إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

حقق للناس فى حياتك المثاليات التى يشتهونها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 6 جـ3 PDF Print Email



4. تعاليمه

إن كان السيِّد المسيح في صداقته لنا دخل بنا إلى الزروع ليُشبعنا به، وإلي مقدَّساته (المجمع) ليشفي يميننا للعمل الروحي، وأقام التلاميذ لينادوا بالمصالحة السماويّة، الآن يتقدَّم إلينا كصديق معلِّم يحدّثنا عن ناموسه السماوي الذي نحيا به:

أ. حديث شخصي للمتألِّمين


كصديقٍ معلِّمٍ ينزل إلينا وسط آلامنا ليحدِّثنا حديثًا عمليًا واقعيًا وهو حالْ في وسطنا يسندنا وسط أتعابنا، إذ يقول الإنجيلي:

"ونزل معهم ووقف في موضع سهل،هو وجمع من تلاميذه وجمهور كثير من الشعب،من جميع اليهوديّة وأورشليم وساحل صور وصيدا،الذين جاءوا ليسمعوه ويُشفوا من أمراضهم.والمعذَّبون من أرواح نجسة وكانوا يبرأون.وكل الجمع طلبوا أن يلمسوه،لأن قوّة كانت تخرج منه، وتَشفي الجميع" [17-19].

إن كان السيِّد في صلاته طوال الليل اعتزل على الجبل، إذ لا يستطيع أحد أن يُدرك سِرْ الوحدة الفريدة بين الآب والابن، لكنه نزل إلى السهل ليلتقي مع التلاميذ والشعب اليهودي وأيضًا الأممي. هؤلاء الذين جاءوا يسمعونه ويلمسونه لينالوا قوّة تخرج منه! بهذا كان السيِّد يُتلمِذ خدَّامه، أنه وإن لاق بهم أن يرتفعوا على الجبال العالية ليدخلوا مع الله في شركة سرَّيَّة روحيَّة عميقة، لكنهم هم خدام الشعب، والعاملون لحساب البشريَّة لإراحتهم!

إن كان ربّتا يسوع قد جاء صديقًا معلِّمًا، إنما جاء يهب قوّة لمن يلمسه، واهبًا عطايا فائقة للنفوس المعذَّبة التي بقيت في السهل غير قادرة أن ترتفع إلى الجبل لتلقي معه. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [تأمَّلوا بدقَّة في كل كلمة... كيف ينزل إلى الجمع، وأين يمكن للجمع أن تراه إلا في السهل. إذ لا يتبعه الجمع إلى المرتفعات ولا يصعدوا إلى قمم الجبال، فينزل هو إلى الضعفاء مادام الضعفاء لا يصعدون إلى المرتفعات... ينال المرضى الشفاء في السهل لينموا في القوّة شيئًا فشيئًا، ويستطيعوا تسلُّق الجبال. ينزل الرب ليشفي جراحاتنا لكي يجعلنا نشاركه طبيعته باتِّحاده بنا.]

الآن إذ قدَّم قوّة للذين يلمسونه حتى يرفعهم من السهل إلى قمم جبال الفضيلة، بدأ يحدِّثهم حديثًا شخصيًا عن "بَركة الآلام"، إذ يقول الإنجيلي:

"ورفع عينيه إلى تلاميذه، وقال:طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله" [20].

إذ أراد أن يلتقي بالشعب لشفائهم نزل إلى السهل، لكنه حين يتحدَّث يرفع عينيه ليرفع بصيرتهم معه نحو السماء. أنه يطوِّب المساكين لا لأنه ينزع عنهم الحرمان الزمني أو الألم، وإنما ليرفعهم وسط الآلام إلى ملكوته الإلهي. جاء صديقنا متألِّما يعيش وسط المتألِّمين، ليحملهم وسط الآلام إلى شركة أمجاده!

يقدِّم تطويبًا شخصيًا لسامعيه بقوله: "طوباكم أيها..."، واصفًا إيَّاهم أنهم مساكين وجياع وباكون ومبغَضون من الناس ومضطهَدون منهم ظلمًا... ليعود فيقدِّم الويلات لحاملي السِمات المناقضة: للأغنياء، الشباعى، الضاحكين الآن، الممدوحين من كل جميع الناس. وقد سبق لنا الحديث عن هذه التطويبات في دراستنا لإنجيل معلمنا متَّى (5: 2-12). ويلاحظ في هذه التطويبات الآتي:

أولاً: بدأ بالتطويبات لا بالويلات؛ في التطويب يوجِّه الحديث لسامعيه أما الويلات فيوجِّهها بصيغة الغائب؛ وهكذا يقدِّم لنا السيِّد المسيح الصديق الحقيقي المعلِّم صورة حيَّة للتعليم، مركزها تشجيع السامعين وبث الرجاء فيهم، فهو يفترض في سامعيه طاعته والتمتَّع ببركاته الإلهيَّة، وعندما يحذِّر يفترض أنهم لا يرتكبون الخطأ. إنه إيجابي في تعاليمه.

لقد حمل معلمنا بولس الرسول روح سيِّده ففي رسائله ينعت من يكتب إليهم أنهم قدِّيسون ومختارون ومدعوُّون للملكوت الخ. وبعد التشجيع الكثير يوبِّخ في حزمٍ دون أن يجرح مشاعرهم!

ثانيًا: يعلِّق القدِّيس كيرلس الكبير على القول الإلهي: "طوباكم أيها المساكين بالروح، لأن لكم ملكوت السماوات" [20]، قائلاً:

[هذه هي كلمات المخلِّص يوم أن فتح للتلاميذ كنوز العهد الجديد، وقادهم في طريق الإنجيل وهم على أهبَّة المناداة بالرسالة المقدَّسة، ونريد أن نعرف من هم المساكين الذين أشار إليهم المسيح في الآية السابقة، فوعدهم بملكوت السماوات؟ إن متَّى يقول في هذا الصدد "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات" (مت 5: 3)، ومعنى ذلك أن المسكين بالروح هو كل من اتَّضع ولم يشمخ بأنفه، فكان قلبه وديعًا وذهنه بعيدًا عن الكبرياء والزهْو متحرِّرًا من رذيلة العُجب.

رجل بمثل هذا الخلق جدير بالمدح والثناء، فهو صديق الإله جلَّت قدرته، فقد وصفه النبي بالقول: "إلي هذا أنظر، إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي" (إش 66: 2)، ويقول داود النبي: "القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره" (مز 51: 17)، ويقول المسيح نفسه "تعلَّموا منِّي، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29).

في الدرس الذي أمامنا نرى الآية تَعِد المسكين بكل بَركة سماويّة بدون أن تضيف كلمة "بالروح" وصفًا للمسكين، ولكن يجب أن نعلم أن الإنجيليِّين لا يناقضون الواحد الآخر، فإنِّهم يجزِّئون الرواية فيما بينهم، فأحيانًا يذكر جميعهم نص القصَّة بحذافيرها وأحيانًا يذكر أحدهم ما تركه الآخر حتى لا يفوت المؤمنين بيسوع المسيح شيء أفاد التلاميذ وجدَّدهم.

تجِدون إذن من الآية السابقة أن المسيح أراد "بالمسكين بالروح" الجدير بالبركات والنعيم، ذاك الذي لم يهتم بالغنى واحتقر الجشع والطمع، وازدرى العطايا الممقوتة، ورغب عن محبَّة المال المرذولة، وارتفع بنفسه فلم يعبأ بمظاهر الحياة وغرور المال.

حقًا يهدينا بولس الحكيم إلى طريق المبادئ القويمة بقوله: "لتكن سيرتكم خالية من محبة المال" (عب 13: 5). ويضيف إلى ذلك قوله: "فإن كان لنا قوت وكِسوة فلنكتفِ بهما" (1 تي 6: 8)، ولأن من رغب في فداء المسيح وخلاصه يمتهن الأموال الزائلة، ويمنطِق حقويْه بالأعمال السامية الباقية. ولا نقصد بامتهان المال التعريض بالأغنياء الذين فاضت موارد رزقهم بالثروة بل أن كلامنا ينسب إلى أولئك الذين مالوا بكليَّتهم إلى المال، ورغبوا فيه كل الرغبة، ومن هم هؤلاء الناس؟ أشار إليهم المخلِّص بالقول: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض" (مت 6: 19).]

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [بدأ كل من البشيريين تطويباته بهذه العبارة، فهي الأولي حسب الترتيب والأم التي تلد كل الفضائل، فباحتقار ممتلكات هذه الحياة تستحق الممتلكات الأبديّة، أما إن كنت أسيرًا لشهوات العالم فمن المستحيل أن تطفو فوقها.] كما يقول: [ليس كل المساكين مطوَّبين، فالفقر عمل سلبي، إذ يوجد فقراء صالحون وآخرون أشرار... طوبى لمن كان مسكينًا في الخطيّة ومسكينًا في الرذائل، ليس لرئيس هذا العالم موضع فيه (يو 14: 3). طوبى للمسكين الذي يُمتثل بسيِّده الذي افتقر لأجلنا وهو غني (2 كو 8: 9).]

ويقول القدِّيس يوحنا التبايسي: [إن لم يقصد الإنسان أولاً التجرُّد لا يستطيع أن يدنو من الحزن والنوح، لأن حياتنا لا تستطيع أن تدوم في صحَّة الروح، مادمنا مالكين في أنفسنا شيئًا معوَّقًا، إذ أن الإنسان لا يستطيع أن يقتني حب الله إذا كان حب الاقتناء يتحرَّك فيه، لأنه مكتوب: من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني (مر 8: 34). لا يستطيع الإنسان أن يحمل الصليب دون أن يجحد العالم، بل ينبغي له أن يبتعد عن كل الأشياء، إذ أن العزاء الخارجي يعطِّله عن الشيء الذي يقتنيه، فلا يمكن أن يثبت الحق في إنسانٍ إلا إذا قطع أولاً من ضميره أصل محبَّة المال، ولا يستطيع أن يسكن حب المسيح في الضمير إن لم يتجرَّد أولاً من حب المال... لا تندم ولا تحزن أيها الإنسان عندما تكون فقيرًا ومحتاجًا من أجل الله، لأن رجاء عزائك هو في الملكوت، ولا تصغر روحك إذا تضايقت بالجوع والعري، ولا تضجر بل اِفرح واِبتهج بالرجاء الموضوع لك.]

ويحدّثنا القدِّيس يوحنا الذهبي الفم عن المسكنة (أو الفقر) بأنه التواضع بكونه رأس كل فضيلة، قائلاً: [إنه المذبح الذهبي، وهو موضع الذبيحة الروحي، لأن الروح المنسحق ذبيحة لله (مز 51: 17). التواضع هو والد الحكمة، إن كان للإنسان هذه الفضيلة فتكون له بقيّة الفضائل.]

ثالثًا: "طوباكم أيها الجياع الآن لأنكم تُشبعون" [21].

ورد في متَّى النص الآتي: "طوبى للجياع والعطاش إلى البِر، لأنهم يُشبعون" (مت 5: 6). أما في لوقا فيكتفي بالقول: "طوباكم أيها الجياع لأنكم تُشبعون". ومن الثابت أن الجياع والعطاش إلى البِرْ يقومون بعملٍ جليلٍ شريفٍ، لأنهم يسعون بِجِدٍ وراء التقوى والصلاح، كما يسعون في طلب الطعام والشراب.

ويُراد أيضًا بهذه الآية تطويب من يرغب في عيشة الفقر والدعة في غير ما إكراه أو امتعاض، فإنَّ هذا التطويب يعمل على نمو ذهنهم ومضاء عزيمتهم، فيسيرون على نهج الحياة الرسوليّة الرشيدة غير مبالين للكسب الباطل، فلا يعنون بالذهب والفضة ولا تهمُّهم الثياب الفاخرة والملابس الثمينة، وليس عندهم إلا الطعام القليل الذي يكاد لا يسد رمقًا أو يشفي غِلِّة.

مثل هؤلاء الناس الذين استعاضوا عن الحياة الدنيا بالحياة الآخرة، يأنسون بوعد السيِّد المسيح لهم، فلا يأس بعد ذلك ولا قنوط، إذ يصرح يسوع جهارًا بأنهم يُشبعون بما يُفتح لهم من كنوز البركات الروحيّة والعقليّة.

القدِّيس كيرلس الكبير
عندما يُصاب المرء بمرض خطير لا يشعر بالجوع، فالألم يَبتلع الجوع. لكن ما هو هذا الجوع الذي للبِر؟ وما هي الخيرات التي يجوع إليها البار؟ أليست تلك الخيرات التي قيل عنها: "كنتُ فتى وقد شخت الآن، ولم أر صدِّيقًا تُخُلِّيَ عنه، ولا ذُرِّيَّة له تلتمس خبزًا" (مز 36: 22). من يشعر بالجوع يود أن تنمو قوَّته وتتقوَّى الفضيلة.

القدِّيس أمبروسيوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


9 هاتور 1735 ش
19 نوفمبر 2018 م

اجتماع مجمع نيقية المسكونى الاول سنة 325 ميلادية
نياحة البابا أسحق البابا 41

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك