إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم قبل التناول والطهارة الجسدية تشعرك بهيبة السر فيدخل الخشوع إلى روحك ومعه الأهتمام بالإستعداد

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 1 جـ4 PDF Print Email

ثالثًا: "ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" [15]. بعد أن حدَّد اسمه وأعلن فاعليته كمُفرِّح للقلوب أوضح إمكانيَّاته، فمن الجانب السلبي "خمرًا ومسكرًا لا يشرب"، كنذير للرب لا يكون لملذَات العالم أو بهجته موضع في قلبه أو في جسده، أما من الجانب الإيجابي فإنَّه لا يعيش محرومًا بل يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه. يُحرم من الخمر المادي المسكر ويرتوي بالخمر السماوي المفرح!

يقول العلامة أوريجينوس: [جاء رئيس ملائكة يعلن عن ميلاد يوحنا الذي يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه...، ففي بطن أمه تهلَّل يوحنا من الفرح، ولم يستطع أن يتوقَّف عندما جاءت أم يسوع، بل كان يحاول أن يخرج من بطن أمه... "هوذا حين صار صوت سلامك في أذني اِرتكض الجنين بابتهاج في بطني" [44] .]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [كان يفتقر لروح الحياة (كجنين) ونال روح النعمة، فإنَّ حقيقة الحياة تسبقها النعمة للتقديس، إذ يقول الرب: "قبلما صوَّرتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك، جعلتك نبيًا للشعوب" (إر 1: 5). شتَان بين روح العالم وروح النعمة، فالأولى تبدأ بالميلاد وتنتهي بالموت، أما الثانية فلا يحدّها الزمن ولا السنين، ولا يطفئ الموت شعلتها، ولا يغلق عليها رحم الأمومة... إن من يمتلك روح النعمة لا يعود يفتقر إلى شيء، ومن نال الروح القدس بلغ قمة الفضائل.]

رابعًا: "ويردّ كثيرون من بني إسرائيل إلى الرب إلههم" [16]. هنا يؤكِّد رسالته وهي ردْ الكثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم بتمهيد الطريق بالتوبة لقبول السيِّد المسيح مخلِّص العالم. يرى العلامة أوريجينوس أن العالم في حاجة مستمرَّة إلى عمل يوحنا الذي يسمِّيه "سرّ يوحنا" ليدخل بكل نفس إلى الثبوت في المسيح، إذ يقول: [اِعتقد من جانبي أن سّر يوحنا لا يزال يتحقّق إلى يومنا هذا، فيستطيع الإنسان أن يؤمن بيسوع المسيح إن كان له روح يوحنا وقوَّته في نفسه، هذا لكي يعد شعبًا كاملاً لربِّنا، وإن كان له الخشونة ويسلك الطريق الضيق... إلى اليوم روح يوحنا وقوَّته يسبقان مجيء الرب يسوع.]

خامسًا: "ويتقدَّم أمامه بروح إيليَّا وقوَّته" [17]. يعلِّق العلامة أوريجينوس على هذه العبارة هكذا: [لم يقل بنفس إيليَّا بل "بروح إيليَّا وقوَّته"، فكان لإيليَّا روح وقوّة كسائر الأنبياء... الروح الذي سكن في إيليَّا سكن يوحنا، والقوّة التي في إيليَّا كانت في يوحنا.]

ويقدَّم لنا القديس أمبروسيوس مقارنة لطيفة بين إيليَّا ويوحنا المعمدان، جاء فيها:

[عاش إيليَّا في البريّة وكذا يوحنا،

وكانت الغربان تعول الأول أما الثاني ففي طريق البريّة قد داس كل إغراءات الملاهي، وأحبَّ الفقر مبغضًا الترف. الواحد لم يسَعَ لكسب رضاء آخاب الملك، والثاني اِحتقر رضا هيرودس الملك.

رداء الأول مزَّق مياه الأردن، بينما الثاني جعل من هذه المياه مغسلاً يهب خلاصًا.

الأول ظهر مع الرب في المجد (عند التجلِّي)، والثاني يحيا مع الرب في الأرض.

واحد يسبق مجيء الرب الأول والآخر يسبق مجيئه الثاني.

الأول أنزل الأمطار على الأرض بعد أن جفَّت ثلاث سنوات والثاني غسل تراب أجسادنا في مياه الإيمان خلال ثلاث سنوات (سنة عهد الآباء وسنة عهد موسى والأنبياء؛ ثم سنة مجيء الرب إلهنا ومخلِّصنا).]

إن سّر القوّة في القدّيس يوحنا أنه حمل روح إيليَّا، لا بمعنى روحه كشخص، إنما روح القوّة التي وُهبت له من قِبل الله، أو الإمكانيَّات التي قُدَّمت له، لهذا يقول القدّيس أغسطينوس: [يقصد بروح إيليَّا الروح القدس الذي تقبله إيليَّا.]

3. صمت زكريَّا

"فقال زكريَّا للملاك:

كيف أعلم هذا، لأني أنا شيخ، وامرأتي متقدَّمة في أيامها؟

فأجاب الملاك وقال له:

أنا جبرائيل الواقف قدام الله،

وأُرسلت لأكلِّمك وأُبشرك بهذا.

وها أنت تكون صامتًا، ولا تقدر أن تتكلَّم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا،

لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته" [18-20].

في هذا الحوار الذي تم بين رئيس الملائكة جبرائيل وزكريَّا الكاهن داخل الهيكل نلاحظ الآتي:

أولاً: لم يصدِّق زكريَّا الكاهن كلمات الملاك، بالرغم من رؤيته للملاك وسماعه للصوت الملائكي بطريقة ملموسة، في النهار، داخل الهيكل، الأمر الذي جعله يُلام عليه، خاصة وأن التاريخ المقدَّس يذكر أمثلة حيّة لأُناس شيوخ أنجبوا بينما كانت نساؤهم عاقرات كسارة امرأة إبراهيم. لكن زكريَّا كان بارًا، لم يلقِ باللوم على زوجته في عدم الإنجاب، ولم يذكر حتى بينه وبين الملاك أنها عاقر، إنما بدأ بنفسه قائلاً: "أنا شيخ وامرأتي متقدَّمة في أيامها". أقول ما أجمل النفس البارة الرقيقة في أحاسيسها، لا تجرح مشاعر الآخرين حتى في غيبتهم! إنه لا يشكو حتى للسماء من أجل عُقر زوجته!

ثانيًا: أعلن رئيس الملائكة عن نفسه أنه "جبرائيل" ويعني "جبروت الله"، أما سرّ قوَّته أو جبروته فهو كما قال "الواقف قدام الله". جاء يحمل الوعد الإلهي وليبشِّر، لكنه التزم أيضًا أن يؤدَّب بالصمت كأمر الله!

ثالثًا: في محبَّته وهب زكريَّا الكاهن البشارة المُفرحة بميلاد يوحنا كهبة مجَّانيَّة قُدَّمت له، بل وللبشريّة كلها، والآن إذ تمتَّع الكاهن بهذا الوعد الأكيد، وحدَّد له الرب على فم رئيس ملائكته اسم المولود وسِماته ورسالته وإمكانيَّاته، ومع ذلك لم يصدِّق، لذلك سمح الله في محبَّته أيضًا أن يؤدِّبه إلى حين. الله في أبوَّته لنا يهب كما في أبوَّته يؤدِّب لبنياننا.

والعجيب حتى الأخطاء التي نرتكبها يستخدمها الله للخير، فما حدث لزكريَّا بسبب شكِّه صار رمزًا لما يحدث للشعب اليهودي الذي لم يصدِّق السماء ولا مواعيد الله، فلم يقبل ربِّنا يسوع ملِكًا روحيًا ومخلِّصًا. لهذا سقط تحت تأديب الصمت، حتى يقبلوا الإيمان في أواخر الدهور. سقطوا تحت الصمت إذ رفضوا كلمة الله المتجسّد، فنزع عنهم الأنبياء وتوقَّفت العبادة الهيكليّة.

يقول العلامة أوريجينوس: [صمت زكريَّا هو صمت الأنبياء عند شعب إسرائيل، فلا يتكلَّم الله بعد مع اليهود بينما جاء الله الكلمة الذي من البدء. لقد صار معنا المسيح الذي لا يصمت، لكنه صامت حتى يومنا هذا بالنسبة لليهود.]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [الصمت هو الكف عن تقديم الذبائح وسكوت الأنبياء، فقد توقَّف صوت النبي والكاهن، إذ يقول الله "سأنزع الجبار والنبي والقاضي" (إش 1: 31)... أما بالنسبة لنا، فقد جاء إلينا كلمة الله الذي لا يمكن أن يسكت فينا، لذا لا يستطيع اليهودي أن يحاور المسيحي: "إذ أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلَّم فيّ" (1 كو 13: 3).]

إن كان زكريَّا في صمته كان يومئ بالإشارات والحركات الجسديّة لحرمانه من موهبة الكلام، ففي هذا كان أيضًا يرمز لليهود الذين اهتموا بأعمال الناموس الجسديّة بلا فهم روحي، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [في اِعتقادي توجد أفعال بدون أقوال أو معنى، لا تختلف عن الإيماءات التي بلا معنى... فإذا اِعتبرنا الشرائع اليهوديّة كما بدون كلام لعدم فهمها وتفسيرها... يمكننا أن نفهم ما حدث لزكريَّا صورة لما يحدث مع اليهود حتى أيامنا هذه. التطهير عندهم أشْبه بحركة بسيطة دون معنى، فإنَّ نظرنا إليه يمكننا اِعتباره إيماءة بسيطة وعملاً صامتًا. أيضًا الفصح والأعياد الأخرى ما هي إلا حركات بسيطة لا حقائق. وحتى يومنا هذا الشعب الإسرائيلي أصم وأبكم، فإنَّه إذ رفض "الكلمة" وابتعد عنه صار هكذا .]

إن كان زكريَّا الكاهن قد صمت، إنما لكي بصمته أعلن عن الحاجة إلى "الكلمة" الإلهي الذي فقده إسرائيل... وكأنه حتى بالصمت مهَّد الطريق للإعلان عن السيِّد المسيح. هذا ومن جانب آخر، فقد سمح له بالصمت كفرصة رائعة يتوقَّف فيها الكلام مع الناس لكي ينشغل قلبه بالحديث مع الله، يتأمَّل أعماله ويتلمَّس أسراره ويتفهَّم النبوَّات.

كما اِعتزل زكريَّا كلام الناس بسبب صمته، اِعتزلت اليصابات زوجته الناس بسبب خجلها، إذ يقول الإنجيلي: "وبعد تلك الأيام حبلت اليصابات امرأته، وأخفت نفسها خمسة أشهر، قائلة: هكذا قد فعل بي الرب..." كانت لهما فرصة روحيّة للحديث مع الله وحده، يتأمَّلان عمله معهما، وينتظران عطيَّته لهما.

اِستنتج العلامة أوريجينوس والقدّيس أمبروسيوس من خجل اليصابات أنها إذ لم تنجب زمانًا توقَّفت عن العلاقات الجسديّة بينها وبين رجلها، إذ كان رجال الله يلتقون بزوجاتهم جسديًا من أجل الإنجاب، فإنَّ تحقّقوا من عدم الإنجاب بقيت علاقاتهم مرتبطة بالحب الزوجي دون علاقات جسديّة... هكذا إذ حملت اليصابات خجلت من الظهور أمام الناس، حتى اِلتقت بالسيِّدة العذراء الحاملة لكلمة الله المتجسّد في أحشائها، وإذ ابتهج الجنين في أحشائها لم تعد اليصابات تخجل... إنها تحمل ثمرًا فائقًا؛ تحمل من هو أعظم مواليد النساء، يوحنا السابق.

ونحن يمكننا أن نقول بأن العلاقات الجسديّة بين الزوجين مقدَّسة وطاهرة مادامت باعتدال، لا يغلب عليها روح الشهوة والأنانيّة خلال طلب لذَّة الجسد، بل روح الحب الزوجي والعطاء. في المسيح يسوع كلمة الله المتجسّد - يجد الزوجان أنهما قد صارا جسدًا واحدًا، يعيشان بالروح حتى في لحظات لقائهما معًا، يظللهما روح الله بلا اِنقطاع، فيكونا مقدَّسين على الدوام في كل تصرفاتهما.

السابق

1 2 3 4 5 6 7 8 9

التالى

+ إقرأ إصحاح 1 من إنجيل لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل لوقا +
 


7 هاتور 1735 ش
17 نوفمبر 2018 م

تذكار تكريس كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس باللد
تذكار القديس جاؤرجيوس الاسكندرى
استشهاد القديس الانبا نهروه
استشهاد القديس أكبسيما وأبتولاديوس
نياحة القديس الانبا مينا اسقف تيمى الامديد

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك