقًا من المسيح ومن شخصيَّته. وأما سؤاله عن المسيح فقد أملاه له روح الحكمة والفراسة ليجعل من السؤال درسًا مفيدًا لتلاميذه. كان هؤلاء التلاميذ في عزلة عن المسيح، فلم يُدركوا مجده وسلطانه، بل واشتعلت فيهم نيران الحقد، إذ سمعوا بتفوُّقه على سيِّدهم يوحنا في إجراء المعجزات والعجائب، وقد ظهرت نيَّاتهم السيِّئة هذه في إحدى المرَّات، إذ اقتربوا من المعمدان، وسألوه عن المسيح قائلين: "يا معلِّم هوذا الذي كان معك في عبْر الأردن الذي أنت قد شهدتَ له هو يعمِّد، والجميع يأتون إليه" (يو 3: 26). أجاب يوحنا وقال: "لا يقدر إنسان أن يأخذ شيئًا إن لم يكن قد أعطيَ من السماء. أنتم أنفسكم تشهدون إني قلت لست أنا المسيح بل أنا مرسل أمامه، من له العروس فهو العريس، وأمَّا صديق العريس الذي يقف ويسمعه، فيفرح فرحًا من أجل صوت العريس، إذن فرحي هذا قد كمُل، ينبغي أن ذلك يزيد وإنِّي أنا أنقص" (يو 3: 27-30).

إننا لا نقول أن المعمدان انحطَّ مقامه في الوقت الذي زاد فيه مجد المسيح بأن التفَّ حوله عدد كبير من الناس، ولكن يُراد بنقص يوحنا وزيادة المسيح أن يوحنا كان إنسانًا فلابد من أن يصل إلى درجة ما بعدها من مزيد، أما المسيح فهو إله متأنِّس فلا حد لنموُّه ولا نهاية لعظمته ولذلك يقول المعمدان: "ينبغي أن ذلك يزيد وأنِّي أنا أنقص". إن كل من وقف في مستوى واحد ينقص، وذلك بالنسبة لمن لا يقف أمامه عائق عن النمو والتقدُّم، وحتى يُثبِت المعمدان أنه على حق في قوله هذا أشار إلى لاهوت المسيح، وبرهن لهم أنه لابد من أن يفوق جميع الناس، إذ قال: "الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع والذي من الأرض هو أرضي ومن الأرض يتكلَّم" (يو 3: 31). من الذي أتى من فوق، ومن ذا الذي يفوق جميع الناس؟ من الواضح هو كلمة الله المتجسِّد، هو مثال الآب ومساوٍ له في الجوهر، ونظرًا لمحبَّته شاء فنزل وتواضع ليصير مثلنا. فالمسيح إذن يفوق كل من في الأرض، ولما كان المعمدان أحد سكان الأرض، ويتَّفق معهم في الإنسانيّة، لزم أن يفوقه المسيح الإله.

لا ننكر أن يوحنا كان حميد الخصال. مقطوع النظير فضلاً ونُبلاً، بلغ درجة عظيمة في البرّ والصلاح يستحق عليها المدح والثناء، إذ وصفه السيِّد بالقول المأثور: "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11: 11) ولكن رغمًا عن كل هذا لم يكن المعمدان من فوق، بل كان أرضيًا مثله مثلنا.

فترون إذن أن تلاميذ يوحنا إذ لم تتطهَّر قلوبهم بعد من أمراض اليهود الوبيلة، نسبوا ليوحنا ما رأوه في المسيح من قوّة إلهيّة... أما يوحنا فقد أدرك مكانة المسيح السامية، وسُِرَّ كل السرور بالإشارة إلى مجد السيِّد العظيم، وحتى يطهِّر يوحنا قلوب تلاميذه من أدران الشكوك والريب، ويقرِّبهم إلى شمس البرّ إله المجد الرب يسوع المسيح، قبِل أن يتنكَّر يوحنا تحت زي الجهل والسذاجة، وأوفد رسله إلى المسيح ليسألوه: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر".]

الآن نتساءل: لماذا أورد الإنجيلي لوقا هذه الإرساليّة بعد ذِكره شفاء عبد قائد المائة وإقامة الشاب ابن أرملة نايين؟

إن كان قائد المائة يمثِّل الغرباء الذين اِحتضنهم الصديق السماوي بحبِّه نازعًا عنهم موت الخطيّة، وإن كانت الأرملة تشير إلى قبول السيِّد المسيح للأرامل والمساكين أصدقاء له، يرُدّ لهم بهجة خلاصهم، فالآن إذ يلتقي بتلميذيّ يوحنا، ويصطادهم في شباك محبَّته، يُعلن شوقه لاقتناء الشعب اليهودي للتلمذة له. فيوحنا يمثِّل الناموس، وتلميذاه أو إرساليته تشير لتلاميذ الناموس أو الذين تحت الناموس. بعث يوحنا تلميذيه ليعلن أن "غاية الناموس هي المسيح" (رو 10: 4). وقد بعث تلميذين، إذ رقم 2 يشير إلى المحبَّة. فإنَّنا لن نلتقي بمسيحنا خلال الناموس بدون المحبَّة!

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [يوحنا يمثِّل الناموس، كان من الطبيعي أن هذا الناموس الذي يتكلَّم عن المسيح وقد صار سجينًا في قلوب المؤمنين، ووُضع في الحبس أن يفتقر للنور، فقد قاسى عذابات خلف قضبان عدم الفهم، لهذا فهو لا يقدر أن يسير إلى النهاية كشاهد للمقاصد الإلهيّة ما لم تسنده بشارة الإنجيل... لذلك بعث يوحنا اثنين من تلاميذه ليزداد معرفة، لأن المسيح هو كمال الناموس... وكان التلميذان رمزًا لشعبين، آمن الأول لأنه من اليهود، وأمن الثاني حينما سمع لأنه كان من الأمم.]


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك