إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لا تقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تتردد أما الضعيف فإنه يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 1 جـ7 PDF Print Email

رابعًا: دخلت مريم بيت اليصابات تحمل عريسها في أحشائها، لذلك إذ سلَّمت عليها يقول الإنجيلي: "فلما سمعت اليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت اليصابات من الروح القدس" [41].

أقول ليتنا في زياراتنا ولقاءاتنا مع الآخرين نحمل إليهم مسيحنا القدِّوس الذي يبهج أحشاءهم الداخليّة، ويلهب روحه القدِّوس فيهم، عوض أن نحمل معنا أفكارًا شرِّيرة وكلمات إدانة فنملأهم غمًا ونطفئ الروح في داخلهم.

وقد لاحظ الدارسون أن كلمة "ارتكَض" بالعبريّة جاءت بمعنى "رقص"، هي ذات الكلمة التي استخدمت حين رقص داود النبي أمام التابوت.

أسألك أن تقبل الحبل به وأن ترقص أمامه، إن لم يكن في الرحم كيوحنا فعند استقرار التابوت كما فعل داود.

القدّيس غريغوريوس النزينزي

بدون شك إذ امتلأت اليصابات من الروح القدس إنما ذلك لأجل ابنها يوحنا، الذي كان لا يزال في بطن أمه امتلأ من الروح القدس. وإذا تقدَّس الابن بعد ذلك امتلأت اليصابات أيضًا من الروح القدس.

العلامة أوريجينوس

ظهرت في الحال بركات زيارة مريم ووجود الرب، لأنه عندما سمعت اليصابات صوت سلام مريم ارتكَض الجنين بابتهاج في بطنها وامتلأت من الروح القدس.

كانت اليصابات أول من سمع صوت مريم، لكن يوحنا كان أول من تأثر بالنعمة...

عرفت اليصابات قدوم مريم، وشعر يوحنا بوجود المسيح،

المرأة شعرت بوجود المرأة، والجنين شعر بوجود الجنين،

وبينما كانتا تتحدَّثان عن النعمة، كان الجنينان يحقّقان في الداخل عمل المراحم الإلهيّة.

الطفل ارتكَض ثم امتلأت الأم، إذ لم تمتلئ قبل الطفل...

القدّيس أمبروسيوس

إذ امتلأ يوحنا من الروح القدس تقدَّس وهو في بطن أُمِّه لكي يعمد الرب.

إنه لم يكن يمنح الروح لكنه كان يبشِّر بالذي يمنحه، إذ كان يقول: "أنا أعمِّدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي... هو سيعمِّدكم بالروح القدس ونار" (مت 3: 11). لماذا بالنار؟ لأن الروح القدس نزل على شكل ألسنة كأنها من نار (أع 2: 3). بهذا الخصوص قال الرب بفرح: "جئت لأُلقى نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطربت؟!" (لو 12: 49).

عمل هذا الروح في اليصابات. أنه يعرف العذارى وصديق المتزوِّجين أيضًا إن كان زواجهم شرعيًا.

القدّيس كيرلس الأورشليمي

خامسًا: إن كان ابتهاج الجنين في الأحشاء يشير إلى الثمر الروحي الداخلي في النفس، فإنَّ الجسد أيضًا يشترك مع النفس في هذا الثمر، لذلك انطلق لسان القدّيسة اليصابات يُعلن عمَّا في داخلها منسجمًا ومتناغمًا معه، إذ "صرخت بصوتٍ عظيم،ٍ وقالت: مباركة أنتِ في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك. فمن أين لي هذا أن تأتي أُم ربِّي إليّ؟! فهوذا حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني. فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب" [42-45].

بينما كان العالم كله يجهل كل شيء عن البشارة للقدّيسة مريم، إذ بالقدّيسة اليصابات تُعلن أُمومة مريم لربِّها، بالرغم من عدم وجود أيّة ظاهرة لهذا الحدث الإلهي. والأمر المُدهش أن هذه الأحداث العجيبة من ارتكاض الجنين مبتهجًا وامتلاء اليصابات بالروح القدس وشهادتها لأمومتها لربِّها تمَّت بمجرد إصغاء اليصابات لسلام مريم، وكأن ابن الله الساكن في أحشاء القدّيسة مريم قد تكلَّم بنفسه على لسان أُمِّه، وعمل خلال تصرُّفاتها.

لقد طوَّبت اليصابات مريم لأنها صارت أُمًّا لله خلال تجسّد الكلمة، وقد بقيت الكنيسة عبر الأجيال تطوَّبها، فقد وقف القدّيس كيرلس الكبير يتحدَّث أمام آباء مجمع أفسس، قائلاً: [السلام لمريم والدة الإله، الكنز الملوكي للعالم كله، المصباح غير المنطفئ، إكليل البتوليّة، صولجان الأرثوذكسيّة، الهيكل غير المفهوم، مسكن غير المحدود، الأم وعذراء. السلام لك يا من حملتِ غير المُحوى في أحشائك البتوليّة المقدَّسة.]

يعلِّق العلامة أوريجينوس على كلمات اليصابات وعلى لسانها، قائلاً:

[أيُّ عمل حسن قمْتُ به؟ أو ما هي أهميّة الأعمال التي مارِسْتُها حتى تأتي أم ربي لرؤيتي؟!

هل أنا قدّيسة؟! أيُّ كمال أو أيَّة أمانة داخليّة بموجبها استحقّقتُ نيل هذا الامتياز: زيارة أم ربِّي إليَّ؟!]

ويعلِّق القدّيس أمبروسيوس قائلاً على لسانها:

["من أين لي"، بمعنى أنها لفرصة عظيمة أن تأتي أم ربِّي إليَّ، أعترف إني لا استحقُّها.

"من أين لي"، أي فضَّل لي، أو أيّ عمل قمتُ به، أو أيّ حق هو لي... فإنَّي أشعر بالمعجزة وأتلمَّس السرّ.]

6. تسبحة العذراء

إذ انطلق لسان اليصابات يطوِّب العذراء لأنها آمنت بالمواعيد، وحملت كلمة الله في أحشائها، انطلق أيضًا لسان العذراء بالتسبيح لله. وهكذا تحوّل اللقاء إلي مُمارسة لحياة تعبُّديّة على مستوى تسبيحي ملائكي، يمجِّد الله ويُعلن أسراره الفائقة بفرح.

"فقالت مريم: تعظِّم نفس الرب،

وتبتهج روحي بالله مخلِّصي" [46-47].

يقول العلامة أوريجينوس: [قبل ميلاد يوحنا تنبَّأت اليصابات، وقبل ميلاد الرب مخلِّصنا تنبَّأت مريم. وكما بدأت الخطيّة بالمرأة ثم بلغت إلي الرجل، هكذا بدأ الخلاص في العالم بواسطة نساء العالم، تغلَّبْن على ضعف جنسهن. لننظر الآن نبوَّة العذراء وهي تقول: "تُعظِّم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلِّصي"، فإنَّ النفس والروح يشتركان في التعظيم.]

لقد أساءت حواء إلى خالقها حين شوَّهت روحها بالعصيان، وأفسدت خليقة الله الصالحة، فلم تعد حياتها تمجّد الخالق ولا أعماقها تُعلن عن بهائه. وقد جاءت القدّيسة مريم تحمل كلمة الله في أحشائها، يردّ لنفسها جمالها الأول، وتصير روحها مبتهجة بكونها صورة الله ومثاله.

يقول العلامة أوريجينوس: [يحدّث تساؤل: كيف تعظِّم نفسي الرب؟ حقًا إن كان الرب لا يقبل الزيادة ولا النقصان إنما بلا تغيير، فإلى أي مدى يمكن لمريم أن تقول هذا؟: "تعظِّم نفسي الرب"؟... كلما كبرت صورة (المسيح فيَّ) وصارت بهيّة بأعمالي وأفكاري وأقوالي، تكون قد كبرت صورة الرب وتمجّد... وكما أن صورة الرب تزداد بهاءً فينا، فإنَّنا إذ نخطئ تصغر الصورة وتبهت...]

أما قول العذراء "تبتهج روحي بالله مخلِّصي" فيحمل مفهومًا لاهوتيًا هامًا أن القدّيسة مريم مع سموِّها العظيم تحتاج إلى "الخلاص" كسائر البشر، وتبتهج به، إذ وُلدت تحمل الخطيّة الأصليّة (الجديّة) التي ورثناها عن أبوينا الأوَّلين. لقد أدركت القدّيسة سّر تمتُّعها بالنعمة الإلهيّة، إذ قالت: "نظر إلى تواضع أمته". لم تقل أن الله نظر إلى صلواتها أو أصوامها أو سهرها أو عدلها أوحكمتها، لكنة "نظر إلى تواضع أَمَتِه". لقد عرفت الطريق الذي به تنطلق إلى مراحم الله وتغتصب عطاياه وهو "التواضع". فإن كان عدو الخير قد فقد مركزه خلال الكبرياء، فقد جعل الكبرياء فخًا يقتنص به كل بشر إلى ملكوت ظلمته، حارمًا إيَّاه من خالقه مصدر حياته وعلَّة بهجته.

"فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوِّبني، لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدِّوس، ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتَّقونه" [48-50]. لقد أدركت القدّيسة مريم عظمة العطيّة التي نالتها إذ تمتَّعت بواهِب العطايا نفسه، تحمله في أحشائها، لذا جميع الأجيال (جميع المؤمنين عبر العصور) يطوِّبونها من أجل عمل الله معها. وها هي الكنيسة قد امتلأت ليتورجياَّتها بتطويبها، مُعلنه عمل الله فيها ومعها بتجسُّد الكلمة مخلِّص العالم.

إننا نطوِّبها عبر العصور، لا كعذراءٍ عاشت ثم ماتت، وإنما كعذراء تجلّى في حياتها عمل الله الخلاصي الفائق. فكل مؤمن يتطلَّع إليها فيرى فيها نعمة الله الفائقة التي وُهبت للبشريّة. إن كانت العذراء قد تمتَّعت بأمومة للسيِّد المسيح إذ حملته متجسِّدا في أحشائها كما حملته بالإيمان في قلبها، فإنَّ النفس التي تتمتَّع بالشركة مع الله تنعم أيضًا بنوع من الأمومة، لذلك يقول الأب ميثودوسيوس: [الكنيسة في حالة تمخُّض إلى أن يتشكَّل المسيح ويولد داخلنا. فكل قدّيس يتمتَّع بشركة مع المسيح كأنما يولد المسيح فيه من جديد!]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [احرص أن تتمِّم مشيئة الآب لكي تكون أُمًا للمسيح (مر 3: 35).]

يعلِّق القدّيس كيرلس الكبير على بقيّة تسبحة العذراء، قائلاً: [صنع قوّة بذراعه، شتَّت المستكبرين بفكر قلوبهم" [51]:

[تشير مريم "بالذراع" إلى الرب يسوع المسيح الذي ولدَته، "وبالمستكبرين" إلى إبليس وجنوده الذين أغواهم الكبرياء فسقطوا في حضيض الذُل والمسكَنة، بل وتشير مريم أيضًا بالمستكبرين إلى حكماء الإغريق الذين أبوا أن يقبلوا جهالة المسيحيّة كما اِدَّعوا، وإلى جمهور اليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع المسيح فتفرَّقوا في أطراف الأرض.

أنزل المسيح الأعزَّاء عن الكراسي، فقد تضعضع سلطان إبليس وجنوده فلم يعودوا يملكون العالم بأن يحفظوا في أسرهم جمهور الجنس البشري. وسقط الكتبة والفرِّيسيُّون اليهود من مجدهم العالي، لأنهم تكبَّروا عن قبول السيِّد المسيح.

السابق

1 2 3 4 5 6 7 8 9

التالى

+ إقرأ إصحاح 1 من إنجيل لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل لوقا +
 


8 هاتور 1735 ش
18 نوفمبر 2018 م

تذكار الاربعة حيوانات الغير متجسدين
استشهاد القديس نيكاندروس كاهن ميرا
نياحة الاب بيريوس مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية
نوة المكنسة شمالية غربية شديدة المطر 4 أيام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك