إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

اقوى لحظات المسيح هى لحظات صليبة لأنة فيها استلم ملكة و ملك على البشرية كلها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email



2. شفاء اليدْ اليُمنى

في السبت الجديد انطلق السيِّد المسيح بتلاميذه وسط الزروع لكي يهبهم السنبلة الجديدة سِرْ شبع روحي لهم، مقدِّما فهمًا جديدًا للسبت، بكونه سِرْ راحة داخليّة وشبع عميق، يملأ النفس خلال التقائها بالله واتِّحادها معه. والآن إذ يدخل المجمع في سبت آخر أراد أن يكشف عن السبت أنه ليس يومًا للخمول والكسل، إنما هو راحة خلال العمل الروحي الحق، لذا التقى بصاحب اليدّ اليُمنى اليابسة ليردّ لها الحياة لكي تكون عاملة في الرب.

يرى القدِّيس أغسطينوس أن اليد اليُسرى تشير للعمل المادي، أما اليُمنى فتُشير للعمل الروحي. فالرجل ذو اليد اليمنى اليابسة يشير إلى المجمع اليهودي نفسه، وقد يبست يمينه عن العمل الروحي، إذ تحوَّل السبت إلى توقُّف عن العمل وممارسة حرفيَّات جامدة. وقد جاء السيِّد لينزع هذه اليبوسة، واهبًا للسبت فهمًا جديدًا روحيًا.

في تفسيرنا لإنجيل مرقس (3: 1-6) رأينا القدِّيس أمبروسيوس يتحدَّث عن هذا الرجل بكونه يمثِّل آدم الأول الذي مدّ يده على الشجرة في عصيان لخالقه، فيبِست بالخطيّة واحتاجت إلى السيِّد أن يأتي ليشفيها، لتمتدْ سليمة تمارس الحياة الفاضلة، خلال محبَّة القريب وإنقاذ المظلوم. لقد يبست يدّ يربعام عندما أراد التبخير للأوثان وبسطها عندما صلَّي (1مل 13: 4-6). ورأينا القدِّيس كيرلس الكبير في تعليقه على المعجزة كيف اِهتم السيِّد المسيح ليس فقط أن يشفي اليد اليابسة، وإنما أن يحاور الفريسيِّين في أمر السبت لعلَّهم يقبلون شفاء يُبوسِة فكرهم الحرفي.

يقول الإنجيلي: "ثم نظر حوله إلى جميعهم، وقال للرجل: مدّ يدك"، نظر إليهم السيِّد وهو يئن في داخله من أجل قسوة قلوبهم، فعِوض الاهتمام بشفاء أخيهم من يُبوسة يده والتمتَّع بالحياة العاملة اهتموا بالنقد، متربِّصين للسيِّد ليشتكوا عليه. فإنَّه حتى بعد تمتَّع الرجل بالشفاء عوض مشاركته فرحته "امتلأوا حمقًا، وصاروا يتكلَّمون فيما بينهم ماذا يفعلون بيسوع" [11]. وكما يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [ألم تكن المعجزة كافية لغرس روح الإيمان؟ ينظرون المسيح يعمل بسلطانٍ إلهيٍ، فيشفي المريض بقوّة فائقة، ومع ذلك يقابلون رحمته بغلظة وقسوة بسبب الحسد والنميمة؟!]

3. دعوة التلاميذ


إن كان السيِّد المسيح قد جاء صديقًا للبشريّة، لا تقوم صداقته على العاطفة المجرَّدة، إنما خلال الحب العامل، فإنَّنا رأيناه يدخل بنا إلى الحقول ليقدِّم لنا ذاته السنبلة الجديدة المبذولة على الصليب، نتناولها سِرْ شبع لنا في سبت الراحة الحقيقية. كما نراه يدخل بنا إلى مقدَّساته "المجمع" بكونه رب السبت، يشفي يميننا اليابسة، محولاً حياتنا من الحرف الناموسي الجامد إلى الحياة الإنجيليّة العاملة به وفيه. والآن نراه باسمنا ولحسابنا يخرج إلى الجبل ليصلي، ويقضي الليل كله في حديث ودّي مع الآب. كصديق لنا يعلن عن "الصلاة" طريقًا للصداقة وانفتاحًا على رب السماء!

في مقدِّمة هذا السفر قلنا أنه سفر "الصداقة الإلهيّة" التي تقوم خلال الصلاة، لذلك يظهر السيِّد نفسه كمعلم لنا عن الصلاة، لا بالوصايا الخاصة بممارسة الصلاة الدائمة واللجاجة فيها، وإنما أيضًا بظهوره في أكثر من موضع مصلِّيًا. وقد رأينا الفارق بين صلاة ذاك الذي بلا خطيّة وصلواتنا نحن الخطاة، إذ هو يصلِّي ويشفع بدمه لغفران خطايانا (راجع تفسير لو 5: 16).

يعلّق القدِّيس كيرلس الكبير على قول الإنجيلي: "خرج إلى الجبل ليصلِّي" [12]، قائلاً: [كل ما عمله المسيح لبنياننا ولفائدة المؤمنين باسمه. فلم يقم المسيح بشيء ما، إلا ليقدِّم نموذجًا ساميًا للحياة الروحيّة حتى نعبده عبادة حقيقيّة. والآن فلندرس المثال الحيّ الذي قدَّمه المسيح لنا عند التماس أمر من الإله العلي. يجب أن نصلِّي في الخفاء، فلا يرانا أحد. "فمتى صلَّيت فادخل إلى مخدعك" (مت 6: 6). ليس الغرض من الصلاة طلب المجد والظهور، بل يجب عندما نقف "رافعين أيادي طاهرة" (1 تى 2: 6) أن نصعد إلى السماء إلى مسكن الله متَّخذين مكانًا هادئًا لنكون في معزل عن ضوضاء العالم وهمومه ومتاعبه، ولنعمل كل هذا بنشاطٍ وسرورٍ، لا بقلقٍ وتعبٍ. لنقم بذلك بشوقٍ وغيرةٍ وصبرٍ جديرٍ بالثناء والإعجاب لأنكم تقرأون أن المسيح لم يصلِ فحسب بل مضى الليل كله في الصلاة... مع أنه مولود من الله الآب وتواضع إلى حدِ إخلاء نفسه من أمور عدة، حتى يكون أخًا وشبيهًا بنا في كل شيء ما عدا الخطيّة. شاركنا المسيح في الطبيعة البشريّة ولطَف بنا، فهو لا يزدرى بنا وبطبيعتنا، بل أخذ شبهنا لنقتفي خطواته وننسج على منواله.]

ويعلّق القدِّيس أمبروسيوس قائلاً: [لا يتسلَّق الجبال كل مُصلٍِّ إذ توجد صلاة تحسب خطيّة (مز 108: 7). من تعلَّم الصلاة يسمو فوق الغنى الأرضي إلى السماوي، ويظل متسلِّقًا حتى يبلغ قمَّة الخلوَة العُليا، أما الذي يهتم بغنَى العالم فلا يتسلَّق الجبال إنما يشتهي ما لقريبه (من السُفليَّات). من يتطلَّع إلى رفقة الله يطلب الله فيصعد، هكذا النفوس القويّة تتسلَّق الجبال. لم ينصح النبي أي شخص أن يتسلَّق الجبال إنما يقول: "علي جبلٍ عالٍِ اصعدي يا مُبشِّرة صهيُّون، ارفعي صوتك بقوّة يا مُبشِّرة أورشليم" (إش 40: 9). تسلُّق الجبال لا يكون بالأقدام إنما بسِموّ الأعمال، فإنَّك إذ تتبَّع المسيح تصير أنت نفسك أحد الجبال التي تحيط بك (مز 124: 2).]

ويكمل القدِّيس أمبروسيوس حديثه، فيقول: [الرب يصلِّي لا ليطلب لنفسه، وإنما لأجلنا... فهو شفيعنا... لا تظن أن المسيح يطلب عن ضعف ليأخذ أمرًا يعجز عن تحقيقه، فهو مؤسِّس كل سلطة... إنما يشكِّلنا بقدوتِه في الفضيلة. أيضًا لنا شفيع واحد عند الآب (1 يو 2: 1)، يشفع في خطايانا، ومن ثم فهو لا يطلب عن ضعف وإنما عن حب... لقد قضي الليل كلُّه في الصلاة، مقدِّما لك مثالاً ورسمًا كقدوة نمتثل بها.]

إذ قضى السيِّد المسيح الليل كله في الصلاة، دعا تلاميذه واختار اثنى عشر في النهار، ويلاحظ في هذا الاختيار:

أولاً: يقول القدِّيس أغسطينوس: [اختار التلاميذ من أصل وضيع وبلا كرامات، أُميِّون، حتى إذ يصيروا عظماء ويمارسون أعمالاً عظيمة يكون ذلك بحلوله فيهم وعمله داخلهم.] وكما يقول الرسول بولس: "اختار الله جُهال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، واختار الله أدنياء العالم والمُزدرَى وغير الموجود ليُبطل الموجود، لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه" (1 كو 1: 27-29). لم يختارهم فقط من بين الطبقات الفقيرة، وإنما أيضًا من بين الخطاة ليترفَّقوا بإخوتهم الخطاة.

ثانيًا: شعر التلاميذ بفضل السيِّد عليهم، وكما قال لهم: "لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم، لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم، لكي يُعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي" (يو 15: 16). ليس لهم فضل في الاختيار، إنما الفضل لله الذي اِختارهم. فهو ملتزم بهم، يسندهم ويثمر بروحه فيهم حتى يتمِّموا رسالته، لكن دون سلبيَّة من جانبهم، إنما يجب عليهم التجاوب مع عمل نعمته، والعمل به ومعه لحسابه. هذا ما يؤكِّده الرسول بولس الذي يدرك أنه قد أُفرِز للعمل وهو في الأحشاء في بطن أُمّه (غل 1: 15)، يلتزم بالعمل الإلهي، إذ يقول: "فإذ نحن عاملون معه نطلب أن لا تقبلوا نعمة الله باطلاً" (2 كو 6: 1).

يعلّق القدِّيس كيرلس الكبير على اختيار التلاميذ بقوله: [أخذوا من المسيح قوّة، فأَدهشوا العالم بأعمالهم، ولكن يجب أن نلاحظ تواضع الإنجيلي ووداعته، فلم يقل: "إن الرسل القدِّيسين اُنتخِبوا"، ولكن مضى في ذكر أسمائهم ببساطة ما بعدها من بساطة حتى لا يعمل أحد على الانخراط في جماعة الرسل المنتخبين. وقد قال بولس في هذا الصدد: "ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله" (عب 5: 4). ومع أن الرسل المقدَّسين أفرزهم الله بالاسم لهذه الرسالة السامية إلا أن بعض الناس من وقت لآخر تحرِّكهم نزعة الجنون والجرأة فيزِجُّون أنفسهم وسط الرسل وينتحلون اسمًا لم يُعطوه، وقد أشار الرسل المقدَّسون إلى مثل هؤلاء المغتصِبين بالقول: "لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون مغيرون شكْلهم إلى شبه رسل المسيح، ولا عجب لأن الشيطان نفسه يُغيِّر شكله إلى شبه ملاك نور، فليس عظيمًا إن كان خدَّامه أيضًا يُغيِّرون شكلهم كخُدَّام للبرْ" (2 كو 11: 13-14).]

ثالثًا: في ذكر أسماء الاثنى عشر تلميذًا ذكرهم اثنين اثنين، ليؤكِّد حياة الشركة بينهم، فسِرْ القوّة في التلاميذ هو تجلِّي السيِّد المسيح "الحب الحقيقي" في حياتهم معلنًا في حياتهم الخاصة الداخليّة، كما في حياة الشركة الحيّة. لقد سبق فكرَّرنا كثيرًا أن رقم "2" يشير إلى الحب، الذي يجعل الاثنين واحدًا، وكأنها إرساليّة حب توحِّد القلوب في الرب، وتضم كل النفوس معًا خلال المصالحة مع الآب في ابنه بروحه القدُّوس.

رابعًا: فيما يلي معنى أسماء التلاميذ:

أ. "سمعان" معناها: "السميع" أو "المُطيع"، وقد دعاه السيِّد المسيح "بطرس" وتعني "صخرة"، بكونه أول من أعلن الإيمان بالسيِّد المسيح ابن الله.

ب. "أندراوس" معناها: "الجاد" أو "القوي" أو "البسالة".

ج. "يعقوب" معناها: "المتعقِّب" أو "المُجاهد".

د. "يوحنا" معناها: "الله يتحنَّن" أو "الله ينعِم".

ه. "فيلبس" معناها: "محب الفرس" أو "فم المصباح".

و. "برثلماوس" معناها: "ابن الحارث".

ز. "متَّى" يعني "هبة" أو "عطيّة".

ح. "توما" يعني "التوأم".

ط. "يهوذا" يعني "يحمد" أو "يعترف".

وقد سبق لنا عرض بعض مقتطفات من أقوال الآباء في هذا الشأن عند دراستنا لإنجيل معلِّمنا مرقس البشير (3: 15).


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


9 هاتور 1735 ش
19 نوفمبر 2018 م

اجتماع مجمع نيقية المسكونى الاول سنة 325 ميلادية
نياحة البابا أسحق البابا 41

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك