إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أقوال الأنبا باخوميوس اب الشركة

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email



2. الحث على التوبة

"وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعتمدوا منه:

يا أولاد الأفاعي، من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي.

فاصنعوا ثمارًا تليق بالتوبة،

ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا،

لأني أقول لكم أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم.

والآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجر،

فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار
" [7-9].

ويلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: خروج الجموع بأعدادٍ وفيرةٍ للمعموديّة لم يكن في ذاته يُفرِّح قلب القدِّيس يوحنا المعمدان، ولا يحسبه نجاحًا للخدمة، إنما كان يلزم أن ترتبط المعموديّة بالتوبة العمليّة النابعة عن الإيمان الحق، وفي المسيحيّة يرتبط العماد بالإيمان العملي، وإن قُدِّمت للأطفال فيتعهَّد الإشْبين، وغالبًا ما يكون أحد أو كلا الوالدين هما الإشْبينين، يتعهدان بتربية الطفل في الإيمان المسيحي العملي.

جاء في مقالات القدِّيس كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد: [هل دخلتَ لأن الحارس لم يمنعك... أم لأنك تجهل الزي اللائق بدخولك الوليمة؟!... اُخرج الآن بلياقة واُدخل غدًا وأنت أكثر اِستعدادًا.] [حقًا أن العريس يدعو الجميع بغير تمييز لأن نعمة الله غنيّة، وصوت الرسل يعلو صارخًا لكي يجمع الكل؛ لكن العريس نفسه يقوم بفرز من دخلوا معه في علاقة زوجيّة رمزيّة. آه! ليته لا يسمع أحد ممَّن سُجِّلت أسماءهم هذه الكلمات: يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لِباس العرس ( مت 22: 12).]

ثانيًا: دعاهم "أولاد الأفاعي"، قائلاً: "يا أولاد الأفاعي، من أراكم تهربوا من الغضب الآتي؟!" [7]. وقد أخذ هذا التشبيه من واقع البيئة التي عاش فيها، إذ تكثر الأفاعي في البراري. ولعلَّه يقصد بالأفاعي هنا اِتِّسامهم بثلاث سِمات: الأولى: حب الأذيَّة للآخرين، فالأفعى سامة وقاتلة للإنسان. حب الأذى حتى للمقرَّبين فيقال أن بعض الأنواع من الأفعى تأكل الصِغار الأم. كما تزحف الأفعى على بطنها فتُمثِّل الفكر الترابي الأرضي.

يُقصد بهذه الكلمات شرور اليهود الذين تدنَّسوا بسِموم قلوبهم الشرِّيرة، هؤلاء الذين أحبُّوا معوجَّات الأفاعي وجحورها المُختفية في باطن الأرض، عوضًا عن محبَّتهم لأسرار معرفة الله، ومع ذلك فإن الكلمات: "من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي" تشير إلى رحمة الله التي وهبتهم فرصة للتوبة عن خطاياهم، متوسِّلاً إليهم موضَّحًا لهم بأمانة كاملة الدنيويّة الرهيبة العتيدة.

يقصد يوحنا بـ "أولاد الأفاعي" اليهود كجنس لا كأفراد، فقد قيل: "كونوا حكماء كالحيَّات" (مت 10: 16)، فقد وُهبت لهم الحكمة الطبيعيّة، لكنهم اِستغلُّوها لذواتهم دون التفكير في ترك خطاياهم.

القدِّيس أمبروسيوس

حسنًا دعاهم أولاد الأفاعي، إذ يُقال أن ذلك الحيوان عند ولادته تأكل الصغار بطن أُمِّها وتُهلكها فيخرجون إلى النور، هكذا يفعل هذا النوع من الناس، إذ هم قتلة آباء وقتلة أُمَّهات (1 تي 1: 9) يبيدون معلِّميهم بأيديهم.

القدِّيس يوحنا ذهبي الفم

ثالثًا
: يسألهم ألا يتَّكلوا على نسبهم الجسدي لإبراهيم: "لا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا"، إنما يليق بهم أن يحملوا البنوَّة لإبراهيم خلال السلوك العملي فكأبناء حقيقيِّين يتمثِلون بإيمانه كما بسلوكه، وإلا فإن الله قادر أن يُقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم، وقد أقام بالفعل، ويبقى على الدوام يقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم، أقام في العهد القديم من أحشاء سارة العاقر والتي تشبه الحجر إسحق ونسله غير المُحصى أولادًا لإبراهيم، ولا يزال يُقيم من القلوب المتحجِّرة قلوبًا مؤمنة تحمل البنوَّة لإبراهيم أب المؤمنين.

أنذرهم أن يتأيَّدوا لا بنُبل جنسهم بل ببريق أعمالهم، فالمولد لا يُعطي أي اِمتياز ما لم يزكِّيه ميراث الإيمان.

كان الله يستعد لتليين قسوة قلوبنا ليصنع من هذه الحجارة شعبًا مؤمنًا.

القدِّيس أمبروسيوس

ما فائدة الحسب والنسب إذا كان الأبناء لا يسيرون في طريق الشرف والنبل كما يسير أجدادهم وأسلافهم؟! لذلك يقول المخلِّص: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم" (لو 8: 39)، يريد الله أن تكون القرابة مؤسَّسة على الأخلاق والأعمال، لأنه من العبث أن تفتخر بالوالدين الصالحين المقدَّسين، وأنت قاصر عن بلوغ شأنهم في الصلاح والفضيلة.
يطلق يوحنا المعمدان المغبوط لفظة الحجارة على الأمم، لأنهم لم يعرفوا المسيح الذي بطبيعته إله، فجنحوا عن عبادة الله وسجدوا للخليقة لا الخالق، ولكن المسيح دعاهم فلبُّوا دعوته، وأصبحوا أبناء لابراهيم، واعترفوا بإيمانهم بيسوع بأُلوهيّة المخلِّص يسوع المسيح.

القدِّيس كيرلس الكبير


يستطيع الله أن يجعل من الحجارة أولادًا لإبراهيم؛ يشير هنا إلى الأمم، إذ هم حجارة بسبب قسوة قلوبهم، لنقرأ: "وأنزع قلب الحجر عن لحمك وأعطيكم قلب لحم" (خر 36: 26)، فالحجر صورة القسوة، واللحم رمز اللطف. لقد أراد أن يظهر قوّة الله القادر أن يخلق من الحجارة الجامدة شعبًا مؤمنًا.

القدِّيس چيروم


رابعًا: يستخدم أسلوب التهديد بالعقوبة: "والآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تُقطع وتُلقي في النار" [9].

لنتمثل بالأشجار المثمرة، فتنمو فضائلنا تسندها جذور التواِضع المستمر، ولنرتفع عن الأرضيَّات ونحمل في القمَّة أعمال التوبة المثمرة، فلا يأتي فأس المزارع ليقطع الغُصن البرِّي (غير المُثمر)، إذ "ويل لي إن كنتُ لا أبشِّر" (1كو 5: 6)، هذا ما نطق به الرسول، أما أنا فأقول: ويلٌ لي إن كنت لا أبكي على خطاياي؛ ويلٌ لي إن كنت لا "أقوم في نصف الليل لأشكرك على أحكام عدلك" (مز118: 12)؛ ويلٌ لي إن وشيْت بقريبي؛ ويلٌ لي إن كنت لا أنطق بالحق.

هوذا الفأس على أصل الشجرة، فليْتها تنمو وتقدِّم ثمر الشكر وثمرة التوبة.

هوذا الرب يقف يجني الثمار ويَهب الحياة عِوض الثمر، ويكتشف الشجرة التي لم تثمر ولها ثلاث سنوات (لو 13: 7). إنه لم يجد ثمرًا لليهود، لعلَّه يجد فينا ثمرًا، إذ هو مزمع أن يقطع من لا ثمار لهم حتى لا يشغلوا الأرض باطلاً.

ليجاهد من هم بلا ثمر أن يكون لهم في المستقبل ثمر، فإن زارع الأرض الطيِّب يشفع فينا نحن الذين بلا ثمر وبلا نفع لكي تُترك لنا فرصة، ويطيل الله أناته علينا لعلَّنا نقدر أن نقدِّم بعضًا من الثمار.

القدِّيس أمبروسيوس


وتشير الفأس إلى سخط الله وغضبه من جراء تعدِّي اليهود على المسيح وعظَم جرمهم ضد السيِّد، فيقول زكريَّا في هذا الصدد: "في ذلك اليوم يعظم النوح في أورشليم كنوح هدد رمون..." (زكريَّا 12: 11) ويخاطب إرميا أورشليم أيضًا فيقول: "زيتونة خضراء ذات ثمر جميل الصورة دعا الرب اسمك، بصوت ضجَّة عظيمة أوقد نارًا عليها فانكسرت أغصانها ورب الجنود غارِسك قد تكلَّم شرًا" (إر 11: 16)، ويمكنكم فوق ذلك أن تضيفوا إلى هذا القول مثَل التينة في الأناجيل المقدَّسة، لأنه لمَّا كانت شجرة التينة غير مثمرة فإن الله شاء فجفَّت جذورها،

ولاحظوا أن المعمدان لا يقول "إن الفأس" وُضعت في "داخل" أصل الشجرة بل على أصل الجذور، ويراد بذلك أن الأغصان ذبُلت وهوَت، أما النبات فلم يُستأصل من جذوره، لأنه توجد بقيّة من شعب إسرائيل تابت إلى الله فخلُصت ولم تهلك هلاكًا أبديًا.

القدِّيس كيرلس الكبير

ما هي هذه الفأس التي توضع على أصل الشجرة لتقطعها وتُلقيها في النار إلاّ كما يقول القدِّيس چيروم "السيف ذي الحدِّين"، كلمة الله التي تقطع كل ما هو غير مُثمر فينا، كلمة الله قويَّة وفعّالة قادرة أن تحطِّم فينا كل عُقْم لتُقيم فينا بالدم الطاهر ثمارًا حيَّة.

خامسًا
: إذ هدَّد بقطع الشجرة التي بلا ثمر من جذورها والإلقاء بها في النار، أوضح أن الثمر هو "الحب العملي" أو الرحمة، إذ يقول:

"وسأله الجموع قائلين: فماذا نفعل؟

فأجاب وقال لهم: من له ثوبان فليُعطِ من ليس له،

ومن له طعام فليُفعل هكذا
" [10-11].

لقد سأله عشَّارون وجند أيضًا، وكانت وصيَّته لهم تتركَّز في الرحمة والحب العملي، إذ طلب من العشَّارين لا أن يتركوا عملهم، بل في أمانة لا يستغلُّوا مركزهم، فيجمعوا ضرائب أكثر ممَّا يجب لحسابهم الخاص، كما لم يطلب من الجند أن يتركوا عملهم، بل لا يستغلُّوا وظيفتهم فيظلموا الآخرين، أو يَشُوا بأحدٍ، إنما يكتفون بالعمل بأمانة، ولا يطلبوا سِوى أجرتهم (اِكتفوا بعلائفكم).

أجاب يوحنا المعمدان إجابة واحدة تناسب كل عمل بشري... الرحمة هي فضيلة عامة، والمبدأ الأساسي الذي يجب أن يُعمل به في كل مكان ويمارسه كل سن، فلا يستثني منه الفرِّيسي ولا الجندي ولا الفلاح... لا الغني ولا الفقير، إذ الجميع مدعوُّون أن يُعطوا من ليس معهم، لأن الرحمة هي كمال الفضائل.

القدِّيس أمبروسيوس


حقًا لم يمنعهم من الخدمة كجنودٍ عندما أمرهم أن يكتفوا بأجورهم حسب الخدمة.

القدِّيس أغسطينوس

 

السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح3 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


6 هاتور 1735 ش
16 نوفمبر 2018 م

نياحة القديس فيلكس بابا روميه
تذكار تكريس كنيسة العذراء الاثرية بدير المحرق العامر بجبل قسقام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك