إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 4 جـ5 PDF Print Email

لم يرفض السيِّد المسيح هذا المثل، إذ يليق بكل معلِّم أن يُعلن تعاليمه خلال حياته قبل كلماته، وإلا انطبق عليه هذا المثل بكونه يقوم بدور الطبيب الذي يدَّعي قدرته على شفاء المرضى، بينما يُعاني هو نفسه من المرض. إنما أوضح أنه لا ينطبق عليه. إذ كانت أعماله تشهد بالأكثر عن أقواله... إنما سِرّ تعثُّرِهم في السيِّد إنما ينبع عن رفضهم له لمجرد أنه من موطنهم، فينطبق عليهم المثل الآخر "ليس نبي مقبولاً في وطنه" [24].

يقول القدِّيس يوحنا ذهبي الفم: [بهذا وضع السيِّد نفسه العمل قبل التعليم... فمن لا يقدر أن يعلِّم نفسه ويحاول أن يصلح من شأن الآخرين يجد الكثيرون يسخرون منه. بالحري مثل هذا لا يكون له القدرة على التعليم مطلقًا، لأن أعماله تنطق بعكس أقواله.]

"ليس نبي مقبولاً في وطنه".

إذ كانت عناثوت وطن إرميا (إر 11: 21) لم تُحسن استقباله؛ وأيضًا إشعياء وبقيَّة الأنبياء رفضهم وطنهم أي أهل الختان... أما نحن الذين لا ننتسب للعهد بل كنَّا غرباء عن الوعد، فقد استقبلنا موسى والأنبياء الذين يعلنون عن المسيح، استقبلناهم من كل قلوبنا أكثر من اليهود الذين رفضوا المسيح، ولم يقبلوا الشهادة له.

العلامة أوريجينوس

استغلَّ السيِّد المسيح مقاومة أهل بلدته له فرصة لإعلان صداقته على مستوى البشريَّة كلها، مؤكدًا أن جامعية العمل الإلهي أمر له جذوره حتى في العهد القديم، إذ قال:

"وبالحق أقول لكم إن أرامل كثيرة كنَّ في إسرائيل،في أيام إيليَّا حين أغلقت السماء مدَّة ثلاث سنين وستَّة أشهر،لما كان جوع عظيم في الأرض كلها.ولم يُرسل إيليَّا إلى واحدة منها،إلاَّ إلى امرأة أرملة إلى صرفة صيداء.وبرْص كثيرون كانوا في إسرائيل في زمان إليشع النبي،ولم يَطْهر واحد منهم إلاَّ نعمان السرياني" [25-27].

كانت هذه الكلمات قاسية على الأذن اليهوديَّة، فقد ظنَّ اليهودي أنه الشخص المدلَّل لِدى الله، صاحب الناموس والعُهود والمواعيد والنبوَّات ومن جنسه يأتي المسيَّا. لكن كشف السيِّد المسيح عن حقيقة حبُّه للبشر بلا تمييز، ففي أيام إيليَّا تمتَّعت أرملة صيداء بما لم تتمتَّع به نساء يهوديَّات كثيرات، ونال الأممي نعمان السرياني الأبرص ما لم ينله البرص من اليهود (1 مل 17 ؛ 2 مل 5).

إننا نرى النبي لم يشفِ إخوته ولا مواطنيه ولا خاصته بل الشعب الغريب (نعمان السرياني الأبرص 1 مل 17 ؛ 2 مل 5)، الذي بلا ناموس ولا يدين بديانته، أفلا يدل ذلك على أن الدواء يتوقَّف على الإرادة وليس على جنس الإنسان، وإن البركات الإلهيَّة ننعم بها حسب اشتياقات قلوبنا، ولا تعطي لنا حسب مولدنا؟ فنتعلم الصلاة بلجاجة طالبين ما نشتهيه، فإن ثمر البركات الإلهيَّة لا يُعطى للفاترين.

الأرملة التي أُرسل إليها إيليَّا كانت رمزًا للكنيسة، التي جاء شعبها وقد جُمع من الأمم. وهذا الذي كان قبلاً نجسًا قبل عماده في النهر المقدَّس، وقد اغتسل من نجاسات الجسد والروح، ولم يعد بعد أبرصًا، صار عذراء عفيفة طاهرة بلا دنس ولا لوم (أف 5: 26). لهذا السبب عَظُم نعمان في عينيّ سيِّده، إذ كشف لنا عن صورة خلاص الأمم، وقد نصحته خادمة بارة أسَرَها العدُو بعد هزيمة بلادها في الحرب، بأن يَطلب خلاصه من النبي، فشُفي نعمان لا بأمر ملك أرضي، وإنما حسب سخاء الرحمة الإلهيَّة...

لقد رفض إليشع الهديَّة، وكان له إيمان تعلَّمه في مدرسة أصول الأعمال، فسِرْ أنت على ما تعلَّمته من مبادئ الرب مقتديًا بالنبي: "مجانًا أخذتم، مجانًا أُعطوا" (مت 10: 8). لا تتأخر في الخدمة بل قدِّمها مجانًا، فلا يجوز لك أن تقيِّم نعمة الله بمالٍ، ولا يليق بالكاهن في عمل الأسرار أن يفكِّر في الغنى بل في الخدمة... علّم عبيدك ذلك وحثُّهم، فإن خدَمَك أحد وضبطته هكذا محبَّا للمال (كجيحزي) فاطرده كما فعل النبي، ولتحسب الأموال التي حصل عليها بطريقة خاطئة تُدنِّس النفس والجسد، قائلاً: "أهوَ وقت لأخذ الفضَّة ولأخذ ثياب وزيتون وكروم وغنم وبقر وعبيد وجوار؟! فبَرَص نُعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد" (2 مل 5: 26-27).

القدِّيس أمبروسيوس

على أي الأحوال يقدِّم السيِّد المسيح هذه الأرملة لليهود بكونها تمتَّعت بما لم تتمتَّع به أرامل كثيرات في أيام إيليَّا. وقد جذبت هذه الأرملة قلوب الكثير من الآباء، فقال عنها القدِّيس يوحنا ذهبي الفم: [قدَّمت هذه المرأة كرمًا أكثر من أبينا إبراهيم.] فإن كان إبراهيم قد قدَّم وليمة للغرباء فاستضاف الرب وملاكيْه، لكنه قدَّم من فيض غِناه، أما هذه فقد قدَّمت أعوازها لنبي الله وعرَّضَت حياتها وحياة ابنها لخطر الموت. لسنا بهذا نقلِّل من شأن عمل أبينا إبراهيم لكننا لا ننكر سمو عمل هذه المرأة الأمميَّة، التي أفاض القدِّيس أمبروسيوس في الحديث عنها، خاصة في مقاله عن الأرامل، إذ رأى فيها رمزًا للكنيسة التي لم تتمتَّع بعطايا إيليَّا، ببركات المسّيا فاتح السماء ليُمطر فيض أسراره الإلهيَّة.

كانت المجاعة في كل موضع، ومع هذا لم تكن هذه الأرملة في عَوَز. ما هذه السنوات الثلاثة! أليست تلك التي فيها جاء الرب إلى الأرض ولم يجد في التينة ثمرًا، كما هو مكتوب: "هوذا ثلاث سنين آتي أطلب ثمرًا في هذه التينة ولم أجد" (لو 13: 7).

هذه الأرملة بالتأكيد هي التي قيل عنها: "ترنَّمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنُّم أيتها التي لم تتمخَّضْ، لأن بني المُسْتوْحِشة أكثر من بني ذات البَعْل" (إش 54: 1). إنها الأرملة التي قيل عنها: "تنسين خِزيْ صِباكِ وعار ترمًّلِك لا تذكُرينه بعد، لأن أنا هو الرب صانعك" (إش 54: 4).

ربَّما هي "أرملة" لأنها فقدت بالحق رجلها عند آلام جسده، لكنها تتقبَّله في يوم الدينونة ابن الإنسان الذي ظهر كأنها قد فقدته، فيقول: "لُحيْظَة تركتُكِ"، فإنه يتركها لكي يتزكَّى إيمانها في أكثر مجد...

الكنيسة هي عذراء وزوجة وأرملة، الثلاثة معًا في جسد واحد في المسيح. إنها إذن تلك الأرملة التي من أجلها كانت توجد مجاعة للكلمة السماوي على الأرض، الأمر الذي أشار إليه الأنبياء. كانت أرملة عاقرًا لكنها حُفظت لتُنجب في الوقت المناسب...

من الذي فتح لها السماوات إلا المسيح الذي يُخرج من الخطاة طعامًا لنُمُو الكنيسة؟! فإنه ليس من سلطان إنسان أن يقول: "إن كوار الدقيق لا يفرغ وكوز الزيت لا ينقص إلى اليوم الذي فيه يعطي الرب مطرًا على وجه الأرض" (1 مل 17: 14)... الرب الذي هو يهِب الأسرار السماويَّة على الدوام، والذي يُعد بنعمته الفرح الروحي الذي لا يبطل، مقدِّمًا مقوِّمات الحياة وأختام الإيمان وعطايا الفضائل.

القدِّيس أمبروسيوس


لقد امتلأ اليهود غضبًا إذ رأوه يكسر تشامخهم، فأخرجوه من المدينة ليُلقوه من حافة الجبل الذي يُقام عليه المدينة. وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس:

[هذه هي خطيَّة اليهود التي سبق فتنبَّأ عنها النبي... فكان الرب يبسط مراحمه على الجموع، وكانوا هم يَكيلون له اللعنات. فليس عجيبًا أن يفقدوا الخلاص ويطردوا الرب الذي خضع لمشيئتهم (مسلِّمًا نفسه لهم)... فقد تألَّم بإرادته، إذ لم يقبض عليه اليهود بل سلَّم نفسه لهم عندما شاء هو أن يقبضوا عليه. عندما أراد سقط تحت الصليب وصُلب، لم يعوقه شيء عن إتمام العمل.

لقد صعد على الجبل وها هو يجوز في وسطهم ويمضي، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد...، ولأنه أيضًا كان يريد شفاءهم لا هلاكهم، حتى متى رأوه في وسطهم وفشلوا في دفعه إلى أسفل يتوبون. لقد جاز المسيح في وسطهم بقوَّة لاهوته، فهل كان يمكن لأحد أن يُمسك به هذا الذي لم تستطع الجموع أن تقبض عليه؟!]

يقول القدِّيس كيرلس الكبير :[جاز المسيح في وسطهم ومضى إلى سبيله، ليس خوفًا من الألم، وإنما لأن ساعته لم تكن قد أتت بعد. كان المسيح في بدء عمله التبشيري، ولا يُعقل أن يترك ميدان العمل قبل نشر كلمة الخلاص والحق.]

يقول القدِّيس أغسطينوس: [عندما جاءوا للقبض عليه بعد ما باعه يهوذا الخائن، الذي تصوَّر أنه قادر على تسليم سيِّده وربُّه، أظهر الرب أنه يتألَّم بإرادته وليس قسرًا. فعندما أراد اليهود القبض عليه قال: "من تطلبون؟" أجابوه: يسوع الناصري، قال لهم يسوع: أنا هو، وإذ سمعوا ذلك "رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض" (يو 18: 4-6).]

4. يسوع العامل بسلطان

"وانحدر إلى كفرناحوم مدينة من الجليل،وكان يعلِّمهم في السِبوت.فبُهِتوا من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان" [31-32].

مدّ الصديق يده لأهله وأقاربه في مدينة الناصرة، لكنها إذ كانت قائمة على تلال عالية، هي تلال الأنا والذات ولم تقبل صداقته، وأراد سكَّانها أن يُلقوه من حافة الجبل حيث توجد المدينة. فانحدر السيِّد إلى كفر ناحوم أي "مدينة النِياح أو الراحة"، أما سِر راحتها فهي أنها كانت منخفضة تحت سطح البحر، تحمل روح التواضع فتقبل صداقة عريسها، وعمله الخلاصي فيها.

خاطب المسيح الشعب في يوم السبت، فبُهِتوا من تعاليمه، لأنه كان يتكلَّم كمن له سلطان وليس كالكتبة. غُلب اليهود في أمره وبُهتوا لأنهم رأوا أمامهم معلِّمًا لا يخاطبهم كنبي فحسب، بل كإله عظيم تجثو له الروح قبل الجسد، ربّ الناموس. ولذلك نطق بمبادئ تسمو عن الناموس. طبقًا لقول الوحي: "وأقطع لكم عهدًا أبديًا مراحم داود الصادقة؛ هوذا قد جعلته شارعًا للشعوب رئيسًا وموصيًا للشعوب" (إش 55: 3، أع 13: 34).

القدِّيس كيرلس الكبير


تأمَّلوا رحمة مخلِّصنا المسيح فإنه لم يغضب بسبب الإهانة ولا تأثَّر بالظُلم ليترك اليهوديَّة، وإنما نسى آثامها ولم يفكِّر إلا في رحمته، لذلك صار تارة يُعلِّم، وأخرى يُنقِذ من الروح الشرِّير، وثالثة يشفي، باحثًا كيف يُليِّن قلب هذا الشعب الغليظ.

القدِّيس أمبروسيوس


يقدِّم لنا العلامة تِرتليان مفاهيم كثيرة للتعبير الإنجيلي "لأن كلامه كان بسلطان" [32]. فمن ناحيَة أنه لم يكن مجرَّد كلام، لكنه يحوي قوَّة العمل وفاعليَّته، لذا يقول لأتباع مرقيون: [اِسحبوا إسحبوا كل أقوال مسيحي، فإن أعماله تتكلَّم.] وكما قال السيِّد المسيح نفسه: "صدِّقوني إني في الآب والآب فيّ، وإلاَّ فصدِّقوني لسبب الأعمال نفسها، الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا ويعمل أعظم منها" (يو 14: 11-12). فسلطانه لا بإظهار وحدانيَّته مع الآب خلال معجزات يقيمها بسلطان، وإنما خلال عمله فينا وسلطان العامل في حياتنا.

ومن ناحية أخرى فإن كلامه كان بسلطان إذ تمَّم الناموس والأنبياء، وكما يقول العلامة تِرتليان في نفس الحديث: [حديثه الإلهي قدَّم سلطانًا ونعمة، بالحري كان يبني جوهر الناموس والأنبياء ولا يهدِمه.]

ومن ناحية ثالثة فقد ظهر سلطانه في حديثه من رعب الشيطان الذي لا يطيق حتى كلماته: [لقد عرف تمامًا أن يسوع هو ابن الله الذي يدين وينتقم وقاسي (على الشيطان) وليس مجرد شخص صالح.]

جاء السيِّد المسيح صديقًا عمليًا للإنسان ليس فقط يعلِّمه بسلطان، وليس كالكتبة والفرِّيسيِّين، وإنما يعمل لحسابه بسلطان، لهذا نجد إنسانًا به روح شيطان في المجمع لم يستطع الروح كعدو للبشر أن يحتمل وجود هذا الصديق بل قال: "آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري؟! أتيتَ لتُهلكنا، أنا أعرفك من أنت قدُّوس الله!" [34].

فزع الروح النجس من القدُّوس وشعر أنه يعمل بقوَّة وسلطان، إذ أحس بمملكته المُظلمة تنهار أمامه. أما السيِّد المسيح فلم يقبل شهادة الشيطان بل انتهره قائلاً: "اخرس واخرج منه" [35]. فأدرك الحاضرون كيف يأمر حتى الأرواح النجسة بسلطان وقوَّة فتخرج!

أَخرج المسيح الأرواح النجسة، وشعرت بعِظم قوَّة المسيح، ولم تجد مناصًا وقد أصابها الفشل والهزيمة إلا أن تطلب من السيِّد بمكر ودهاء أن يتركها وشأنها، فليس ثِمة علاقة بين السيِّد والأرواح النجسة، إنما هذه لغة التملُّق والكذب. فقد اعترفت الأرواح الشرِّيرة بأن المسيح هو "قدُّوس الله" (4: 34)، ظنًّا منها أن ذلك يبعث فيه الغرور والخيلاء، فيرتدي السيِّد أثواب العظمة الفارغة، والأماني الباطلة، ويكف عن انتهارها وتأديبها. نعم إن الشيطان كثير المكر والدهاء، ولكنه يقع بلا شك فريسة خداعه، لأن الرب لا يُخدع أبدًا، ولذلك أخرسها المسيح وأمرها ألاَّ تنطق ببنت شِفَّة.

لا غرابة بعد ذلك أن دُهش الجمع، لأن المسيح يقوم بصنع المعجزات من غير أن يطلب بالصلاة قوَّة من الأعالي، لأنه هو الله نفسه، هو كلمة الله الآب الذي به كون كل شيء، وبواسطته حُطِّمت شوْكة الشيطان، وخرَست ألسِنة الأرواح النجسة.

القدِّيس كيرلس الكبير


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك