إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لا تقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تتردد أما الضعيف فإنه يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 4 جـ1 PDF Print Email



صديقنا يُجُرِّب مثلنا


تمثل الأصحاحات الثلاثة السابقة "سفر التكوين الجديد"، إذ حلَّ كلمة الله المتجسِّد في أحشاء البتول كجنين، ثم صار طفلاً فصبيًا يبارِك الطفولة بحلوله في وسط الأطفال، ويهب حِلقة جديدة للبشريَّة فيه. والأصحاح الرابع يمثِّل سفر الخروج الجديد، فلا ينطلق بالشعب إلى البرِّيَّة 40 عامًا، إنما يدخل بنفسه إليها ليُجُرَّب واهبًا النصرة لشعبه فيه. في القديم تعثَّر الشعب، وهلك في البرِّيَّة بسبب السقطات المستمرَّة، أما الآن، فقدَّم لنا بتجُرَّبته قوَّة وخلاصًا.

1. التجربة في البرِّيَّة 1-13.

2. يسوع في الجليل 14-15.

3. يسوع المرفوض من خاصَّته 16-30.

4. يسوع العامل بسلطان 31-37.

5. شفاء حماة بطرس 38-41.

6. كرازته في مجامع الجليل 42-44.

1. التجربة في البرِّيَّة


في الأصحاحات الثلاثة السابقة رأينا صديقنا السماوي ينزل إلينا يشاركنا كل شيء، صار جنينًا في الأحشاء مثلنا، وخضع للناموس، وإنطلق مع الجموع إلى المعموديَّة، وإذ ليس له خطيَّة يعترف بها، حملنا فيه خليقة جديدة تتمتَّع بالبنوَّة للآب، وتحمل فيها روحه القدُّوس. فما أُعلن في نهر الأردن من أمجاد كان لحسابنا وباسمنا، فيه استرددنا طبيعتنا الأولى الصالحة، وصار لنا حق التمتَّع بالفردوس المفقود واللقاء مع الآب في دالة البنوَّة. الآن إذ صار مثلنا أكَّد هذه الصداقة على صعيد العمل، فانطلق بالروح إلى البرِّيَّة يُجُرَّب أربعين يومًا. عوض البرِّيَّة التي انطلق إليها إسرائيل يحمل روح التذمر المستمر، حملنا هو في جسده إلى البرِّيَّة بطبيعته الغالبة والمنتصرة.

تعالوا نسبِّح للرب ونرتِّل أناشيد الفرح لله مخلِّصنا، ولِندُس الشيطان تحت أقدامنا، ونهلِّل بسقوطه في المذلَّة والمهانة. لنخاطبه بعبارة إرميا النبي: "كيف قُطعتْ وتحطَّمتْ مطرقة كل الأرض... قد وُجدت وأُمسكت لأنك قد خاصمت الرب" (إر 50: 23-24).

منذ قديم الزمان وقبل مجيء المسيح مخلِّص العالم أجمع والشيطان عدوُّنا الكبير يفكِّر إثمًا وينضح شرًا، ويشمخ بأنفه على ضعف الجبلة البشريَّة، صارخًا "أصابت يدي ثروة الشعوب كعشٍ، وكما يُجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفِّف" (إش 10: 14).

والحق يُقال لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس، إلا الابن يسوع المسيح الذي سكن المغارة، كافحه كفاحًا شديدًا وهو على صورتنا، ولذلك انتصرت الطبيعة البشريَّة... في يسوع المسيح، ونالت إكليل الظفر والغلبة، ومنذ القِدم يخاطب الابن على لسان أنبيائه عدوُّنا اللدود إبليس بالقول المشهور: "هأنذا عليك أيها الجبل المُهلك، (يقول الرب) المُهلك كل الأرض" (إر 51: 25).

والآن تعالوا معي لنرى كيف يصف الإنجيلي المغبوط يسوع المسيح وهو يقاتل بالنيابة عنَّا مهلك الأرض بأسرها. "أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس" (لو 4: 1).

انظروا طبيعة الإنسان في المسيح وقد دهنتها نعمة الروح القدس، وتوَّجتها بالإجلال والإكرام، فإن الله سبق أن وعد قائلاً: "إنّي أسكب روحي على كل بشر" (يوئيل 2: 28). وقد تمَّت هذه النبوَّة لأول مرَّة في يسوع المسيح، لأن الله لم يهب روحه للناس قديمًا، وكانوا ضعاف العقول صغار النفوس، فقد ورد: "لا يدين روحي في الإنسان لزيغانه، وهو بشر" (تك 6: 3). ولكن في المسيح وُجدت خليقة جديدة تقدَّست بالماء والروح، فلم نصبح أولاد لحم ودم، بل أبناء الله الآب، فلنا الآن نعمة التبنِّي، وبهذا العطف الأبوي صرنا شركاء في الطبيعة الإلهيَّة.

فلم يكن بمستغربٍ إذن أن يكون بِكْرنا أول من يتسلَّم الروح القدس، مع أنه هو مانح الروح القدس حتى يهبه لنا نحن إخوته الأعزَّاء. وأشار إلى ذلك بولس الرسول بالقول: "لأن المقدَّس والمقدَّسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً: "أُخبر باسمك إخوتي" (عب 2: 12).

لذلك يصف الإنجيلي المسيح: "رجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس" (لو 4: 1) وأرجو ألا تنحرفوا عن جادة الحق ولا يُسيئكم القول بأن المسيح الكلمة تقدَّس، بل فكَّروا بالأولى في حكمة الفداء والخلاص، فإن المسيح تأنَّس وتجسَّد لا حبًا في تجنُّب ما اِختصَّ به الإنسان، بل شاركنا في إنسانيَّتنا حتى يزيدنا من غناه، ويشرِّفنا بعظمة مكانته فإن المسيح شاركنا في كل شيء ما عدا الخطيَّة.

القدِّيس كيرلس الكبير

كان هدف ربَّنا يسوع المسيح في صومه وخلوته هو شفاؤنا من جاذبيَّة الشهوة، فلأجل الجميع قبِل أن يُجُرَّب من إبليس لنعرف كيف ننتصر نحن فيه.

جاء الرب ليعتمد لأنه صار للكل كل شيء (1 كو 9: 20). خضع للناموس لأجل الذين هم تحت الناموس، فاختتن ليكسب الذين تحت الناموس، وشارك الذين بلا ناموس في أكلهم ليربح الذين بلا ناموس. صار للضعفاء كضعيفٍ بالآلام التي تحمَّلها في جسده ليربحهم (2 كو 8: 9). فرحًا مع الفرحين، بكاءً مع الباكين (رو 12: 15)، جاع مع الجياع... كريمًا مع الأغنياء وسجينًا مع الفقير (إش 26: 20)، عطش مع السامريَّة (يو 4: 7)، وجاع في البرِّيَّة (مت 4: 6) ليُكفِّر بصومه عن سقوط آدم الأول الذي سبَّبه شهوة الطعام والتلذُّذ به، فشبع آدم من معرفة الخير والشر لضررنا، وجاع المسيح لفائدتنا.

القدِّيس أمبروسيوس

"وكان يُقتاد بالروح في البرِّيَّة،أربعين يومًا يجُرَّب من إبليس،ولم يأكل شيئًا في تلك الأيام،ولما تمَّت جاع أخيرًا" [1-2].

سكن المسيح البرِّيَّة بالروح، أي روحيًا، وصام فلم يهب الجسم حاجاته الضروريَّة. قد يسأل أحدكم: وأي ضرر ينشأ إن سكن المسيح المدن على الدوام؟ وكيف اِستفاد المسيح من عيشته في البرِّيَّة، وهو لم يكن في حاجة إلى صلاح؟ ولمَ صام المسيح مع أنه لم يكن في حاجة إلى الصوم؟ فقد وُضعت هذه الفريضة لقتل اللذَّات والشهوات وإخضاع ناموس الخطيَّة الذي في داخلنا والمتملُّك على مختلف الانفعالات التي تبعث فينا شهوة الجسد الدنيئة؟ فهل كان المسيح في حاجة إلى الصوم، وهو الذي به قَتل الآب الخطيَّة في الجسد، حتى أن بولس الرسول الحكيم يقول: "لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه فيما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيَّة، ولأجل الخطيَّة دان الخطيَّة في الجسد، لكي يتم حكم الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو 8: 3)؟

فالمسيح إذن دان الخطيَّة في الجسد ومحا الإثم الذي تمَلَّك الطبيعة البشريَّة رِدحًا من الزمن؟ مارس المسيح الصوم وهو مقدَّس ونقي بطبيعته لا عيب فيه ولا نقص ولا تغيير ولا ظل دوران! لمَ صام المسيح فاعتزل عيشة المدن وسكن البرِّيَّة وتحمَّل تعب الصوم؟ أن هذا العمل العظيم الذي قام به المسيح هو لتعليمنا يا أحبائي. فقد رسم لنا المسيح الخُطَّة التي يجب علينا انتهاجها، ومهَّد لنا طريقًا قويمًا نسير عليه، هذا الطريق الذي يسير فيه جماعة الرهبان المقدَّسين؟ وإلا كيف كان الناس يعشقون عيشة البراري، ويستفيدون من حياة العُزلة والانفراد ويرون فيها خلاصًا لنفوسهم وسلامًا لأرواحهم؟ إن جماعة الرهبان يهجرون العالم ليبتعدوا عن أمواجه الهائجة وعواصفه الثائرة، ويحرَّروا نفوسهم من الفوضى والاضطراب والغرور والشهوات، أو كما قال يوسف المغبوط يخلع الناس عنهم ما عليهم ليقدِّموا للعالم مقتنياته وممتلكاته. ويشير بولس الرسول إلى أولئك الذين تعوَّدوا العيشة مع المسيح: "ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل 5: 24). ويُضيف إلى ذلك قوله بأن عيشة الزهد لابد منها، وأن ثمار هذه العيشة الصوم والتحمُّل ونبذ الأطعمة قليلاً أو كثيرًا فإنه بذلك يمكن قهر الشيطان، ولكن لاحظوا أن المسيح عُمِّد أولاً ثم امتلأ بالروح القدس، وبعد ذلك سكن البرِّيَّة واتَّخذ الصوم سلاحًا له في محاربة إبليس وجنوده، وكل هذا لتعليمنا، حتى ننسج على منواله، ونحتذي منهجه، فعليكم بادئ ذي بدء أن تلبسوا خوذة الله، وتتمنطقوا بدِرع الإيمان، وتتمسَّكوا بصولجان الخلاص. يجب في بداية الأمر أن تُمنحوا قوَّة من الأعالي، وذلك عن طريق العماد المقدَّس، فيمكنكم بهذه أن تسلكوا حياة شريفة مع الله العظيم، ثم بشجاعة روحيَّة تعتزلون الناس للسكن في البراري، ثم تصومون صومًا مقدَّسا، فتقمعون أهواء الجسم، وتهزمون إبليس إذا ما أراد تجريبكم، ففي المسيح إذن نجد كل سلاح نتقوَّى به.

نعم يظهر المسيح بين المقاتلين فيَمنح الجائزة ويتوِّج المنتصرين بإكليل الفوز والغلبة. والآن فلنتأمَّل مصارعات المسيح مع إبليس؟ "صام أربعين يومًا، وجاع أخيرًا".

كيف يجوع المسيح وهو الذي يُشبعنا من دسم نعمته؟ أليس المسيح هو الخبز السماوي الذي نزل من السماء حتى لا يجوع من يتغذى منه؟ صام المسيح "وجاع" لأنه قَبِلَ أن يكون مثلنا، فكان لابد أن يتحمَّل ما يجب أن يتحمَّله إنسان بشري.

القدِّيس كيرلس الكبير


[يقدِّم لنا مقارنة بين تجرِبة آدم في الفردوس، وتجرِبة آدم الثاني في البرِّيَّة] لنتأمَّل كيف طُرد آدم الأول من الفردوس، ولنعرف كيف رجع آدم الثاني من البرِّيَّة إلى الفردوس، ولنتأمَّل أيضًا كيف تمَّ الإصلاح وبأي ترتيب حدث. وُلد آدم من أرض بكر، ووُلد المسيح من العذراء (البكر)، خُلق آدم على صورة الله، أما المسيح فهو صورة الله (الجوهريَّة). كان للأول سلطان على كل الحيوانات غير العاقلة، أما الثاني فله سلطان على كل شيء.

اتَّصفَت حواء بالتردُّد، واتَّصفت العذراء بالحكمة.

جاءت الشجرة بالموت، وجاء الصليب بالحياة.

كان الأول في الفردوس، أما المسيح فكان في البرِّيَّة، لكنه جاء ليبدِّد ضلال المحكوم عليه ويردُّه للفردوس...

لم يكن ممكنًا أن يتراجع الله عن حُكمه، فتمَّ حُكم الموت في واحد عوض الآخر.

إن كان آدم قد سقط وهو في الفردوس لعدم وجود الراعي، فكيف كان يمكنه أن يجد الطريق وهو في البرِّيَّة بلا راعٍ يقوده؟ ففي البرِّيَّة تكثر التجارب... ويسهل الانحدار نحو الخطيَّة...

أي راع يستطيع أن يعيننا أمام فِخاخ هذه الحياة وخِداعات إبليس "لكي نجاهد ليس ضد لحم ودم، بل ضد الرؤساء والسلاطين وأجناد الشر الروحيَّة في الهواء" (أف 6: 11)؟! هل يُرسل الله ملاكًا وقد سقط بعض الملائكة؟!... هل يرسل ساروفًا، هذا الذي نزل على الأرض وسط شعب نجِس الشِفتين (إش 6: 6)، لم يُطهِّر سوى شَفتيّ نبي واحد بجمرَّة من نار؟! إذن كان يلزم البحث عن راعٍ آخر نتبعه جميعنا؛ فمن هو هذا الراعي العظيم الذي يستطيع أن يهيئ الخير للجميع إلا ذاك الذي هو أعلى من الكل؟! من يرفعني فوق هذا العالم إلا مَن هو فوق العالم؟! من هو هذا الراعي العظيم الذي يستطيع بقيادة واحدة يرعى الرجل والمرأة، اليهودي واليوناني، أهل الختان وأهل الغُرلة، البربري والسكِّيثي (كو 3: 11)، العبد والحر، إلا ذاك الذي هو الكل في الكل؟!

الفخاخ كثيرة أينما ذهبنا، فخاخ الجسد، وفخاخ الناموس (حرفيَّته)، والفخاخ التي ينصبها إبليس على جناح الهيكل وعلى قمَّة الجبل، وفخاخ الفلسفات، وفِخاخ الشهوات، لأن العين الزانية هي فخْ الخاطئ (أم 7: 22)، وفِخاخ محبَّة العالم، وفِخاخ التديُّن (الرياء)، وفِخاخ في حياة الطهارة (احتقار سرّ الزواج)... غير أن أفضل طريقة تحطِّم هذه الفِخاخ هو عرض طُعم لإبليس لينقَضْ على فريسته فينطبق الفخْ عليه، عندئذ نستطيع أن نردِّد: "نصبوا لرجلي فخاخًا فسقطوا فيها" (مز 56: 7). ما هذا الطُعم إلا الجسد... فقد أخذ الرب جسد تواضعنا وضعفنا، ليُعطي فرصة للعدو أن يحاربه فينهزم العدو إبليس...

الآن المسيح في البرِّيَّة يقود الإنسان ويعلِّمه ويشكِّله ويدرِّبه ويدهنه بالمسحة المقدَّسة، وعندما يراه قويًا يقوده إلى المراعي الخضراء المخصبة... أخيرًا يقوده إلى البستان أثناء الآلام، كما هو مكتوب: "تكلَّم يسوع بهذا ثم خرج مع تلاميذه إلى جبل الزيتون، حيث كان بستان دخله مع تلاميذه" (يو 18: 1)... أخيرًا فإن إرجاع الإنسان بقوَّة الرب تؤكِّد لنا هذه الحقيقة التي أبرزها القدّيس لوقا بين كل البشريِّين، بتلك الكلمات التي قالها الرب للِّص: "أنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 44).

رجع يسوع ممتلئًا من الروح القدس إلى البرِّيَّة يتحدَّى إبليس، فلو لم يجُرِّبه إبليس لما اِنتصر الرب لأجلي بطريقة سِرِّيَّة، محرِّرا آدم من السبي.

القدِّيس أمبروسيوس

"لقد أُصعد يسوع إلى البرِّيَّة من الروح"، بلا شك من الروح القدس، ليس كمن هو مُلزم أو من هو أسير، إنما اُقتيد باشتياق إلى المعركة ليُصارع.

القدِّيس جيروم


يسوع قائدنا سمح لنفسه بالتجربة حتى يُعلِّم أولاده كيف يحاربون.

القدِّيس أغسطينوس

أ. تجربة الخبز

إذ دخل السيِّد المسيح المعركة نيابة عنا، ليغلب باسمنا ولحسابنا، بدأت التجارب بتجربة الخبز، فقد طلب الشيطان من السيِّد المسيح أن يحول الحجر إلى خبز ليأكله في جوعه. من جانب فإن هذه التجربة تقابل تجربة آدم الأول الذي سقط في العصيان خلال الأكل من شجرة معرفة الخير والشر. فجاء السيِّد صائمًا يقاوم العدُو ويغلبه رافضًا السماع له رغم إمكانيَّته من تحويل الحجر إلى خبز، كما حوّل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل. ومن جانب آخر فإن هذه التجربة سمح بها الرب ليُعلن أُبوَّة الشيطان المخادعة للخطاة، فإن الآب الحقيقي لا يقدِّم حجرًا إن طلب منه ابنه خبزًا كقول السيِّد المسيح (لو 11: 11)، أما هذا العدو فيقدِّم حجرًا عوض الخبز ليأكله الإنسان، فيحمل في أحشائه حجرًا قاسيًا!

ليتنا نرفض كل حجر يقدِّمه العدو فلا نأكله كخبز لننمو قساة القلب بلا حب ولا حنو!

يرى العلامة أوريجينوس أن الحجر الذي يقدِّمه العدو هو الهرطقات التي يقدِّمها العدُو كخبزٍ غاشٍ، فنظنَّها كلمة الله المشبعة.

"وقال له إبليس:إن كنتَ ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا.فأجابه يسوع، قائلاً:"مكتوب أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان،بل بكل كلمة تخرج من فم الله" [3-4].

قفز إبليس إلى حيث كان المسيح، ونظر إلى الحجر وخاطب المسيح، قائلاً: "إن كنت ابن الله، فقلْ لهذا الحجر أن يصير خبزًا" (لو 4: 3). ترون أن إبليس يدنو من المسيح كإنسانٍ، كأحد القدِّيسين، ومع ذلك يرتاب في المسيح. لكن كيف سعى الشيطان ليتحقَّق من لاهوت المسيح؟ كان يعلم أنه لا يمكن تغيير طبيعة المادة إلى طبيعة أخرى تغايرها في الجوهر إلا بقوَّة إلهيَّة، فإما المسيح يُغيِّر المادة فيرتبك إبليس في أمره، أو يعجز عن القيام بهذا العمل، فيُسَر الشيطان لأنه لم يجد أمامه سوى إنسانًا ضعيفًا يمكن مقاومته.

علم السيِّد المسيح ما كان يجول بخُلد إبليس، فلم يغيِّر الخبز ولم يعلن عجزه عن تغييره. اِنتهر المسيح الشيطان بالقول: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (لو 4: 5). ومعنى ذلك أنه إذا منح الله الإنسان القوَّة أمكنه أن يحيا بدون أكل، وعاش كما عاش موسى وإيليَّا بقوَّة أربعين يومًا ولم يذوقا شيئًا، فإذًا استطاع المسيح أن يعيش بدون طعام، فلم يحوِّل الحجر خبزًا إلا أن المسيح لم يقل قط أنه "لا يستطيع ذلك" حتى لا يتطرَّق الشك بأنه إنسان لا إله، ولم يقل أستطيع ذلك لئلا يتركه الشيطان وشأنه، وكان المسيح يريد تعليمنا دروسًا أخرى.

لاحظوا يا أحبائي كيف أن طبيعة المسيح نبذَت شراهة آدم ونهمه، فبأكل آدم غُلبنا، وبزهد المسيح انتصرنا.

الجسم يأكل ما تُخرجه الأرض من دسم، أما النفس العاقلة فطعامها كلمة الله الخالدة. فإن الخبز الذي تجود به الأرض يُغذي جسمًا عناصره هي عناصر الخبز الأرضي، أما الخبز السماوي الذي يبعث به الله من فوق يُغذِّي النفس الباقية. هذا هو الخبز السماوي الذي يتغذَّى به جمهور الملائكة.

القدِّيس كيرلس الكبير

السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ إصحاح 4 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


10 هاتور 1735 ش
20 نوفمبر 2018 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك