إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 7 جـ1 PDF Print Email



صديق الجميع


في الأصحاح السابق أبرز الإنجيلي شخص السيِّد المسيح كصديقٍ معلِّمٍ، يود أن يرفعنا معه إلى سماواته لنحيا بالناموس السماوي. ولئلاً يظن البعض أنه جاء لفئةٍ معينةٍ خاصةٍ كما فعل كثير من الغنوسيِّين الذين احتقروا البسطاء والعامة ليقيموا فئة أرستقراطيّة فكريًا حولهم، يكشف الإنجيلي عن هذا الصديق السماوي كيف يهتم أن يقتنص بحبُّه الغرباء (عبد قائد المائة)، ويهتم بالأرامل (إقامة ابن أرملة نايين)، ويترفَّق بالخطاة (قصَّة المرأة الخاطئة). يود تقديم صداقته لكل إنسانٍ بغض النظر عن جنسه أو إمكانيَّاته أو سلوكه الحالي، ليرفع الكل بروحه القدُّوس إلى العضويّة الحقيقية في جسده المقدَّس.

1. شفاء عبد قائد المائة 4-10.

2. إقامة ابن أرملة نايين 11-17.

3. إرساليّة يوحنا للمسيح 18-23.

4. شهادته عن يوحنا 24-35.

5. قصة المرأة الخاطئة 36-50.

1. شفاء عبد قائد المائة


في دراستنا لإنجيل متَّى (ص 8) رأينا قائد المائة يبعث بإرساليّة للسيِّد تشفع فيه بكونه غريب الجنس لكي يشفي الرب غلامه، وهو في هذا يمثِّل جماعة الأمم التي كانت تعاني من العذاب خلال هذا العبد الأسير لعدو الخير، وقد أظهر الأمم إيمانًا أعظم ممَّا لليهود، مع أن السيِّد لم يظهر بالجسد في وسطهم كما ظهر وسط اليهود، إذ حلّ بينهم كواحدٍ منهم بتجسُّده من القدِّيسة مريم. وفي إيمانه مملوء تواضعًا اِستحق غريب الجنس أن يسمع مديحًا من فم السيِّد المسيح لم يسمعه أصحاب الناموس والنبوَّات والمواعيد الخ.

على أي الأحوال إن كان السيِّد المسيح أعلن صداقته بتجسُّده من القدِّيسة مريم اليهوديّة الجنس، فإنَّه يُعلن صداقته للأمم أيضًا بمدحه لقائد المائة غريب الجنس. إنه يفتح ذراعيه للعالم كله ليضُم الجميع بذات الحب!

ربَّما يتساءل البعض: لماذا ذكر الإنجيلي متَّى أن القائد التقى مع السيِّد في الطريق يعلن عدم استحقاقه أن يدخل السيِّد بيته، مظهرًا إيمانه بكلمة السيِّد القادرة بسلطان أن تشفي دون حاجة إلى دخول السيِّد بيته، بينما يذكر الإنجيلي لوقا أن جماعة من شيوخ اليهود انطلقوا يسألون السيِّد أن يشفي عبد قائد المائة، وأن إرساليّة أخرى قد جاءت من قبل القائد تتحدّث بلسانه لتُعلن عدم استحقاقه لدخول بيته مع إيمانه بسلطان كلمة السيِّد في إبراء العبد؟

يوضِّح القدِّيس الذهبي الفم أنه قد تمَّت اللقاءات الثلاثة، لقاء الجماعة من شيوخ اليهود وإرساليّة القائد نفسه، وأن الإنجيلي متَّى اِكتفي باللقاء الثالث، أما لوقا فاكتفى باللقاءين الأول والثاني. ويعلِّل ذلك بأن قائد المائة في إيمانه بالسيِّد المسيح أراد الانطلاق إليه يسأله شفاء عبده، لكن شيوخ اليهود بدافع الحسد لئلاَّ يُعلن قائد المائة إيمانه أمام الجماهير، ذهبوا هم إليه ليأتوا به إلى بيت القائد تحت مظهر عمل الرحمة، قائلين: "لأنه يحب أُمَّتنا، وهو بنَى لنا المجمع" [5]. لكن الرب العارف بأسرار القلوب اِنتظر حتى تأتي الإرساليّة، بل ويأتي القائد نفسه ليمجِّده بسبب إيمانه!

ويلاحظ في هذا اللقاء بين السيِّد والقائد أو من جاءوا عنه الآتي:

أولاً: إن افترضنا حتى في هؤلاء الشيوخ من اليهود حسن النيّة، فإنَّ شفاعتهم عن القائد تكشف عن اهتمامهم بالذات "يحب أُمَّتنا"، وتركيزهم على الأمور المنظورة "بنى لنا المجمع"، أما السيِّد المسيح فمدحه من أجل ما حمله قلبه من إيمان خفي مملوء تواضعًا.

ثانيًا: إن كان قائد المائة يشير إلى الأمم القادمين إلى السيِّد المسيح بالإيمان لشفاء العبد، أي نفوسهم التي اِستعبدها عدو الخير زمانًا، حتى كادت أن تموت أبديًا كما يقول القدِّيس أمبروسيوس، فإنَّ قبول هذا القائد أيضًا يشير إلى قبول كل الفئات إلى الإيمان. فقد اِتَّسم القوَّاد والجند الرومان بالعنف الشديد والاستبداد، حتى تساءل كثير من مسيحيِّي القرون الأولى إن كان يمكن أن يبقى القائد أو الجندي في موقعه بعد قبول الإيمان المسيحي، فقد تشكَّكوا إن كان لمثل هذا الإنسان أن يحيا كمسيحي في مركزه. فقبول السيِّد المسيح لطلبه هذا القائد، ومدْحه أمام الجمهور معلنًا أنه لم يجد في إسرائيل إيمانًا كهذا يكشف عن إمكانيّة الحياة في شركة مع الرب، أيًا كان عمل المؤمن أو مركزه. يقول العلامة ترتليان: [جاء جند إلى يوحنا وقبلوا منه تدبيرًا لنظامهم (لو 3: 12-13)، وآمن قائد المائة... فليس لبس ما (مثل الزي العسكري) غير شرعي بيننا مادام الإنسان لا يقوم بعملٍ غير شرعيٍ.]

ثالثًا: يعلّق القدِّيس أمبروسيوس على اهتمام السيِّد المسيح بشفاء عبد قائد المائة وانطلاقه نحو البيت، ليهبه عطيّة الصِحَّة، قائلاً: [تأمَّل معي تواضع رب السماء الذي لم يستنكف من افتقاد عبد صغير لقائد المائة معبِّرًا عن أعمال رحمته الإلهيّة وعن مشاعر تحنُّنه. فكان انطلاقه نحو بيت قائد المائة ليس عن عجزِه عن شفاء العبد من بعيد، وإنما ليُعطيكم مثالاً في التواضع نمتثل به، ويعلِّمكم احترام المساكين كالعظماء.]

رابعًا: أبرز القدِّيس أمبروسيوس دور قائد المائة نحو عبده، فقد آمن وجاهد خلال هذا الإيمان ببعث إرساليّة للسيِّد وذهابه بنفسه... [نال العبد الشفاء خلال إيمان القائد، الذي شفع في العبد لا بالإيمان فقط، وإنما خلال الجهاد أيضًا.] هكذا يخجلنا هذا الأممي بإيمانه بالرب مع جهاده من أجل عبده المريض!

خامسًا
: يقارن القدِّيس كيرلس الكبير بين إيمان شيوخ اليهود الذين جاءوا يشفعون في قائد المائة وإيمان قائد المائة نفسه، قائلاً: [ترون إذن شيوخ اليهود وهم يتوسَّلون إلى يسوع بأن يزور قائد المائة في منزله طبقًا لمشيئة، اعتقادًا منهم أنه لا يمكن شفاء المريض إلا بهذه الوسيلة. فبينما ترون من جهة أخرى رجلاً يجاهر على ملأ من الناس بأن المسيح يمكنه شفاء المريض من على بعد! فقط يقول كلمة فيبرأ الغلام، لم يطلب قائد المائة إلا أن ينطلق المسيح بكلمة. أن يعلن قبوله للرجاء، أن يفوه بالنطق السامي، أن يظهر رغبته ومشيئته، ولذلك كان هذا القائد جديرًا بتهنئة المسيح له بالقول المأثور: "لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا" فإنَّ في سلوك هذا الرجل دليلاً على سلامة إيمانه وقوّة عقيدته. وقد كافأه السيِّد وأجزل مكافأته وشفي عبده في اللحظة عينها وخلَّصه من قبضة الموت، وكان قد نشب أظافره فيه فكاد يخرج نفسه من بين أضلاعه.]

2. إقامة ابن أرملة نايين


إن كان السيِّد قد فتح قلبه للغرباء، فتقدَّم قائد المائة الروماني من أجل عبده الغلام ليحتل بإيمانه مركز الصدارة في عيني الرب، ويحسب صديقًا أقرب إلى الله من بني إسرائيل نفسه، فإنَّنا الآن نراه يترفَّق بأرملة فقدت وحيدها الشاب، وكأن السيِّد في صداقته اِلتقى بالأرامل والمساكين كما التقى بالغرباء. صداقته جامعة تضم كل البشر.

من جانب آخر، فإنَّ قائد المائة كما يقول كثير من الآباء كالقدِّيسين كيرلس الكبير وأغسطينوس وأمبروسيوس يشير إلى الكنيسة القادمة من بين الأمم، الذين نالوا الكثير من الزمنيَّات، لكنهم وقفوا في عجز أمام مرض الغلام العبد، غير قادرين على إبراء نفوسهم الداخليّة التي أسَرَها العدوْ كعبدٍ مسكينٍ، وحطَّمتها الخطيّة كمرضٍ يدفعها نحو الموت، أما الأرملة فتشير إلى البشريّة بوجه عام ترمَّلت وها هي تفقد وحيدها الشاب الذي صار في الطريق يحمله الرجال في نعش. إنها البشريّة التي صارت كأرملة بفقدها الله نفسه رجلها الحق، أما وحيدها الشاب الميِّت، فيُشير إلى كل نفس وقد أفقدتها الخطيّة حياتها فصارت ميَّتة، يحملها الجسد الذي أفسده الشرّ، وكأنه بالرجال حاملي النعش، وقد خرجت إلى الطريق إذ لم يعد للنفس موضع في بيت الرب، أو في الفردوس البيت الأول للإنسان.

ويلاحظ في إقامة هذا الشاب الآتي:

أولاً: في أيام السيِّد المسيح، بلا شك مات كثيرون كأطفال بيت لحم، والقدِّيس يوحنا المعمدان الذي استشهد ومئات وربَّما آلاف من رجال ونساء وشيوخ وأطفال، ولا نعلم إن كان السيِّد قد أقام كثيرين أم اكتفى بإقامة هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم الإنجيليُّون: لعازر، والشاب ابن أرملة نايين، والصبيّة ابنة يايرس. فإنَّ السيِّد المسيح لم يأتِ لينزع عنَّا موت الجسد، إنما لكي يحطِّم موت النفس، ويرفعنا فوق سلطان الموت، فنجتازه معه غالبين ومنتصرين لنبلغ اللقاء معه وجهًا لوجه أبديًا.

لم يعدْنا السيِّد بطرد الموت عنَّا وإنما إذ مات معنا وعنَّا، حوَّل الموت إلى جسر للعبور بنا إلى الفردوس على انتظار يوم الرب العظيم، لذلك نسمع عن والدة القدِّيس غريغوريوس النزينزي أنها ارتدت ثياب العيد عندما حضرت دفن جثمان ابنها قيصريوس.

تهتم الكنيسة بقيامة النفس أولاً، فإنَّ الجسد سيقوم حتمًا، فإن كانت النفس متمتِّعة بالقيامة ينعم معها بالمجد الأبدي، لهذا يقول القدِّيس أغسطينوس: [أنه لعمل مُعجزي أعظم أن يقوم شخص ليحيا إلى الأبد عن أن يقوم ليموت ثانية.] كما يقول: [لقد فرحت الأم الأرملة عند إقامة الشاب، وها هم البشر يقومون كل يوم بالروح، والكنيسة كأم تفرح بهم. ذاك كان ميتًا حقًا بالجسد، أما هؤلاء فهم أموات بالروح. موته المنظور جلب بكاءً منظورًا، موتهم غير المنظور لم يكن موضع سؤال الآخرين ولا موضع إدراكهم، فبحث عنهم ذاك الذي يعرف أنهم أموات، هو وحده يعرفهم هكذا وقادر أن يهبهم حياة، فلو لم يأتِ الرب ليقيمهم لما قال الرسول: "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات، فيضيء لك المسيح" (أف 5: 14)... لا يستطيع أحد أن يوقظ أخرًا من سريره بسهوله مثلما يقدر المسيح أن يوقظ من في داخل القبر.]


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 7 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


4 هاتور 1735 ش
14 نوفمبر 2018 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك